كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مائة عام، أيها السادة، نكتب !

مائة عام، أيها السادة، نكتب !

تاريخ النشر: 2015-12-21 | 18:42

مائة عام، أيها السادة، نكتب بلا تردد عن حكاية الشعب الفلسطيني، عن بطولاته وتضحياته، عن نكباته ونكساته، عن جموع شهدائه ودموع أبريائه، وعن هذا الرصيد الهائل الذي سطره أبناؤه بمداد من العرق والجهاد والثبات.

مائة عام، أيها السادة، وشعبنا يعيش أطول رواية درامية على وجه المعمورة؛ وهي أطول من الرواية الدرامية الأمريكية (غايدنغ لايت) التي أُدرجت في موسوعة "غينيس" للأرقام كأطول دراما معروضة منذ 72 سنة، لكن ثمة فرقٌ بين الرواية الأمريكية والرواية الفلسطينية؛ فالأمريكية امتزجت بالفرح والحزن، أما الفلسطينية فلم تعرف إلا الحزن الذي لعب دور البطولة في جميع حلقاتها، منذ بداياتها وحتى هذه الحلقة التي نشاهدها ونحياها يوماً بيوم، من ظروف بائسة، وأحاسيس موجعة، وهواجس مقلقة، نصارع أهوال الدنيا، ونتصدى لقسوتها، ونقاتل بعناد وصبر ظروفها القاسية، والحكاية هي الحكاية؛ تتحرك أوتارها مع تسلسل فصول الحكاية، وكأنه نص واحد لا يتغير، تتعدد الفصول، وتتشابه الحلقات بين أقصى المأساة وأقصى المرارة، إنه نص حزين في العمق، خالٍ من الفرح، نص مرير، تعابير مأساوية في النص: (احتلال، انتداب، نكبة، نكسة، أسرى، استيطان وانقسام.. الخ)، وما إلى ذلك من الكلمات والتعابير، كلها أحداث تهز القيم والتقاليد هزاً عنيفاً، وتشكل كل كلمة في حد ذاتها فصلاً من فصول البؤس، وما زال النص متدفقاً كالنهر، لا أحد يعلم متى سينقطع دابر هذه الحكاية، ويخمد أوارها، لم نصل بعد إلى كلمة الخاتمة في الفصل الأخير من تراجيديا رائعة، كل أحداثها حزينة، اسمها (فلسطين).

تبدأ الحكاية بفصل مأساوي من صراع العائلات، تلك العائلات الساعية إلى الوجاهة والإثراء، المولعة بالبطولات الوهمية، والتي امتازت بالثروة واقتناء الأراضي على بقية طبقات الشعب الحزين، فنسبت إليها أنها من طينة أخرى غير طينة السواد الأعظم من الناس، حين نشدت كفة الانتداب الراجحة؛ لتدور في فلكها، ولاذت بالسلطة الحاكمة التي ناصبت شعبها العداء، وتباهت بالانتماء إليها، عند ذلك شهدنا، أيها السادة، من دون أن ندري، كلمة الخاتمة في الفصل الأول من الحكاية التي انتهت بنكبة فلسطين، تلك النكبة التي وزعت أهوالها ومآسيها على الجميع، وساوت بين الجميع، وسوّتهم بالأرض، هذه الأرض التي يجب ألا ننسى أنها كانت محور الصراع الأساسي في فلسطين، ورأينا الحقيقة المرة التي لا تمارى تقول بإيجاز: ما دام الفلسطينيون تفرقهم أهواء عديدة، وينقسمون شيعاً، لكل شيعة خطتها وأهدافها التي يختصمون عليها، فلا بأس من أن تضرب سلطات الاحتلال بعضهم ببعض، لتملك وتستبد ما شاء لها الاستبداد، وهكذا، أُسدل الستار عن الفصل الأول من حكاية الشعب العربي الفلسطيني باستيلاء إسرائيل على 78% من فلسطين التاريخية، واقتلاع ما يناهز 61% من مواطنيها العرب، والنتيجة أن تشرد الشعب الفلسطيني وقيادته في المنافي بأرجاء المعمورة، وكل شيء صار نصاً حزيناً ترك علاماته الظاهرة على صفحتي الزمان والمكان!.

وتعيد الحكاية دورتها، كما يعيد البحر في الليل رتابة موجه الحائر، ويطل علينا فصل جديد من فصول الحكاية، يخترق تراكمات الزمان، وغبار المكان، وتتحول أحداثها بتناغم شديد من صراع العائلات - أو إن شئت أن تسميه - صراع الكبار والصغار إلى صراع التنظيمات والتيارات، خاصة الوطني والإسلامي منها، أو - إن شئت - أن تطلق عليه صراع الإرادات بين قديم لا يريد أن يبتعد عن المشهد، وجديد يريد أن يولد من جديد في عالم السلطة والنفوذ، وهكذا دواليك، وتدور الأحداث في دورة رتيبة قوامها النص الحزين، تتكرس حلقاتها بين حركتين تتصارعان، تتقاتلان، تتبارزان، تماماً مثل ديوك مجنونة في حلبة صراع، ومن أجل أن تكون فلسطين ملكاً لها، عالمها لوحدها، والدنيا دنياها لوحدها، وفرح الأرض فرحها، بينما شعبنا يعاني آلام الفرقة، ويتجرع كؤوس المرارة بسبب اختلاف الكلمة!.

وهكذا، دخلت فلسطين دوَّامة الصراعات، ولم تعد بإمكانها أن تتراجع، دخلت عالم الانقسام، وأصبح الانقسام صنو التحيات والأمنيات الطيبة لمن كان يحلم بعالم آخر في وقت خيلت لنا فيه الأوهام أننا نمتلك عبقرية فذة، ألا وهي الفشل! لقد فشلنا في أن تتعلم من التاريخ الزاخر بالمواعظ والعبر عن الزمن الضائع بالخبث والمؤامرات الدولية حين وقعنا في حبائل الاستعمار البريطاني، ومن بعده في شباك الاحتلال الإسرائيلي؛ حين استعجلنا زمن القطاف، تماماً كمن استعجل الشيء قبل أوانه، وعندما انتقلنا من الخنادق إلى الفنادق، وكأن أحداً لم يتعلم الدرس!.

مائة عام، أيها السادة، ونحن نشاهد على شاشة الحكاية أبطالاً وأسماءً وأحزاباً وحركاتٍ عدة، كلها وجهان لعملة واحدة، تكيل كل جهة منها إلى الجهة الأخرى السباب والشتائم والانتقاص، وكانت تهمة العمالة والخيانة هي الأكثر خصوبة والأكثر سهولة، والتي لا تقبل أي نقاش، حتى عظمت الفرقة. ومع ذلك كله ما زلنا نحتفل في كل عام بذكرى عشرين عاماً، أو ستين عاماً، على قائد هذا التنظيم، أو تلك الحركة، والمهرجانات تقام هنا أو هناك، وتلعب الخطابات الجوفاء - التي لا تحمل من الحقيقة معنى - دور البطولة فيها، من دون أن ندري أن عشرين عاماً أو ستين عاماً أخرى قد سقطت من ضلع فلسطين في نهر المآسي والأسر!.

مائة عام، أيها السادة، وشعبنا يتجرع كؤوس المرارة، والقضية تراوح مكانها، وتنتظر مَن يزيح الغبار عنها، حتى تاهت في أروقة الأمم المتحدة والجامعة العربية ومنظمات حقوق الإنسان، وأصبحت صفحات مبعثرة هنا وهناك، وراحت تعيش بين هذه الصفحات المنسية التي نعاها الزمان وبكاها بدموع حارة.

مائة عام، أيها السادة، وقضيتنا صارت كسفينة، ضلت سبيلها، لا تعرف مكانها، ولا تعرف خريطتها التي محيت من قاموس السياسة العالمية، ولا أحد استطاع أن يحجب الرياح الشديدة عنها، وأخيراً تاهت وسط الأمواج المتلاطمة إلى أن اصطدمت بصخرة عاتية؛ فغرقنا في بحر من العرق والدم والدموع، وفي خضم ذلك، أيها السادة، كنا نعتقد أننا نرى شيئاً يلوح في الأفق؛ فرأينا أننا لم نكن نرى شيئاً على الإطلاق، وأصبحنا كالأيتام على موائد اللئام، وهذا قدرنا أيها السادة، وقدر شعبنا أن يبقى صاحب قضية لا صاحب وطن، ومَن كان يدري أننا سنصبح ذات يوم مجرد قضية دولية ملفاتها مهملة على رفوف مكتبات الأمم المنسية، عفواً، أيها السادة، لا بدَّ من توضيح بسيط، فالقضية الفلسطينية التي كانت قضية العرب الأولى ومعهم أحرار العالم لم تعد سوى قضية ثانوية في العالم، قضية منسية، مهملة، لن يتذكرها أحد إلا حين يفتحون الصفحات المنسية، أو الكتب المرمية على الرفوف!.

مائة عام، أيها السادة، والحكاية هي الحكاية، كل فصل منها امتداد للفصل الذي يسبقه في تجانس وانسجام، وكأنك في نهاية الأمر أمام نص واحد، ومع إطلالة فصل جديد من هذه الحكاية الحزينة، ورغم ذلك ها نحن نكتب بلا تردد، أيها السادة، لنسجل مأساة شعب فلسطين، وما خلفوه وراءهم عند اقتلاعهم من مدنهم وقراهم، والأمل يراودهم بالعودة، لا يعرفون اليأس ولا القنوط مهما تكررت العثرات، وتوالت العقبات، وذلك لإيمانهم بالممكن بكل معانيه وأبعاده، والتصدي للأكذوبة القائلة (أرض بلا شعب)، ولنؤكد على عدالة قضية شعبنا وهويته العربية، وتراثه المادي أو المعنوي، وكلنا ثقة بأن الشعب الفلسطيني الذي صمد طوال ألوف السنين، برغم جميع المآسي والكوارث والحروب والاحتلالات، لن يُقضى عليه؛ بل سيعود مهما تلبد الأفق بالغيوم، وطال الدرب، وتأخر زمن القطاف، كما عاد بعد كل محنة

×
أخبار
مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط