كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

"ماتروشكا" جمال عبد الناصر!

^ثارت جماهير المصريين في «25 يناير» لإسقاط ديكتاتورية حسني مبارك، وهي قادرة، قياسا، على إسقاط أي ديكتاتورية أخرى حتى وإن تلطّت وراء صورة... جمال عبد الناصر

تعود صورة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر راهناً للحضور بكثافة في وسائل الإعلام المصرية، بعد تغييب استمر أربعة عقود. الآن، وأينما يممت وجهك في قنوات التلفزيون المصرية، الرسمية منها والخاصة، فستجد صوت جمال عبد الناصر وصورته ببذلته العسكرية حاضرين. ويرسم هذا الحضور المستجد لجمال عبد الناصر في الإعلام المصري علامات استفهام تخص كامل تجربته، التي لم تعايشها الغالبية الساحقة من المصريين، بمن فيهم كاتب السطور. عانت صورة عبد الناصر منذ وفاته من تغييب أولاً، ومن تشويه متعمد ثانياً طال "التجربة الناصرية"، أي مجمل سياسات الرئيس الراحل في فترة حكمه الواقعه بين عامي 1954 و1970. هكذا تفتّح وعي أجيال متعاقبة من المصريين على سلبيات التجربة بفعل الجهاز الدعائي للرئيس الراحل أنور السادات، الذي قدم هذه التجربة حصرياً من أكثر جوانبها سوءاً، بغرض تمرير سياسات تتصادم مع إيجابيات التجربة الناصرية اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وثقافياً. واستمر الحال كذلك في العقود الثلاثين، لفترة حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك، إذ تم تصوير الفوضى في عصره باعتبارها "حرية ناجزة" في مقابل شمولية عبد الناصر، والتبعية للخارج بوصفها "انفتاحاً" في مقابل انغلاق عبد الناصر، وتراجع مكانة مصر الإقليمية على أنها "عقلانية" لا تورط مصر في حروب كارثية كالتي قادها عبد الناصر. ومنذ إطاحة حكم جماعة "الإخوان المسلمين" صيف العام الماضي، يتم استحضار صورة الرجل بكثافة في وسائل الإعلام المصرية، ويجد كثير من المنتسبين سياسياً إلى تجربة جمال عبد الناصر طريقهم بسلاسة إلى أعمدة الصحف والبرامج في قنوات التلفزة المصرية، على العكس من العقود السابقة التي عانوا فيها من التهميش الإعلامي والسياسي. ويؤدي التوظيف السياسي الراهن لصورة عبد الناصر وتجربته إلى التباس في المعاني؛ وبالتالي إلى تظهير خلاف أساسي وعميق عن ماهية "الناصرية" في وقتنا الراهن.

«ماتروشكا» الانقلابي

يشبه الخلاف الحاد على مضمون "التجربة الناصرية" «ماتروشكا» روسية، وهي لعبة خشبية لها شكل خارجي يعاد تكراره، ولكن بمضمون أصغر كلما جرى تفكيكها. بمعنى مجازي، يظهر جمال عبد الناصر الآن في وسائل الإعلام المصرية على هيئة «ماتروشكا» توظف سياسياً، وأخرى يفترضها كاتب السطور لما يمكن وصفه "تجربة جمال عبد الناصر" التاريخية. تتوسل كلاهما صورة عبد الناصر لإبراز انحيازات سياسية، ولكنهما تحملان في طياتهما مضامين مختلفة. تحصر «ماتروشكا» الإعلام الرسمي عبد الناصر في صورة الانقلابي؛ فتكثر من ظهوره ببذلته العسكرية لتصبح الأخيرة في ذاتها دليلاً على وطنية ناضحة بحيث تخوّل من يرتديها الحصول على المكانة المعنوية نفسها التي كانت لناصر. وتزداد الجرعة مع تباري القريبين تاريخياً وبيولوجياً من الرئيس الراحل في الإعلان عن تأييد سياسات بعينها، فأصبح "هامان تجربته" الطاعن في السن منظّراً للمرحلة الشبابية الجديدة. وللعلم، هامان هو كبير كهنة الفرعون. وكأن "هامان تجربته" يملك سلطة معنوية من أي نوع، أو أن لأسرته مشروعية سياسية مخصوصة تمنحها لأحد الأطراف وتحجبها عن آخرين. ولقد امتد الابتسار ليطاول سياسيين وصحافيين وناشطين ينتسبون أيديولوجياً لتجربته ويتميزون بالنزاهة والشرف، لاعتقادهم أن الدولة المصرية تحارب معركة المصير مع قوى الإرهاب، وبالتالي تتراجع أية اعتبارات أخرى. باختصار، تثبت «ماتروشكا» الانقلابي أنه في أعماق كثر ممن ينتسبون إلى تجربة عبد الناصر، حتى ولو تنزهت مقاصدهم، عسكري صغير يتحين الفرصة للإعلان عن مكنونات نفسه، وما ان تحك الماتروشكا حتى يقفز صائحاً في وجهك.

ماتروشكا الثوري

تحولت "حركة الضباط" في تموز 1952 إلى ثورة بنفسها الشعبي وبإجراءاتها الثورية التي أظهرت انحيازات اجتماعية لا لبس فيها، فكان "الإصلاح الزراعي" بعد أربعين يوماً من قيامها. كما أن التنمية الاقتصادية الشاملة التي جرت في عهد جمال عبد الناصر، وبناء المصانع والمشروعات الوطنية العملاقة بسواعد المصريين هي ركن ركين من مشروعيته وتجربته السياسية. كان ناصر علماً على الاستقلال الوطني في مصر والعالم العربي والعالم الثالث، ومنارة للعدالة الاجتماعية ومؤمناً حقيقياً بالعروبتين السياسية والثقافية. حكم ابن الفقراء والمهمشين باسمهم ولمصلحتهم من دون مكاسب شخصية أو عائلية، في مواجهة خصومهم في الداخل والخارج. فلم يكتسب جمال عبد الناصر ابن ساعي البريد البسيط شعبيته أو مشروعيته السياسية بالانتساب إلى أسرة كبيرة أو عصبية قبلية أو طائفية أو جهوية، وإنما من كونه ممثل الفقراء والمهمشين، المدافع عن مصالحهم والمؤتمن على أحلامهم. بهذا المعنى، يؤدي حصر مشروعية جمال عبد الناصر في أسرته الصغيرة، إلى الحط بأثر رجعي من قدره المعنوي السامق وإلى وضعه في خانة أي حاكم عربي اعتيادي ورث السلطة عن عائلته، أو بصدد التوريث لأبنائه. ولا يمكن لأي منصف أو محب لتجربة عبد الناصر أن يغفر أو حتى يتجاهل الهزيمة المنكرة في العام 1967، التي يتحمل جمال عبد الناصر المسؤولية الأولى عنها. ولا يمكن المرور على كبت الآراء وحرية التعبير والاعتقال السياسي في زمن ناصر مرور الكرام، أو الاكتفاء بتبرير أن للحريات جناحين: اجتماعياً وسياسياً، وأن تلبية المطالب الاجتماعية يغطي على تغييب الحريات السياسية في عهده. ومثلما أسست تجربة عبد الناصر لدولة المخابرات والقمع وعسكرة السلطة، فقد ألهم هذا الجانب من تجربته أنظمة حكم في مصر وخارجها للسير على نهجه، ولكن من دون النفس الشعبي في سياساتها. ومن وقت تجربة عبد الناصر وحتى كتابة السطور يتقدم أهل الثقة في بر مصر على أهل الكفاءة، فينزلون مصالح النظام مقام الأسبقية والأولوية على مصالح البلاد والعباد فتتردى الأحوال حكماً، في سابقة أرساها تاريخياً "أبو خالد". وفي كل الأحوال، اختصرت السياسة في شخص "الزعيم الملهم" و"القائد المفدى"، فاعتبر كثر من مؤيديه أن الشعب ينتصر حين ينتصر، فكانت النتيجة أنه انكسر حين انكسر.

لا تستند الناصرية الى قاعدة فكرية - الماركسية مثالاً - تمكن من الاشتباك النظري معها، أو على تراث فقهي يمكن تأويله على نحو ما تمثل تيارات الإسلام السياسي بتنوعاتها؛ وإنما على التجربة التاريخية للرئيس الراحل جمال عبد الناصر في الحكم. هنا ربما تكون التجربة مفيدة كأداة قياس للمقارنة مع واقع الحال المصري والعربي الآن، باعتبارها تجربة ملهمة للنهوض الوطني والقومي بسلبياتها الضخمة وإيجابياتها الكثيفة، يستحيل أن تتكرر بملابساتها وشخوصها وسياقاتها مرة أخرى. مات عبد الناصر مقهوراً من ضياع الأرض وتبدد الحلم وانكسار الأمل، وترك تجربة فردية ومتفردة، مفعمة بالانتصارات المعنوية ومثخنة بالجراح والهزائم المادية. فليلفظ الناصريون ذلك العسكري الصغير من أعماقهم، كما «الماتروشكا»، فليس هكذا يكون الانتصار لذكرى جمال عبد الناصر وتجربته. تضع «ماتروشكا» عبد الناصر الثوري عسكرته للمجتمع وتغييبه للحريات وخسارته المروّعة للأرض وتأسيسه لدولة الأمن والمخابرات في ميزان سيئاته، على العكس من وسائل الإعلام وبعض منتسبي عبد الناصر الذين يستعيدون صورته من هذا الباب تحديداً. تغير الزمان، والعدالة الاجتماعية وإن كانت وما زالت وستبقى قيمة كبرى، إلا أنها لا تبرر أو تسوّغ غياب الديموقراطية وانتهاك حقوق الإنسان. ثارت جماهير المصريين في «25 يناير» 2011 لإسقاط ديكتاتورية حسني مبارك، وهي قادرة - قياساً - على إسقاط أي ديكتاتورية أخرى حتى وإن تلطت وراء صورة... جمال عبد الناصر!

عن السفير اللبنانية

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط