كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مؤتمر "فلسطين المسيحية" ورسالة الكنائس

مؤتمر "فلسطين المسيحية" ورسالة الكنائس

تاريخ النشر: 2021-12-19 | 09:08

نهاد أبو غوش
نهاد أبو غوش

المسيحية هي جزء أصيل من حياة الفلسطينيين، وهي مكوّن رئيس من مكونات الهوية الوطنية. وهذه الحقيقة كرستها القيادة الفلسطينية وخاصة الرئيس الشهيد ياسر عرفات الذي كان يحرص على ترداد عبارة "المقدسات المسيحية والإسلامية"، وروعيت هذه الحقائق من خلال المراسيم التي أصدرها الرئيس محمود عباس بشأن توزيع مجالس المدن والبلدات التي كانت عبر تاريخها ذات غالبية مسيحية، ولم يعد معظمها كذلك للأسف.

مناسبة هذه المقدمة هي الانتهاء قبل أيام من أعمال المؤتمر العلمي التاريخي "فلسطين المسيحية" بمشاركة صف عريض من رؤساء الكنائس المسيحية والمؤرخين والباحثين والمهتمين بهذا الموضوع الحساس، وجرت حول هذا الموعد سلسلة من النشاطات والفعاليات التي تسلط الأضواء حول واقع المسيحية والمسيحيين في فلسطين، أبرزها رسالة البطاركة ورؤساء الكنائس في القدس حول الاعتداءات التي تطال "الجماعات المسيحية "في القدس، وأعمال التخريب التي تتعرض لها المقدسات. كما صدرت في تشرين الثاني الماضي الموسوعة المسيحية للأعلام الوطنية، وهي موسوعة متخصصة تسرد اسهامات مئات الشخصيات المسيحية الوطنية في مختلف الحقول السياسية والاجتماعية والعلمية والمهنية. كما طالعنا سلسلة من المقالات لكتاب وأكاديميين، وشاهدنا مقابلات تتحدث بقلق عن واقع المسيحية والمسيحيين في فلسطين.

إذن لدينا مشكلة حقيقية تتصل بواقع المسيحية والمسيحيين في المشرق بشكل عام، وفي فلسطين، بلد السيد المسيح، بشكل خاص. ويتضح حجم المشكلة التي نحن بصددها إذا علمنا أن نسبة المسيحيين في فلسطين كانت في مطلع القرن العشرين، أي بالتحديد قبل ظهور خطر المشروع الصهيوني تتراوح بين 15% - 20% من مجمل عدد السكان، وكانت النسبة في المدن الرئيسية، أي في القدس ويافا وحيفا تزيد عن 40%.

وقد شهدت بلدان المشرق خلال القرن العشرين، مجازر مروّعة طالت المسيحيين من الأرمن والسريان والأشوريين، ففي تركيا تراجعت نسبة المسيحيين من حوالي 20% إلى أقل من 1 بالمئة خلال العقدين الأوّلين من القرن العشرين، بينما شهد العقد الحالي من هذا القرن مجازر رهيبة في العراق طالت بشكل خاص المسيحيين والايزيديين في سهل نينوى، والمفجع في الأمر أن هذا البلد الشقيق تمكنت طوائفه من التعايش مع بعضها البعض طوال العهود التي تعاقبت عليه خلال 1450 سنة، بينما دمّرت صيغة التعايش في عهد الثورة العلمية التكنولوجية والانفجار المعرفي والذكاء الصناعي. ومن المعروف أن ثمة توترات طائفية تطل براسها بين حين وآخر في كل من مصر وسوريا ولبنان، وهي ليست مقصورة على موقف الأغلبية المسلمة من المسيحيين، بل يمكن أن نعزوها لفشل الدولة الوطنية الحديثة في تحقيق الرخاء والتنمية وتوفير الحريات لمواطنيها، ولذلك يمكن للمشكلات والتوترات أن تنفجر على شكل مشكلات إثنية وقومية ( كما في سوريا والعراق) وجهوية ( كما في ليبيا) وحتى قبلية وعائلية.

لعب الاحتلال الدور الرئيسي في تهجير الفلسطينيين، مسلمين ومسيحيين، سواء من خلال عمليات التطهير العرقي والمجازر التي رافقت النكبة ولم تفرّق بين طوائف الفلسطينيين، أو من خلال إيجاد ظروف قاسية وطاردة تجعل الهجرة هي الخيار الأول للشباب، ومن المفهوم أن فرصة الشباب المسيحي في الاندماج ضمن مجتمعات ذات أغلبية مسيحية كانت أعلى من نسبة اندماج المسلمين.

ربما سبب مؤتمر "فلسطين المسيحية" التباسا لدى البعض ممن لم يطلع على أعمال المؤتمر الذي كان بحق ورشة عمل علمية وتاريخية تناولت تاريخ فلسطين حين كانت المسيحية هي دين الغالبية من سكانها وهو ما ظل قائما حتى القرن العاشر الميلادي، وقد شارك في أوراق العمل والدراسات أكاديميون وكتاب ومثقفون مسلمون ومسيحيون من مختلف أرجاء الوطن، أي من الضفة بما فيها القدس ومن قطاع غزة ومن الداخل المحتل عام 1948.

ولعل الرسالة الرئيسية لهذا المؤتمر هي الدعوة للالتفات إلى خطر التراجع المستمر في نسبة المسيحيين والتي باتت أقل من 1% في الضفة، وأقل من 01% في قطاع غزة، اي أن المسيحيين في بلد السيد المسيح يمكن أن يهاجروا ويختفوا خلال السنوات والعقود القليلة القادمة فلا يبقى لدينا سوى الكنائس بأبنيتها الشامخة وحجارتها، وربما مع بعض كهنتها، ولكن من دون رعيتها التي ما وجدت هذه الكنائس إلا من أجلها.

طالب المؤتمر بتدريس التاريخ المسيحي، باعتباره جزءا من تاريخ الوطن لجميع الفلسطينيين، وتعريف كل فلسطيني على العناصر والمكونات الرئيسية لهذا التاريخ من خلال المناهج التعليمية الرسمية ووسائل الإعلام والثقافة المختلفة. كما شدد المتحدثون على أهمية ترسيخ مبدا المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات، والكف عن التعامل مع المسيحيين ك"أقلية" أو جالية غريبة عن هذا البلد ونسيجها الاجتماعي والوطني.

تتأكد أهمية هذه الرسالة في ضوء ما يواجهه الشعب الفلسطيني ككل من خطر تصفية قضيته وحقوقه الوطنية، فالمشروع الصهيوني هو مشروع إقصائي وعنصري لا يعترف بحق تقرير المصير في فلسطين إلا لليهود كما نص قانون القومية، وكما يجري تنفيذه من خلال تهويد القدس، بينما مشروع البقاء والصمود الفلسطيني هو مشروع تعددي تسامحي يقرّ بأن كل المكوّنات التي شكلت الهوية الوطنية الفلسطينية عبر تاريخها هي عناصر قوة وإثراء لهذه الهوية، وهكذا فإن الحفاظ على الوجود المسيحي في فلسطين وتعزيزه وتطوير روابط الوطن مع جالياتنا التي تضم نسبة كبيرة من المسيحيين الفلسطينيين هي مهمة وطنية فلسطينية من الدرجة الأولى.

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط