كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مؤتمر "فتح" يواجه تحديات الوضع الفلسطيني

مؤتمر "فتح" يواجه تحديات الوضع الفلسطيني

تاريخ النشر: 2016-12-01 | 09:37

جاء الإتصال الذي لم أتوقعه يبلغني بالدعوة لأكون ضيفاً على مؤتمر «فتح» المنعقد في مدينة رام الله. تسارع تفكيري حول مدى قدرتي على الحضور وتلبية دعوة جاءت من مكتب الرئيس أبو مازن ومن القائد الفتحاوي عباس زكي. دعوة الى فلسطين التي تسكنها الأحلام والأحزان وتقع في جغرافيا هي بين الألم والأمل وبين الظلم والحق والعودة واللجوء يصعب أن ترد. حزمت الحقائب وركبت الطائرة الى الأردن ومن مطارها اتجهت الى الحدود الأردنية- الفلسطينية حيث جسر الملك حسين. مررت فوق نهر الأردن عند المنطقة الفاصلة وقبل الوصول الى نقاط التفتيش الإسرائيلية، عدت بذاكرتي الى بدايات وعيي السياسي وأنا في المدرسة عام ١٩٦٨ عندما أعجبت بالفدائيين من «فتح» ممن كانوا يعبرون هذا النهر من أجل العودة الى الأرض. مات منهم المئات بعد حرب ١٩٦٧ على ضفاف هذا النهر وأطرافه.

تبددت الذكريات عندما وجدت نفسي أمام حاجز إسرائيلي مكون من نقطة تفتيش مدججة بالأسلحة. «أوراقك». قال الجندي للسائق. قدمت أوراقي، لم يقل الجندي شيئاً، لم يبتسم ولم يعبس، فهو يعاني من ملل التفتيش والبحث عن شيء لا يعرفه بين ألوف القادمين. سارت المركبة قليلاً واذا بي أمام مركز الجوازات الإسرائيلي الذي يفصل الأردن عن الضفة الغربية المحتلة. في المركز الحدودي ضباط إسرائيليون وقوات أمن وعسكريون واستخبارات. في هذا المكان تفتيش دقيق يتميز بالحذر. أخرجت الوثيقة التي أرسلتها لي السلطة الفلسطينية وعبرت بسلام.

بمجرد تجاوزي مركز الجوازات الإسرائيلي وجدت نفسي في الضفة الغربية، أي في مناطق السلطة الفلسطينية. في ذلك المربع عند مدخل الضفة الغربية بعد عبور الأردن والمراكز الإسرائيلية الحدودية سيارات للتاكسي العربي والفلسطيني الآتية من كل مكان. هناك حركة واضحة للقادمين إلى فلسطين كما للمغادرين. هذه المنطقة تكاد تكون نقطة العبور الوحيدة لمن يأتي ويذهب، لهذا فهي مكتظة بالناس بينما مجرد وجودها بهذا الشكل تعبير عن مأساتهم.

الزائر مثلي يدخل فلسطين مدججاً بحصانة نفسية عن الحقوق الفلسطينية والتاريخ والمستقبل. هذه الأرض تتنشق عروبة، ففي كل مكان قصة حرب وحالة تهجير ونفي ومعاناة لا تتوقف. في كل شارع ترى أبعاد الصراع الملعون المستمر منذ أكثر من قرن على المكان والحقوق. عند المرور بفلسطين أنت ترى الشيء ونقيضه، ترى أريحا العربية وتشاهد المستعمرة اليهودية قربها، ترى رام الله الفلسطينية وتكاد تلمس المستعمرة التي تقابلها. كل مستوطنة من بين مئات المستوطنات المبنية والمتشعبة في الضفة الغربية وحول القدس تذكّر الفلسطينيين بأن الصهيونية مشروع استيطان وتوسع. تسير المركبة قليلاً فترى الأسوار التي تحيط بالضفة الغربية والهادفة لمحاصرة الناس وتعظيم آلامهم وقتل أحلامهم. في كل مكان أنت في حضرة الإحتلال الذي يحلم باختفاء الفلسطينيين لكنه في الوقت نفسه يتساءل عن سر بقائهم في حلبة المقاومة الى يومنا هذا.

في جلسات تمهيدية قبل مؤتمر «فتح» لضيوف المؤتمر ولأعضاء من الحركة التقيت أسرى تحرروا منذ أعوام في صفقات تبادل بعد ٣٤ عاماً في السجن، والتقيت مناضلين سابقين من العهد القديم، واختلطت بشبان وشابات ممن يحلمون باستكمال مسيرتهم نحو دولة مستقلة وحقوق شاملة وثابتة. في «فتح» أجيال مختلفة، فالقيادة التاريخية المتبقية بقيادة رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن وصلت الى عمر متقدم، والقيادات الوسيطة في مرحلة انتقال، لكن التجديد لن يكون ممكناً من دون الجيل الجديد في كل المواقع، بل سيكون صعباً من دون الانفتاح على الأفكار المؤيدة والناقدة، ففي كل مكان حول المؤتمر تسمع الرأي والرأي الآخر، ودائماً ما يكون الرأي الآخر هو الرأي الذي يرى نصف الكوب الفارغ. أن أصعب التحديات تأتي من النصف الفارغ. لقد انتقلت حركة «فتح» من حركة تحرر وكفاح مسلح في لبنان والمنافي الى سلطة فلسطينية في أرض ما زالت محتلة، وهذا وضعها في عين العاصفة حيث الاستيطان والتوسع والمصادرة والتهجير والعنصرية. بل يمكن القول بأن طبيعة الاحتلال الإسرائيلي هي أكبر تحدّ لمشروع «فتح» وقوتها بل ووحدتها.

في مؤتمرها الذي بدأ أول من أمس (الثلثاء) بدت «فتح» حركة قديمة وتاريخية تسعى للخروج من وضع بالغ الصعوبة. فهي سلطة سياسية وأمنية وحركة تحرر في الوقت نفسه، وهي دولة لكنها تحت الإحتلال وغير مكتملة البنيان والأساس، وقلما تمتلك كدولة تحت الإحتلال ما يساعدها على تجاوز حالة البطالة وتدهور حياة الناس في القرى والمدن والمخيمات في عموم الضفة الغربية. العودة الى حركة التحرر والعمل المدني والثوري والنقابي والسياسي بل وكل ما يصب في الصمود الوطني والاقتصادي على الأرض هو الأهم في المرحلة المقبلة. لهذا سيكون السؤال في المقبل من الأيام مرتبطاً بمدى قدرة «فتح» على قيادة هذا البعد الوطني المدجج بالتحديات الوطنية والسياسية والإقتصادية. إن حضور حركة «حماس» وحضور «الجهاد الاسلامي» للمؤتمر علامة فارقة، والكلمة التي ألقيت نيابة عن خالد مشعل قائد «حماس» أعطت انطباعاً بأن وحدة الساحة الفلسطينية ممكنة التحقيق.

إن مؤتمر «فتح» الذي سعت أطراف دولية وعربية لمنع حدوثه إنعقد في ظل الآمال المتجددة. لكن مجرد تدخل أطراف دولية وإقليمية في سعي لمنع الانعقاد هو دليل على بعد آخر للتحدي الذي تواجهه الحركة، فنحن اليوم في عالم عربي منقسم على نفسه حول كل شيء، وهذا الانقسام سينعكس في الحالة الفلسطينية. لهذا فالتداخل العربي في شكله الراهن أو المقبل سيضيف الى هذا الانقسام. هذه تحديات للمرحلة القريبة المقبلة ستواجهها حركة «فتح»، لكنها تحديات الوضع الفلسطيني برمته.

في مؤتمر «فتح» ألقيت كلمات تضامن من وفود عالمية وعربية، فعدد الوفود الآتية من العالم سواء أكانت فلسطينية أم عربية وعالمية عبر عن عمق المسألة الفلسطينية. جسدت كلمة عبدالله النيباري النائب الكويتي السابق أعمق مشاعر التضامن القادمة من الكويت تجاه فلسطين. لقد تركت كلماته المتدفقة أبلغ الأثر في مستمعيه من حركة «فتح» والوفود. إن كثرة الكلمات وعدد الوفود الكبير أديا الى تأجيل كلمة الرئيس أبو مازن الى مساء أمس.

كم يعتني الفلسطينيون بمرويتهم وبتاريخهم وقصتهم. هذا ما وجدته في متحف الشهيد ياسر عرفات وفي متحف محمود درويش. في المتحفين صورة الشعب المحاصر من الجهات الأربع، وهو الشعب الذي يواجه الحركة الصهيونية بكل مغالاتها وعنفها وقدراتها بينما يستند الى عالم عربي يعاني من التفتت والاستبداد. صور النكبة، صور محطات الكرامة من الأردن وبيروت والجنوب وصولاً الى محطات نضال وانتفاضات داخل مناطق الضفة الغربية تجعل المروية الفلسطينية من أكثر المرويات عمقاً وإنسانية. إن مجرد العبور أمام صور القادة الذين تصدوا للصهيونية او الذين تمت تصفيتهم من جانب إسرائيل تعبير عن مدى عمق التجربة الفلسطينية النضالية. في الضفة الغربية تلتقي مجموعات من الشبان ممن يعملون على الذاكرة، بعضهم مهتم بشخصيات تاريخية محددة يعاد اكتشافها اليوم مثل أبو أياد القائد الثوري وأبو جهاد الأب الروحي للكفاح المسلح. الفلسطينيون في هذا يستنهضون طاقتهم على النضال من خلال استحضار النضال السابق ورواياته.

كل ما يقع في فلسطين يشير الى الوجود. ففلسطين هي المكان الوحيد الذي يعود إليه الأفراد من مناطق مختلفة من العالم بهدف المساهمة في الصمود وتثبيت الحقوق. في رام الله وفي الأرض المحتلة تجد فلسطينيين من مخيمات لبنان وسورية وآخرين من مناطق مختلفة وقد عادوا للإستقرار على الارض التاريخية حيث مركز الصراع. إحدى الفلسطينيات قالت لي وهي لا تتجاوز ٣٠ سنة: «كم تعني لي قصة العودة من مخيمات لبنان الى رام الله، انا هنا في قلب الوطن، هنا تخلصت من صفة اللجوء وحالة الغربة. هنا بداية إستعادتي لحريتي».

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط