كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مارغاليت: إسرائيل أمام أزمة أخلاقية وانقسامات تهدد قدرتها على الصمود

مارغاليت: إسرائيل أمام أزمة أخلاقية وانقسامات تهدد قدرتها على الصمود

تاريخ النشر: 2026-08-10 | 19:59

تل أبيب: يقدّم الفيلسوف الإسرائيلي أفيشاي مارغاليت قراءة شديدة القلق للتحولات التي يشهدها المجتمع الإسرائيلي، تتجاوز السياسة اليومية والحرب الراهنة إلى أسئلة أعمق تتعلق بالأخلاق، ومستقبل الصهيونية، وقدرة المجتمع على الحفاظ على تماسكه في ظل اتساع الانقسامات الداخلية.

وفي الوقت نفسه، يحذّر من أن المجتمعات المفتوحة نفسها باتت أكثر عرضة للتلاعب السياسي، بعدما تحولت حرية تدفق المعلومات إلى بيئة خصبة للدعاية ونظريات المؤامرة والأخبار الملفقة.

هذه الرؤية عرضها مارغاليت، البالغ من العمر 87 عاماً والأستاذ الفخري للفلسفة في الجامعة العبرية في القدس، في حوار موسع أجراه معه إيتاي مشياح ونشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية في 8 أغسطس/آب 2026، بالتزامن مع صدور كتابه الجديد المشترك مع الفيلسوف أساف شارون، والذي يناقش ظاهرة التلاعب السياسي وآليات السيطرة على العقول.

ويجمع الحوار بين أفكار مارغاليت الفلسفية وتأملاته في مسار إسرائيل والصهيونية وتجربته الشخصية الممتدة منذ السنوات الأولى للدولة، وصولاً إلى الحرب والانقسامات السياسية والاجتماعية الراهنة.

من الإكراه الجسدي إلى السيطرة على العقول

ينطلق جانب أساسي من الحوار من كتاب مارغاليت وشارون الجديد «العقول الأسيرة: دراسة في التلاعب»، الصادر عن مطبعة جامعة هارفارد، والذي يحاول إعادة تعريف التلاعب السياسي بوصفه شكلاً من أشكال ممارسة السلطة، وليس مجرد تضليل أو خداع معرفي.

وتقوم الفكرة المركزية على أن أنماط السيطرة السياسية تطورت تاريخياً من الإكراه الجسدي المباشر إلى وسائل أكثر تعقيداً تستهدف وعي الإنسان وطريقة إدراكه للواقع. وفي هذا السياق، يقارن مارغاليت بين نموذج القمع في عهد جوزيف ستالين والوسائل المستخدمة في روسيا في عهد فلاديمير بوتين، معتبراً أن السيطرة على العقول باتت، في كثير من الحالات، بديلاً عن الاستخدام المباشر للعنف والتعذيب.

وبذلك يصبح التلاعب أداة سلطة بحد ذاته، لأنه لا يكتفي بإخفاء الحقيقة عن الجمهور، وإنما يعمل على إعادة تشكيل تصورات الناس للواقع والخيارات المتاحة أمامهم.

مفارقة «المجتمع المنفتح»

إحدى المفارقات التي يتوقف عندها مارغاليت تتعلق بفكرة «المجتمع المنفتح» التي ارتبطت بالفيلسوف كارل بوبر، والقائمة على حرية النقاش العام ومقاومة الرقابة والأنظمة المغلقة.

فالأدوات التي كان يُعتقد أنها ستضمن حماية المجتمع الحر أصبحت، وفق قراءة مارغاليت، قادرة أيضاً على تهديده من الداخل.

لقد أتاحت البيئة الإعلامية المفتوحة ووسائل التواصل الاجتماعي فضاء غير مسبوق للتعبير، لكنها أتاحت في الوقت نفسه المجال أمام انتشار الدعاية الشعبوية ونظريات المؤامرة والأخبار الملفقة وأساليب التأثير النفسي على الجمهور.

وهنا تظهر معضلة أساسية: كيف يمكن الدفاع عن حرية التعبير من دون السماح باستخدام هذه الحرية لتقويض المجتمع الحر نفسه؟

لا يتراجع مارغاليت عن تفضيله الأساسي لحرية التعبير، لكنه يرى أن التجربة الراهنة تفرض التفكير في حدود وضوابط معينة بعدما أصبحت تقنيات التلاعب أكثر قدرة على التأثير في المجتمعات.

الأخلاق ليست هي الإتيقا

ينتقل الحوار من السياسة إلى أحد المفاهيم الأساسية في فلسفة مارغاليت، وهو التمييز بين «الأخلاق» و«الإتيقا».

فالأخلاق، وفق هذا التصور، تتعلق بالالتزامات التي يحملها الإنسان تجاه البشر جميعاً لمجرد كونهم بشراً، بينما تتصل الإتيقا بالالتزامات الناشئة عن «العلاقات الكثيفة» التي تربط الإنسان بعائلته وجماعته ومجتمعه والأشخاص المقربين منه.

وقد تمتلك جماعة ما منظومة قوية جداً من الالتزامات الداخلية والتضامن بين أعضائها، لكنها لا تصبح بالضرورة جماعة أخلاقية بالمعنى الكوني إذا غابت عنها الالتزامات تجاه من يوجدون خارجها.

هذه الفكرة تتحول في الحوار من نقاش فلسفي مجرد إلى أداة لفهم ما يحدث في إسرائيل وعلاقتها بالفلسطينيين.

«لا أبرياء في غزة»

يطبق مارغاليت هذا التمييز على الخطاب المرتبط بالحرب في غزة، ويتوقف بصورة خاصة عند مقولة «لا أبرياء في غزة»، التي يصفها بأنها تعبير «وحشي» عن وجود إتيقا جماعية بلا أخلاق كونية.

فالمشكلة، في نظره، تبدأ عندما تصبح حماية الجماعة الخاصة والولاء لها مبرراً لإلغاء الالتزامات الأخلاقية تجاه البشر الموجودين خارجها.

ويذهب مارغاليت إلى مقارنة لافتة باستحضار قواعد كانت سائدة حتى في صراعات المافيا الصقلية تاريخياً، حيث وجدت، بحسب عرضه، قيود تتعلق بالنساء والأطفال رغم الطبيعة العنيفة لتلك الصراعات.

ومن هذا المنطلق ينتقد أيضاً منطق تدمير مبانٍ كاملة بسبب وجود قائد ميداني واحد فيها، باعتباره مثالاً على الخلل الذي يحدث عندما تنفصل الاعتبارات المرتبطة بحماية الجماعة عن المبادئ الأخلاقية الأوسع.

الصهيونية ومشكلة «الأرض المسترجعة»

يمتد النقد إلى تطور الصهيونية نفسها، من خلال مفهوم «الإيرّيدنتا» أو «الأرض المسترجعة»، أي الاعتقاد بوجود أراضٍ يُنظر إليها باعتبارها جزءاً تاريخياً أو قومياً من الوطن ويتعين استعادتها.

يستعيد مارغاليت في هذا السياق التجربة الإيطالية. فبعد نجاح حركة الوحدة الإيطالية في القرن التاسع عشر، لم تتوقف النزعة القومية عند حدود توحيد الدولة، وإنما ظهرت مطالب متواصلة بأراضٍ إضافية اعتُبرت جزءاً من المجال القومي الإيطالي.

وتكمن المشكلة في أن مفهوم «الأرض المسترجعة» يمكن أن يصبح غير قابل للإشباع؛ فكلما تحققت مطالبة إقليمية ظهرت مطالبة جديدة.

ويرى مارغاليت أن نمطاً مشابهاً يمكن رصده داخل الصهيونية. فالنزوع المتعلق بالأرض كان موجوداً منذ البدايات، لكنه ظل لفترة كامناً أو أقل مركزية، قبل أن يتحول تدريجياً إلى عنصر أكثر حضوراً في النقاش حول تعريف الصهيونية نفسها ومستقبلها.

وبذلك يصبح السؤال بالنسبة إليه أكبر من الخلاف حول الحدود أو الأراضي، لأنه يتعلق بالتحول في مضمون المشروع القومي نفسه وبالمكان الذي يحتله التوسع الإقليمي في تعريف الهوية الصهيونية المعاصرة.

ثلاثة صدوع داخل إسرائيل

لكن مصدر القلق الأكبر لدى مارغاليت لا يأتي فقط من علاقة إسرائيل بالفلسطينيين أو من مستقبل الصهيونية، وإنما من الانقسامات المتراكمة داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.

ويحدد ثلاثة صدوع رئيسية يرى أنها تحمل إمكانية تمزيق النسيج الاجتماعي: الانقسام بين اليهود والعرب، والانقسام بين اليهود الشرقيين والأشكناز، والانقسام بين المتدينين والعلمانيين.

هذه الانقسامات ليست بالنسبة إليه خلافات سياسية عابرة، وإنما خطوط تصدع عميقة تمس هوية المجتمع وقدرته على بناء أرضية مشتركة بين مكوناته.

ولهذا يصل مارغاليت إلى واحد من أكثر استنتاجاته تشاؤماً، عندما يقر بأنه «من الصعب أن نعرف» ما إذا كان المجتمع الإسرائيلي سيتمكن من الصمود أمام هذه التناقضات.

ولا يقدم الفيلسوف الإسرائيلي في المقابل وصفة سياسية واضحة للخروج من الأزمة، بل يبدو الحوار في أجزاء منه أقرب إلى تشخيص وجودي لمجتمع لم تعد المسلمات التي حكمت أجياله السابقة كافية لضمان استمراره على الصورة نفسها.

من كفر قاسم إلى إيلور عزاريا

يستعيد مارغاليت محطتين يراهما أساسيتين في تكوين وعيه السياسي والأخلاقي.

الأولى كانت مجزرة كفر قاسم عام 1956، التي علم بها عندما كان طالباً في المرحلة الثانوية، وشكلت بالنسبة إليه مواجهة مبكرة مع أسئلة القوة والمسؤولية الأخلاقية داخل الدولة التي كان ينتمي إليها.

أما المحطة الثانية فجاءت بعد ستة عقود تقريباً مع قضية الجندي الإسرائيلي إيلور عزاريا عام 2016.

وقد قادته تلك القضية إلى إدراك وجود ما يشبه «جمهورين» مختلفين داخل إسرائيل، لا يقتصر الخلاف بينهما على المواقف السياسية، وإنما يمتد إلى غياب أرضية أخلاقية مشتركة وعميقة.

وهذا الاستنتاج يفسر جانباً مهماً من تشاؤمه الحالي، إذ لم تعد الأزمة في نظره مجرد تنافس بين اليمين واليسار أو اختلاف حول سياسات الحكومة، بل أصبحت مرتبطة بالمعايير التي يستخدمها الإسرائيليون أنفسهم للحكم على الصواب والخطأ.

ليلة حرب أكتوبر مع يوني نتنياهو

وسط القضايا الفلسفية والسياسية، يستعيد الحوار أيضاً جانباً شخصياً من حياة مارغاليت، يتعلق بيوني نتنياهو، شقيق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والذي أصبح لاحقاً أحد أشهر الرموز العسكرية الإسرائيلية.

يروي مارغاليت أنه كان برفقة يوني نتنياهو في ليلة اندلاع حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، وكان الاثنان يلعبان لعبة «الدبلوماسية» قبل ساعات من استدعاء نتنياهو، الذي كان يقود سرية في وحدة «سييرت متكال»، إلى الحرب.

تأتي هذه الذكرى ضمن استعادة مارغاليت لجيل كامل عاش مرحلة تأسيس الدولة والحروب الأولى والتحولات اللاحقة، وهي استعادة تحمل في الحوار قدراً واضحاً من الحنين، لكنها لا تقوده إلى تصور أن ذلك الماضي يمكن استعادته.

من تفسير إسرائيل للعالم إلى القلق على مستقبلها

يحتل مارغاليت موقعاً خاصاً في الحياة الفكرية الإسرائيلية. فقد عمل في الجامعة العبرية في القدس ومعهد الدراسات المتقدمة في برينستون، وأقام علاقات فكرية مع أسماء بارزة في فلسفة القرن العشرين، من بينها إسحاياه برلين ونعوم تشومسكي وجون رولز.

وعلى مدى عقود، لعب دوراً مهماً في تقديم إسرائيل وتعقيداتها إلى الجمهور الفكري الدولي، ولا سيما عبر كتاباته في مجلة «نيويورك ريفيو أوف بوكس»، حتى وإن ظل حضوره في المجال العام الإسرائيلي أقل بروزاً من مكانته في الدوائر الفكرية والأكاديمية الدولية.

لكن المفارقة التي يكشفها الحوار هي أن الرجل الذي أمضى عقوداً في محاولة تفسير إسرائيل للعالم يجد نفسه، في مرحلة متقدمة من حياته، أقل قدرة على تقديم إجابات حاسمة عن مستقبلها.

فالخطر في قراءته لم يعد مرتبطاً بتهديد خارجي واحد، بل بتداخل أزمات عدة: التلاعب السياسي الذي يغير طريقة تشكل الرأي العام، وتراجع الحدود بين الولاء للجماعة والالتزام الأخلاقي تجاه الآخرين، والتحولات التي طرأت على مفهوم الصهيونية، والانقسامات الاجتماعية والهوياتية العميقة داخل إسرائيل.

ومن هنا تكتسب عبارته حول صعوبة معرفة ما إذا كان المجتمع الإسرائيلي سيصمد دلالتها الأوسع؛ فهي لا تبدو مجرد تعبير عن التشاؤم إزاء لحظة سياسية عابرة، بل خلاصة لمسار فكري يرى أن أزمة إسرائيل الراهنة تتعلق بالأسس الأخلاقية والاجتماعية التي يقوم عليها المجتمع نفسه.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط