كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

ليلى عبداللطيف : من الالهام والتأويل الى سقوط نبوءات الغيب المزعوم

ليلى عبداللطيف : من الالهام والتأويل الى سقوط نبوءات الغيب المزعوم

تاريخ النشر: 2026-02-11 | 14:57

ليست مقولة كذب المنجمون ولو صدقوا حديثا نبويا ثابتا عن رسول الله لكنها تعبير دقيق عن حقيقة راسخة في الوعي الديني والعقلي مفادها ان ادعاء معرفة الغيب كذب في اصله وان ما يصيب فيه بعض المنجمين احيانا لا يصدر عن علم ولا عن قدرة خاصة بل يقع اما مصادفة او موافقة لقدر الهي لا يملكون له فهما ولا تحكما وقد جاء الاسلام ليقطع الطريق على هذا الوهم فحرم التنجيم وعده من الكهانة وربطه بالسحر واعتبر ادعاء علم الغيب من اعظم صور التعدي على مقام الالوهية لان الغيب استأثر الله به وحده لا يشاركه فيه نبي مرسل ولا ملك مقرب

بهذا المعنى فان خطورة التنجيم لا تكمن في كذبه فحسب بل في اثره العقدي والفكري حين ينقل الانسان من مساحة الايمان والتعقل والعمل الى دائرة التعلق بالخرافة وانتظار المجهول وقد بينت النصوص الشرعية ان ما يخلط في بعض اقوال الكهنة من صدق انما هو استدراج وابتلاء ليغتر به الجاهلون بينما يغلب الكذب على مجمل خطابهم فيبقون كاذبين في الجملة ولو وافق بعض كلامهم واقعا وهو ما تؤكده التجربة التاريخية والعقل السليم معا ليجعل من هذه المقولة مدخلا كاشفا لفهم ظاهرة التنجيم قديما وحديثا بعيدا عن الانبهار الاعلامي وقريبا من ميزان الدين والعقل وسنن التاريخ

علميا لم يكن حضور العرافين والمنجمين في حياة البشر ظاهرة عابرة او طارئة بل ارتبط منذ فجر التاريخ بحالة القلق الوجودي التي تلازم الانسان حين يقف امام المجهول فكلما ضعفت قدرته على الفهم والتحليل ازداد ميله الى البحث عن اجابات جاهزة تريحه من عناء التفكير وقد شهدت الحضارات القديمة من بابل الى مصر ومن اليونان الى روما صعود الكهنة والعرافين بوصفهم وسطاء بين الانسان والمصير غير ان حركة التاريخ نفسها تكفلت مرارا بتعرية هذا الدور حين اصطدمت النبوءات بالوقائع وسقط الادعاء امام منطق الاحداث

في المشهد العربي المعاصر برز اسم ليلى عبداللطيف بوصفه واحدا من اكثر النماذج حضورا في سوق التوقعات مستفيدة من مناخ اعلامي يبحث عن الاثارة ومن جمهور مثقل بالخوف وعدم اليقين وقد حرصت في خطابها على التمييز اللفظي بين التنجيم والالهام غير ان هذا الفصل لا يصمد فلسفيا لان جوهر الادعاء واحد وهو تجاوز حدود الانسان بادعاء الاطلاع على ما لم يقع بعد وهو ما يضع هذا الخطاب في تعارض مباشر مع العقل والدين معا

من الامثلة الصارخة على ذلك توقعها المتكرر ببقاء نظام بشار الاسد وعدم سقوطه بل ذهابها ابعد من ذلك بالحديث عن مشهد شعبي داعم في دمشق في وقت كانت فيه التحولات الجيوسياسية تشير بوضوح الى نهاية مرحلة وبداية اخرى وقد انتهى الامر فعليا بسقوط النظام نهاية عام 2024 ضمن تسويات دولية معقدة ما يكشف ان التوقع لم يكن قراءة عميقة للواقع بل اسقاطا رغبويا انفصل عن مسار التاريخ

كذلك الحالة الليبية تمثل بدورها دليلا اضافيا على هذا الانفصال عن الواقع اذ اصرت ليلى عبداللطيف في اكثر من ظهور اعلامي على ان سيف الاسلام القذافي سيقود ليبيا الى بر الامان وان عودته الى الحكم مسألة وقت غير ان اغتياله لاحقا اسقط هذا السيناريو بالكامل وطرح سؤالا جوهريا حول طبيعة هذه التوقعات وهل هي معرفة مسبقة ام مجرد رهانات تخطئ اكثر مما تصيب

ان محاولة تبرير هذا الفشل بالحديث عن تغير الظروف او افشال المخططات لا تقوم على اساس منطقي لان التوقع الذي يدعي استشراف المستقبل يفترض فيه ان يحيط بالمتغيرات لا ان ينهار امامها كما ان تبرير الاصابة بالمخابرات والخطأ بالمصادفة يكشف خللا في الوعي الجمعي الذي يبحث عن تصديق ما يريده لا ما يثبته العقل

الملاحظ انه عند توسيع زاوية النظر تاريخيا تتضح الصورة اكثر فسقوط الاتحاد السوفييتي مثل صدمة كبرى لكل مدارس التنجيم والعرافة اذ لم يجرؤ اشهر المنجمين في الشرق الاوروبي على توقع انهيار قوة عظمى خلال سنوات قليلة بل سادت نبوءات تتحدث عن قرن شيوعي جديد وهو ما يثبت ان من لا يقرأ قوانين الاجتماع والاقتصاد محكوم عليه بالعمى مهما ادعى امتلاك البصيرة

كما ان الحرب العالمية الاولى اندلعت في زمن كان فيه المنجمون حاضرين بقوة في بلاطات ملوك اوروبا ومع ذلك سادت توقعات عن سلام طويل واستقرار دائم قبل ان تنفجر القارة في واحدة من اعنف الحروب في التاريخ وهو ما شكل تناقض فاضح بين النبوءة والواقع
وفي الولايات المتحدة واوروبا قبيل الكساد العظيم روج عدد من العرافين والمنجمين لازدهار اقتصادي غير مسبوق لكن الانهيار المالي كشف خواء تلك التنبؤات واكد ان التاريخ لا يخضع للتنجيم بل لقوانين معقدة لا ترى بالنجوم ولا بالكفوف

القصة تتكرر ايضا مع العرافة البلغارية العمياء بابا فانغا التي نسبت اليها نبوءات عن نهاية العالم وزوال دول كبرى ثبت لاحقا ان معظمها لم يتحقق او اعيد تفسيره بعد وقوع الاحداث وكذلك مع المنجم الروسي بافيل غلوبا الذي قدم تواريخ دقيقة لانهيارات كبرى ثم اضطر الى الهروب نحو عبارات مطاطة تحتمل كل شيء ولا تثبت شيئا

اما العراف الشهير نوستراداموس الذي يقدمه البعض بوصفه مرجعا تاريخيا للتنبؤ فقد كشفت الدراسات النقدية ان لغته الرمزية سمحت بأسقاط الاحداث عليها بعد وقوعها لا قبلها وهو ما يحول نبوءاته الى نصوص مفتوحة على التأويل لا دليلا على علم مسبق وقد استخدمت عبر القرون لتبرير حروب وصعود طغاة وسقوط امم دون ان تقدم حقيقة واحدة ثابتة

فلسفيا يقوم ادعاء التنبؤ بالغيب على مغالطة كبرى وهي الخلط بين الاحتمال واليقين فكل حدث تاريخي يحمل احتمالات متعددة لكن تحويل احدها الى قدر محتوم قبل وقوعه ليس معرفة بل مقامرة فكرية يغلفها اصحابها بلغة الغموض ليحتموا من المحاسبة العقلية

دينيا يحسم النص القرآني هذه المسألة بوضوح حين يؤكد ان الغيب لا يعلمه الا الله وان ادعاء البشر الاطلاع عليه تجاوز لحدود العبودية والمعرفة وقد بينت النصوص النبوية كيف تختلط الكذبة بالصدق في كلام الكهنة فيصدقهم الناس بالكلمة الواحدة وينسون عشرات الاكاذيب وهو توصيف دقيق لما يجري اليوم في فضاء الاعلام الحديث

الخطر الحقيقي لا يكمن في العراف ذاته بل في المجتمع الذي يمنحه الشرعية حين يتخلى عن التفكير النقدي ويبحث عن اجابات سحرية لمشكلات معقدة فتتحول الامة من فاعل في التاريخ الى متلق ينتظر ما يقال له عن مستقبله بدل ان يصنعه بوعيه وعمله وان اصابة عراف في حدث ما لا تمنحه مصداقية لان المصادفة جزء من طبيعة الاحتمال اما المنهج العقلي والعلمي فهو وحده القابل للاختبار والمراجعة والتصحيح وهو ما يفتقر اليه خطاب التوقعات الذي يقوم على التصريح لا البرهان

من هنا فان اقتران اسم ليلى عبداللطيف بمقولة كذب المنجمون ولو صدقوا لا يحمل طابعا شخصيا فيه اساءة بل يعبر عن موقف فكري ومعرفي من ظاهرة تتكرر عبر التاريخ بأسماء مختلفة ووجوه متبدلة ويبقى جوهرها واحدا بيع الوهم في زمن القلق حيث يظل السؤال الاهم ليس لماذا تخطئ ليلى عبداللطيف بل لماذا يصر كثيرون على تصديقها رغم كل هذه الشواهد والاجابة تقودنا الى ازمة وعي عميقة حيث يفضل البعض الطمأنينة الوهمية على الحقيقة الصعبة وينشد اليقين السريع بدل الفهم العميق وهنا يكمن التحدي الاكبر الذي يواجه مجتمعاتنا

اخيرا لقد كذبت ليلى عبداللطيف وكل منجم مفتري وصدق الله تعالى اذ قال في محكم تنزيله (( قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ )) فالغيب كله عنده سبحانه وهو الذي يعلمه جل وعلا وليس عند المنجمين والسحرة والكهنة ونحوهم ممن يدعون علم الغيب
 

×
أخبار
مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط