كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مئوية ماركس الثانية: ماذا ترك للعالم؟

مئوية ماركس الثانية: ماذا ترك للعالم؟

تاريخ النشر: 2018-06-01 | 12:02

على مدار الشهر الماضي؛ تم تنظيم الكثير من الفعاليات، عبر العالم، لمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد كارل ماركس، تناولت مختلف جوانب حياته وفكره ودوره وتأثيره.

كما غطت مجالات الفلسفة والأيديولوجيا والاقتصاد والسياسة والاجتماع والتاريخ والتنظيم والتعبئة السياسية والتحريض على التمرد والثورة. وربما ساعدت نسبياً على إضفاء قدر ما من الموضوعية والمنهج العلمي، على ما دار خلال تلك الفعاليات، حقيقة أن الحرب الباردة انتهت في القارة الأوروبية منذ أكثر من 25 عاماً، بينما لا تزال دول تحكمها رسمياً الأيديولوجية الماركسية وأحزاب شيوعية تتبنى تلك الأيديولوجية في بلدان في آسيا وأميركا اللاتينية بخاصة، وبعض هذه الدول لديه مكونات القوة العسكرية والتكنولوجية التي لا تزال تثير حسابات معقدة لدى المعسكر الغربي.

ولئن أردنا التعرض للإرث الذي تركه ماركس، فليس مكونه الأكبر هو بالضرورة الدول التي لا تزال تتبنى أيديولوجيته، أو بمعنى أدق تفسيرها وتفسير مفكرين سابقين بها لتلك الأيديولوجية، وتحكمها أحزاب بها طبقاً لتلك التفسيرات، وذلك لاعتبارات عدة يبرز منها أن كتابات ودراسات كثيرة سعت إلى إثبات أن المفسرين والشراح والحكام الذين أتوا بعد ماركس وأعلنوا ولاءهم لأيديولوجيته واتباع نهجه لم تكن تفسيراتهم وشروحهم بالضرورة هي التعبير الأمثل عن تلك الأيديولوجية؛ بل ربما جنحوا بعيداً من مقاصدها في بعض الحالات، يصدق هذا على لينين وستالين وتروتسكي وعلى الصيني ماو تسي تونغ واليوغوسلافي جوزيب بروز تيتو والألباني أنور خوجة. ولا يمكن تجاهل كل من الأرجنتيني المولد الكوبي الهوية أرنستو تشي غيفارا والكوبي فيدل كاسترو، بالإضافة إلى غيرهم كثيرين.

 

ولذلك، فلم يكن من المستغرب أنه في إطار الفعاليات التي دارت بمناسبة المئوية الثانية لميلاد ماركس، دعا كثر من المنتمين إلى أيديولوجيته إلى العودة إلى الجذور والمنابع الأولى، أي إلى فكره هو والتعامل في شكل نقدي وبعيداً مِن التقديس مع أطروحات من أتوا بعده من مفسرين وشراح لفكره.

كما أنه من المؤكد أن ما تركه ماركس لم يكن تنبؤاته وتوقعاته ذات الطبيعة السياسية والتي وضعها في قوالب ذات صبغة «علمية» غير قابلة للتشكك أو التشكيك، وسعى إلى حمايتها ومنحها التحصين الكامل تجاه أي نقد في علميتها، بل وذهب إلى حد وصف بعضها بالحتميات التي لا مفر من حدوثها. إذ أثبتت تطورات كثيرة أن هذه التوقعات والتنبؤات ربما كانت أقرب للتعبير عن الآمال والتمنيات من جانب ماركس أو ربما لرفع معنويات أنصاره وأتباع أيديولوجيته وتعبئتهم وحشدهم وتحفيزهم لمواصلة النضال من دون كلل وعدم الاستسلام لأي يأس والتمسك بالأمل دوماً، ولكنها في واقع الأمر ليست قوانين «علمية» صالحة لكل زمان ومكان. ومن الإنصاف لماركس وفكره أن نشير هنا إلى أنه ربما كان أحد عوامل إحباط تلك التوقعات وعدم تحققها هو ما لم يتوقعه من ثورة علمية وتكنولوجية متسارعة. هي تطورات لا شك أنها تقلب باستمرار الكثير من الحسابات والتوقعات الصادرة منذ سنوات قليلة وتدعو إلى مراجعتها، فما بالنا بتنبؤات تأتي إلينا من أكثر من قرن ونصف من الزمان.

ولكن من أهم ما تركه كارل ماركس»هو إسهامه الكبير في علم الاقتصاد، وبشكل أكثر تحديداً في علم الاقتصاد السياسي، وعلينا ألا ننسى أنه هو من نبه إلى الأزمات ذات الطابع الدوري التي تصيب الرأسمالية ونظامها العالمي، وقام بتحليل أسباب تلك الأزمات والعوامل الكامنة خلفها ودينامياتها وأنماط حدوثها وتطورها، وأوضح تفاقم هذه الأزمات بمرور الوقت ومع التقدم العلمي والتكنولوجي. ورغم سعي الاقتصاديين الرأسماليين على مدار عقود طويلة إلى دحض مقولات ماركس في هذا الجانب، فإنه من الناحية الفعلية عجزت الرأسمالية العالمية، ومرة أخرى رغم التقدم العلمي والتكنولوجي المذهل الذي تحقق في ظلها، عن التنبؤ مسبقاً بتلك الأزمات الدورية أو العمل على تجنب حدوثها. وكان أكبر دليل على استمرار حدوث تلك الأزمات ودورية وقوعها وتفاقم آثارها بمرور الوقت وبزيادة معدلات التقدم والنمو وتعقد الاقتصاد هو الأزمة المالية العالمية في خريف 2008 وآثارها الاقتصادية السلبية على الاقتصاد العالمي وعلى معظم بلدان العالم المندمجة في النظام الرأسمالي العالمي.

وبالإضافة إلى ذلك، فإنه إن كان يقال في سياق التقليل من قيمة كارل ماركس وفكره من جانب خصومه أن «المادية الجدلية» التي طرحها هي مجرد نقل عن أستاذه هيغل وتحويلها إلى مسار مادي وليس روحياً. فإنه يذكر لماركس أنه سعى إلى تفسير تاريخ العالم حتى زمنه عبر أطروحة «المادية التاريخية»، وهو تفسير لم يخل من فوائد لمن أتوا بعده، حتى من خارج صفوف أتباعه، وحتى ممن اختلفوا مع الطابع المادي الصارم لذلك التفسير وسعوا إلى موازنته باعتبارات روحية وأخلاقية ومعنوية. ومنهم واحد من أهم المفكرين المسلمين في القرن العشرين وهو الإيراني الدكتور علي شريعتي، المتوفى في عام 1977، والذي أخذ الكثير في فكره وكتاباته من جوانب تفسير ماركس في سعيه إلى فهم تاريخ الإنسانية عبر «المادية التاريخية» مع التخفيف كثيراً من نزعته المادية وإضافة عوامل معنوية وروحية مؤثرة. ولكن يتعين علينا هنا أن نذكر أن المكون المستقبلي من مادية ماركس التاريخية شابَه أيضاً الابتعاد من معايير التفكير المنهجي العلمي والقفز إلى الاستنتاجات من دون تمحيص.

أما الأمر الآخر الذي تركه ماركس، فهو ليس على مستوى الإرث الفكري والفلسفي كما في حالة المذكور في الفقرتين السابقتين، بل هو على مستوى عملي ومحسوس ومعيش بشكل يومي للبشر العاديين عبر العالم، وهو بالنسبة للكثيرين الأثر الأعمق والأقوى والأبقى. فالتاريخ والواقع يؤكدان أنه لولا ماركس وفكره والأيديولوجية التي بلورها ونضاله لما كان الكثير من الأمور التي نراها ونأخذها كمسلمات في عالمنا اليوم قد حدث. فالماركسية هي التي دفعت النظام الرأسمالي للحد من غلوائه وتوحشه وللسعي، من أجل ضمان البقاء والاستمرار، لاستيعاب بعض الأفكار الاشتراكية وإدماجها في هيكل النظام الرأسمالي في سياق إكساب هذا النظام وجهاً إنسانياً يأخذ في الاعتبار عوامل أخرى غير سباق الكسب الماضي لأصحاب رأس المال. وعلى سبيل المثل، فإن أموراً مثل مجانية التعليم، والنظم الشاملة للتأمين والرعاية الصحية، والمعاشات والتأمينات الاجتماعية، ودعم خدمات أساسية مثل المواصلات والإسكان للفئات الاجتماعية الدنيا والوسطى، والحريات النقابية المتنوعة، وغير ذلك هي أمور وافدة على النظم الرأسمالية تمت استعارتها من الفكر اليساري، بتنويعاته المختلفة، والذي يعد كارل ماركس من أهم أركانه، إن لم يكن صاحب التأثير الأكبر في إطاره. ذلك أصبح من الأمور المسلم بها وبوجودها وبضرورة استمرارها وعدم المساس بها في غالبية البلدان الغربية والرأسمالية. بدأت النظم الرأسمالية تبني ذلك وقبلت به منذ زمن كارل ماركس وما بعد رحيله، وتضاعف ذلك العمل عقب انتصار الثورة البلشفية في روسيا في تشرين الأول (أكتوبر) 1917 ثم الثورة الشيوعية في الصين عام 1949، وكذلك خلال الحرب الباردة حتى سقوط الاتحاد السوفياتي. وكان هدف تبني تلك الأفكار اليسارية، هو تجنب التعرض لثورات شعبية، مبعثها أيديولوجية ماركس.

سيبقى إرث ماركس محل جدل ونقاش، ما يؤكد الدور المحوري الذي لعبه في تاريخ الإنسانية، إيجاباً أو سلباً. ولئن كان هناك رأي غالب عند نهاية القرن العشرين وهو أن ماركس كان هو المفكر والفيلسوف الأكثر تأثيراً في العالم في ذلك القرن، فإنه بعد ما يقرب من عقدين على انطلاق القرن الأول من الألفية الثالثة، لا يزال لهذا المفكر المهم تأثير وأثر وإرث باقية في حياة الإنسانية في مجالات مختلفة.

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط