تاريخ النشر: 2026-09-23 | 15:41
تاريخ النشر: 2026-09-23 | 15:41
كان أبي، عندما يردّ على الهاتف، يقول، على غير عادة الناس: "هلووووو"، ثم يرفع صوته: "مين بتكلَم؟"، ويكمل حديثه، وفي كل ردّ يرفع صوته أكثر، وكأنّ مَن على الجانب الآخر يقف بجواره، ويريد أنْ يُسمِعه بصوته لا عبر الهاتف.
كان هذا السلوك الأبوي العفوي قد تعلّمه في مدرسة الحياة، منذ زمن المندوب السامي البريطاني. وللأسف، لم يُسعفه العمر حتى يسعد بالمندوب السامي الجديد الذي أفضت إليه اتفاقية وقف القتال في غزة.
لم يكن سلوكه جزافًا، ولا تعبيرًا عن أُميّته، بل كان تعبيرًا ساخرًا، بلغة الإنجليز، عن السلوك القيادي الفلسطيني آنذاك؛ وكأنه يقول إنهم لا يفهمون سوى لغة المحتل.
لست من الذين يؤمنون بأنّ التاريخ يعيد نفسه؛ إنما هو قصور الإنسان في فهم تجارب الآخرين، واستخلاص العبر والدروس منها، علاوة على النزوة الذاتية التي تدفع الإنسان إلى خوض التجربة من جديد، ولكن بغباء؛ إذ إنّ خوض التجربة بالمعطيات ذاتها، وانتظار نتائج مغايرة، هو عين الغباء.
وفي هذا السياق، استوقفتني حكاية ذات دلالة. فحكى الحاكي أنّ أربعةً من الطلاب اختلقوا كذبة للتخلّص من امتحان الرياضيات؛ فقالوا لمعلمهم إنهم كانوا في سيارة، وفي طريق مجيئهم انفجر أحد إطاراتها في مكان خالٍ، فتأخروا عن الامتحان.
صدّقهم المعلم، وأجّل الامتحان إلى يوم آخر.
وفي الموعد الجديد، أدخلهم قاعة الامتحان، وفرّق بينهم، وأجلس كل واحد منهم في مقعد بعيد عن الآخر؛ فتفاجأ الطلاب بالأسئلة؛ فهي على غير ما توقعوه، وكان أولها:
أيّ إطار من إطارات السيارة الأربعة الذي انفجر؟
وتتابعت الأسئلة: في أي ساعة وقع ذلك؟، مَن كان يقود السيارة؟، كيف كان ترتيب جلوسكم داخلها؟
ثم ختم بسؤال أخير: هل تتوقعون أن يعطي أصدقاؤكم الإجابات نفسها؟
وقال لهم: إذا كانت الإجابات متطابقة، فلكم العلامة كاملة؛ وإن اختلفت، فلكم الرسوب.
لم يكن المعلم، في الحقيقة، يبحث عن الإطار الذي انفجر، ولا عن الساعة، ولا عن مقعد السائق. كان يبحث عن شيء آخر؛ هل تستطيع الكذبة أن تصمد حين يجلس أصحابها منفردين؟.
وحين فرَغْت من قراءة الحكاية، استدعت ذاكرتي أبي من قبره، ورأيته صوتًا وصورةً في مشهده الدائم:
"هلووووو... مين بتكلَم؟".
لهذا بدت لي الحكاية أبعد من أربعة طلاب حاولوا الإفلات من امتحان. بدت لي صورة تتكرر كلما جلس أصحاب الرواية الواحدة متجاورين، ثم تفرّقت بهم المقاعد، وطُرحت عليهم الأسئلة نفسها؛ فإذا بالرواية الواحدة تصير روايات، وإذا بما قيل مُجتمِعًا لا يصمد فرديًا؛ وهؤلاء الطلاب ليسوا إلا صورة تتكرر لمن يتكلمون بغير لغة شعبهم.
ولعلّ ما نمرّ به، ويمرّ بنا في المنطقة، وما يتسرّب من هنا وهناك عن تحذيرات سبقت أحداث السابع من أكتوبر، ليس إلا فصلًا آخر من الحكاية؛ حكاية طويلة، تتبدّل فيها الوجوه، وتتكرر فيها الأماكن، بينما يظل السؤال نفسه معلَّقًا: ماذا يحدث حين تتفرّق الرواية بأصحابها؟
وتستمر الحكاية بفصولها المفتوحة، وتقصّ علينا أقاصيص تعيد ترتيب المواقع، وتفرّق أصحاب الرواية الواحدة، ثم تترك لكلٍّ منهم إجابته؛ فيعود الخداع في ثوبٍ جديد، وتنساب الحكاية كالنهر المتدفق، ولا تجد صخرًا يواجهها ليوقف انسيابها.
وفي كل مرة، يُستدعى الشعب إلى موقع الشاهد؛ مرةً ليكون شاهدًا على الرواية، ومرةً غطاءً لها، ومرةً ذريعةً لتمريرها. لكنه، في نهاية المطاف، يجد نفسه هو السؤال الذي يتجنّب الجميع الإجابة عنه.
شعبٌ يُستعار اسمه حين يحتاجون إليه، وتُغسل به الأيدي، وتُبرَّر باسمه الصلات والعلاقات، ثم يُترك وحده في مواجهة ما لا يد له فيه. وهكذا، كلٌّ على طريقته، يتحول الشعب من صاحب الحكاية إلى جزء من ثمنها.
ثم لا يجد الكاذبُ المؤدِّبُ حرجًا في أن يقول، باسم الشعب: الموتُ للشعب؛ وعند فراغ الرواية من أصحابها، لا يبقى إلا السؤال الذي يتردّد بين الفجاج والأزقة، وصدى أطياف شعب بات مَكبًّا لنفاياتهم السياسية.
ومن ثنايا هذا المشهد الشائك المريب، يعود إليّ صوت أبي من قبره، كما كان دائمًا، مرتفعًا، مباشرًا، لا يعرف التردد... "هلووووو... مين بتكلَم؟"
كأنّه يسألهم جميعًا، كلٌّ على حدة، بعد أن تفرّقت بهم المقاعد.