كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مؤشرات قوية على إنحراف الأغنية الشعبية, وخدش الذوق العام.

مؤشرات قوية على إنحراف الأغنية الشعبية, وخدش الذوق العام.

تاريخ النشر: 2016-09-13 | 23:06

من المحال ان تجد مجتمعاً ما ومهما تدنى مستوى تطوره ان يخلو من أي شكل من اشكال التعبير الجمالي في الغناء او الموسيقى, خاصة وانهم لا يزالان يمثلان ظاهرة (سوسيولوجية) تجد فيها الشعوب خصائص تميزها عن غيرها, حيث يعتبر الفن من اقدم المظاهر المعرفية واكثرها شيوعاً في الحياة الانسانية, ويلعب دوراً هاماً في تشكيل الذوق العام، ومن المتعارف عليه فى تاريخ تلك الشعوب أن الأغاني الشعبية هي مرآة للتراث والثقافة التي تعبر عن الماضى والمستقبل, والحاضر الذى تجسد خلالها القيم الاجتماعية والثقافية.

و شكلت التجربة الفلسطينية خصوصية ذات مضامين كفاحية وإجتماعىة, ترجمت مزيجاً من القصص والحكايات والبطولات وقصائد الحب والنضال الدالة على التراث وإستمرار حالة الدفاع عن الأرض والإنسان, والقضية, والهوية والتى لازالوا يحافظو عليها بكل قوة فى مواجهة سرقتها و اندثارها.

الاصل ان الفن الشعبى هو فن يعبر عن واقع الناس وذات دلالات ومعانى ومؤشرات يقاس بها الاوضاع والظروف السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والانسانية وغيرها التى يعيشها المجتمع فى غاية من التعقيد, والتى عادة ما تكون بيئة خصبة لبروز مثل هذا النوع من الاعمال وارضية لاتساع حالة التهكم والسخريه بمجرد اصابة المجتمع بحالة من الملل والركود من أداء الساسة والحكومات والاحزاب كعلاج موضعى لتناول مشاكله اليومية فى محاولة لنسيان بعض من اوجعه ومشاكله عبر التلقيحات, والنكات والأغاني, سواء فى صورة مكتوبة او اغنية او مقطع فيديو وخلاف ذلك من طرق الاعلام, والاعلام الجديد،

لكن بعض هذا الفن انحرف فجأة دون سابق انذار عن مساره وهبط هبوطاً سريعاً إلى أسفل درك الفن بعد أن ركب موجته بعض الهواه الذين لم يتشبعوا من التجربة الفنية والتراثية السابقة, فلم تعد في الأغاني الشعبية قصة ولا حكاية وتحولت إلى صراخ وضجيج مع موسيقى صاخبة وكلمات هابطة لا تحتاج لشاعر، بل مجرد ترديد للكلمات السوقية التي تأتي على شكل موضات موسمية, يتنافس بها البعض, معتقدين بأنها شكل من اشكال الفن والموهبة الخارقة المقطوع وصفها بصورة ارتجالية عشوائية.

ظهور بعض الأغاني العشوائية الهابطة تشكل خطراً على ثقافة الأجيال المقبلة، بعد عصر ذهبي للاغنية الوطنية والتراثية التى تعبر عن هويتنا الفلسطينية المتجذرة وشكلت رافدا للشعوب العربية والدولية وحافظت على الذوق العام.

إن استمرار هذه الظاهرة, مع غياب تصنيفها باعتبارها اعمال فنية ذات دلالات نافعة وعميقة, او انها غير مجدية, او خطيرة على القيم والموروث الثقافى, تقتضى المسؤلية من جهات ذات العلاقة بسرعة القيام بالبحث والتمحيص فى دراستها, وهل هى غمامة صيف عابرة مرهونة بالواقع المعاش ام هى حالة تتنامى وتتسع فى المستقبل تتطلب المحاربة او التوجيه او تصويب وتعديل مساراتها ؟ بما ينسجم مع واقع المجتمع وبنيته, واستعادة مكانة الاغانى الشعبية والتراثية وحمايتها .

بات الجمهور والنقاد يتّهمون هذا النوع من الغناء بالترويج للإسفاف والابتذال، والتراجع معتبرين أن من يقدمها لا يملكون الحد الأدنى من الموهبة، في حين تجذب بعض المراهقين والشباب الذين يتهافتون على حضور فيديوهاتها وحفلات مؤديها, فى وقت يتحمل الجمهور نفسه مسؤولية انتشار مثل هذه الأغاني داخل المجتمع,كما أن بعض مؤسسات الانتاج الاعلامى والفنى تخلت عن دورها وتفرغت لجمع الارباح ، رغم أن القانون ينص على مسؤولية الارتقاء بالذوق العام والحفاظ على المهنة، غير أنه لا يتم تطبيق هذه المواد، كما تتحمل بعض القنوات والمواقع الاعلامية بالمشاركة في صناعة الأغنية الهابطة والترويج لها من خلال الاستعانة بالصبية الذين يتغنون بمثل هذه الأغنيات, اضافة لافراد مساحات كبيرة لترويج لهذه الاعمال غير آبهين لخطورتها

كما تكمن المشكلة في اعتماد المنتجين على مؤدين غير موهوبين لا يتعدى الذوق العام بطبيعة الحال وثمة حقائق موضوعية في الحياة تحكم الذوق والجمال ولو لم يكن الناس يتفقون إلى حد بعيد على معايير وقواعد موضوعية ، لما كان للنقد في الفن والأدب قيمة ، ولا كان لتعلمهما لصقل المواهب أية أهمية ، ولو لم تكن ثمة قواعد موضوعية تحكم الذوق لجاز للشخص أن يرى الضجيج على أنه جميل . وفي ضوء وجود قواعد ومعايير موضوعية يجوز لنا أن نحكم على ذوق ما بأنه وضيع أو رفيع، راقٍ أو متدنٍ ، ويجوز لنا أيضاً أن ندعو إلى تربية الذوق السليم ، وندعو إلى الانتباه إلى مواطن الفساد في الذوق العام ونسعى إلى تغييرها ، وان نقول بأن للإعلام دوراً في إفساد الذوق العام أو إصلاحه ، والانحدار أو السمو به , وفي كل الأحوال فإن الارتقاء بالذوق العام هو ارتقاء بالثقافة وبالمستوى الحضاري ، كما أنه ينعكس ايجابياً على السمو بالأخلاق وأساليب التعامل مع الناس .

ان انتشار هذه الأغنية وسريانها في المجتمع كالسرطانات الخبيثة، يدفعنا للحديث عن الغياب والتراجع الواضح لدور المؤسسات الرسمية والنقابية, مما يستدعى منا اعادة النظر مبكرا فى تلك الاعمال, وضرورة تذليل كل العقبات التى حاصرت وقيدت عمل وتقدم كافة الاتحادات والجمعيات والنقابات الفنية والثقافية المغلقة مع ضيق وتراجع المساحات فى وجه المفكرين والكتاب والادباء والمثقفين والفنانين, كما كان مناط بها على مدار سنوات الثورة الفلسطينية والعمل على ضخ طاقات قيادية ثقافية وادبية وفنية جديدة شابة فى مراكز صنع القرار, واعادة فتح جميع المسارح ودور العرض ومدارس الموسيقى و محاولة فرز واحتواء الحالة العشوئية القادمة و فلترتها وضبطها وفق اصول ومعايير فلسطينية وصولا لحماية الهوية الثقافية والوطنية والعمل على تشريع الابواب لتشجيع جميع الفئات والشباب والطاقات الجديدة والموهوبة على الابداع الفنى والثقافى وحماية تلك الهوية من اى خطر من الاندثار او المس بها والسماح بخدشها..

لسنا ضد الاعمال الفنية الشعبية ولا ندعو هنا لمحاربتها, فالفن الذى يحتوى على مضامين تضيف للمشهد الثقافى والفنى والادبى شى جديد يسهم فى بناء هوية وشخصية المجتمع وعكس مرآة حضارية له وملتزم بمزاجه ومشاعره وهويتة ندعو لحمايته وتوفير كافة سبل النجاح له وتعميمه وتكريمه وتتويجه.

ولكن ما ندعو اليه ان يكون هناك ضوابط لحماية الثقافة العامة والتراث الفلسطينية والهوية النضالية من هذه الارتجالية والعشوائية الاخذة بالاتساع, مع طفرة وسائل الاتصال والاعلام, فمعالجة الاسباب والوقوف على الدوافع لمثل هذه المؤشرات التى حتما ستفضى لحالة (فنية) كارثية فيما لو استفحل وتمدد هذا النوع من الاعمال ووصل عمق اطفالنا وتغلغل فى مجتمعنا واجيالنا سينعكس سلبا على الاغنية الشعبية والوطنية, والمجتمع برمته, فتجربة عشوائية الاغانى الهابطة فى بعض البلدان المجاورة تستحق دراسة الانحدار التى وصلت اليها مجتمعاتها

لا يمكن لطرف دون اخر ان يعتقد بانه بمنأى عن المسؤلية فى اسباب وخطط مواجهة بروز بعض الظواهر السلبية التى تتطلب جهود جماعية كبيرة للحد من العوامل والبيئة والمناخ الذى دفع البعض لمثل هذا الانحراف الذى يستوجب تصويبه واعادته للمكان الثقافى والحضارى الحقيقى والسليم فورا, والا سيدفع الجميع ثمن هذه العزلة, والحصار, والإنقسام وحالة التراجع الفكرى والثقافى.

اياد عبد الجواد الدريملي

[email protected]

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط