كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

ماذا وراء الانسحاب الامريكي من قاعدة التنف وتسليمها للجيش السوري ؟

ماذا وراء الانسحاب الامريكي من قاعدة التنف وتسليمها للجيش السوري ؟

تاريخ النشر: 2026-02-14 | 11:48

تقع قاعدة التنف عند المثلث الحدودي السوري العراقي الأردني على الطريق الدولي بين بغداد ودمشق وهو موقع يمنحها أهمية استراتيجية استثنائية وخصوصا وان هذه البقعة الصحراوية كانت على الدوام تمسك بمفصل بري حساس يربط المشرق بعضه ببعض لتتحول القاعدة إلى جيب نفوذ أميركي صريح داخل الأراضي السورية تتداخل فيه الحسابات العسكرية بالأمنية والسياسية

أُنشئت القاعدة عام 2016 في ذروة الحرب الدولية على تنظيم داعش عندما قررت الولايات المتحدة ضمن عمليات التحالف الدولي إقامة نقطة تمركز عسكرية عند المثلث الحدودي السوري العراقي الأردني على الطريق الدولي الرابط بين بغداد ودمشق وفي ذلك الوقت كان الهدف المعلن واضحاً ويتمثل في دعم العمليات ضد التنظيم ومنع تمدده في البادية السورية غير أن الموقع الاستراتيجي للقاعدة منحها بعداً تجاوز مفهوم مكافحة الإرهاب حيث تحولت سريعاً إلى نقطة تحكم برية حساسة تتيح مراقبة خطوط الإمداد بين العراق وسوريا وتؤمّن موطئ قدم أميركياً ثابتاً في عمق الجغرافيا السورية

بمرور السنوات أصبحت التنف جزءاً من معادلة توازن إقليمي معقدة فإلى جانب دورها في تدريب فصائل محلية ومساندة العمليات ضد داعش فرضت واشنطن حولها منطقة عازلة بقطر 55 كيلومتراً منعت خلالها اقتراب قوات النظام السوري السابق وحلفائه ما جعلها فعلياً منطقة نفوذ أميركي مباشر ومع تراجع تهديد التنظيم بعد عام 2019 تبدلت وظيفة القاعدة تدريجياً من منصة قتال إلى أداة مراقبة وضبط توازن في ما يتعلق بالممرات البرية بين العراق وسوريا وهي مسارات كانت تعد في الحسابات الأميركية جزءاً من شبكة نفوذ إيرانية إقليمية وبهذا المعنى أدت التنف دور قاطع الطريق الجيوسياسي بأقل كلفة بشرية وعسكرية مقارنة بحجم تأثيرها

ما بين اختبار السيادة وحدود الشراكة يأتي اليوم الانسحاب الأميركي من التنف وتسليمها إلى القوات السورية في سياق تحولات سياسية وأمنية أوسع تشهدها البلاد والمنطقة حيث لم تعد واشنطن ترى ضرورة لبقاء وجود مباشر في موقع صحراوي معزول بعد تغير المعطيات الميدانية وتبدل شكل العلاقة مع دمشق غير أن هذا الانسحاب لا يعني بالضرورة خروجاً كاملاً من المشهد، بل قد يمثل إعادة تموضع تعيد طرح أسئلة جوهرية حول قدرة الدولة السورية على ملء الفراغ الأمني وحول طبيعة الدور الأميركي المقبل في سوريا وما إذا كانت مرحلة القواعد المنعزلة قد انتهت فعلاً أم أنها دخلت طوراً جديداً أكثر سرية وتعقيد لإعادة رسم خرائط القوة في المشرق

لم يكن تسلّم الدولة السورية قاعدة التنف من القوات الأميركية حدثاً عسكرياً عابراً يمكن وضعه في سياق تبديل المواقع أو إعادة الانتشار الروتينية بل شكّل لحظة مفصلية في مسار الصراع السوري وتحولاته الإقليمية اذ اصبحت أكثر من مجرد نقطة دعم عملياتي وباتت عنواناً واضحا لحضور أميركي مباشر في عمق الجغرافيا السورية ورمزاً لحرب غير معلنة دارت على أرض البادية بين قوى دولية وإقليمية متنافسة

الانسحاب الأميركي الذي وُصف بأنه انتقال منظم ومشروط يعكس تحولاً في طبيعة المقاربة الأميركية للملف السوري فواشنطن التي اعتمدت لسنوات على استراتيجية اقتصاد القوة عبر انتشار محدود العدد عالي الأثر تبدو اليوم أكثر ميلاً إلى إعادة التموضع خارج الحدود السورية المباشرة سواء في الأردن أو العراق مع الإبقاء على قدرتها على التدخل عند الضرورة ما يعني أن الأمر أقرب إلى تعديل تكتيكي منه إلى انسحاب نهائي يطوي صفحة النفوذ الأميركي في المنطقة

تسلّم الجيش وحرس الحدود السوري مهام الانتشار في التنف يضع الدولة الجديدة أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على إدارة ملف أمني بالغ التعقيد في بيئة صحراوية شاسعة عُرفت تاريخياً بكونها أرضاً رخوة تتحرك فيها الخلايا التنظيمية المتطرفة وشبكات التهريب والجماعات المسلحة ونجاح الانتشار المستقبلي هنا لا يقاس برفع العلم فوق القاعدة فحسب بل بقدرة المؤسسات العسكرية والأمنية على فرض سيطرة فعالة ومستدامة على كامل المثلث الحدودي ومنع أي عودة لتهديدات تنظيم داعش أو غيره

في ذات الوقت يحمل الانسحاب بعداً سياسياً لا يقل أهمية عن بعده الأمني إذ إن استعادة موقع ظل لسنوات خارج السيطرة الفعلية لدمشق يمكن أن تُقرأ كخطوة نحو ترميم السيادة واستعادة احتكار الدولة لاستخدام القوة غير أن المفارقة تكمن في أن هذه الاستعادة التي جاءت بتنسيق مباشر مع واشنطن وفي إطار أولويات مشتركة لمكافحة الإرهاب ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول حدود الاستقلال الفعلي للقرار الأمني ومدى قدرة دمشق على تحويل التعاون الظرفي إلى مكسب وطني وسيادي خالص

إقليمياً يثير المشهد الجديد حسابات متشابكة فالمثلث الحدودي ليس معزولاً عن التوازنات بين سوريا والعراق والأردن وتركيا كما أنه يتقاطع مع تصورات إسرائيلية لممرات جيوسياسية محتملة في الجنوب والشرق وهنالك من يرى في عودة الدولة السورية إلى التنف عاملاً معطلاً لأي مشاريع تقسيم أو ممرات عابرة للسيادة و يحذر من أن أي فراغ أمني مؤقت قد يغري أطرافاً بمحاولة فرض وقائع جديدة لكن تبقى الحقيقة أن المنطقة قد دخلت مرحلة إعادة تشكيل تتطلب درجة عالية من التنسيق الإقليمي لمنع الانزلاق إلى جولات توتر جديدة

التصريحات الأميركية التي تحدثت عن عملية انتقال مشروطة تحمل رسالة مزدوجة فهي تؤكد الثقة بقدرة الحكومة السورية على تولي المهمة لكنها في الوقت ذاته تترك الباب مفتوحاً أمام احتمال العودة أو التدخل إذا ما ظهرت تهديدات تمس المصالح الأميركية أو تعيد إحياء تنظيم داعش وهذا يعني أن الانسحاب ليس قطعياً وكاملاً للخيط بل إعادة رسم لمسافة الأمان بين الحضور المباشر والنفوذ غير المباشر

في المحصلة يمكن القول إن التنف تحولت من رمز لمرحلة الصدام غير المعلن إلى مختبر لفحص مرحلة جديدة تقوم على التنسيق الرسمي وإعادة توزيع الأدوار فإذا استطاعت الدولة السورية تثبيت الأمن في البادية وطمأنة الجوار وضبط الحدود فسوف تحول الانسحاب الأميركي إلى فرصة لتعزيز شرعيتها الداخلية والخارجية في المقابل إذا ما تعثرت في ملء الفراغ الامني فستظل القاعدة السابقة نقطة جذب للتجاذبات الإقليمية والدولية بما يؤكد أن الصحراء التي بدت يوماً هامشاً جغرافياً ما زالت في قلب معادلة الشرق المعقدة وقد تكون بداية لمعادلة جديدة ومنصة لاختبار  نفوذ وقدرات الدولة الجديدة

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط