كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مانديلا ..الدرس الذي رسبناه ..!

اليوم تحط الرحلة الطويلة لأحد ضمائر الإنسانية رحالها في كونو قريته التي أهدت للبشرية تلك القامة العملاقة ، اليوم يواري جثمان الرجل الذي ملأ العالم صخبا منذ أن أعلن التمرد مبكرا على الظلم فأقسم أن ينشر العدل والمساواة وسط عالم ينوء بالقسوة واستعباد البشر والتمييز والمصالح وصراعات السلطة والثروة ، "لا أحد مثله ...كان فريدا "هكذا قال لنا وريثه جاكوب زوما وهو يودع " أبو الأمة " التي اجتاحها شعور باليتم .

نشر صديقي على صفحة التواصل الاجتماعي صورة اختصرت آلاف الكتب والمجلدات وآلاف السنوات من العمل من أجل العدالة والإنسانية صورة شاب أبيض من جنوب أفريقيا يحتضن عجوز سوداء يبكيان معا الرجل الذي حقق معجزة المساواة في وطن كان نموذجا للعنصرية والظلم، السيد القديم يحتضن ما كان لونها يجعلها في منزلة أكثر انحطاطا فأصبحا سيدين معا .

 "لن يحدث أبدا أبدا أبدا مرة أخرى في هذه البلاد الجميلة أن يتم قمع طرف بواسطة طرف آخر "بهذه الكلمات تعهد نيلسون مانديلا أمام زعماء العالم في منتصف تسعينات القرن الماضي أثناء حفل تنصيبه كأول رئيس أسود لتلك البلاد الجميلة ليس فقط بطبيعتها الساحرة بل بالنموذج الذي قدمته في التسامح وأعطت للبشرية تجربة رائدة في الأخوة الإنسانية بعيدا عن الاستعلاء واحتقار البشر والتمييز بينهم على أساس اللون والجنس والعرق ومن دولة كانت منبعا للعنصرية في ثمانينات القرن الماضي إلى دولة تعطي وجها حقيقيا لإفريقيا السوداء إنه بحق يستحق وصف الرجل الذي غير وجه القارة السمراء .

 " كان لدي موعد تأخر ربع قرن مع رجل رفعت رأسي من بعيد كي يراه ثم حالت ظروف قاهرة بيني وبينه لألقاه وحين جئت إلى مصر كان من سوء حظي أن جمال عبد الناصر لم يعد هناك " هكذا أسرنا الراحل الكبير وهو يزور القاهرة عام 95 باحثا عن ما تبقى من أبو القومية العربية والكرامة العربية ففي عام 62 كان محمد فايق وزير الشئون الإفريقية والإرشاد القومي لدى الزعيم عبد الناصر قد رتب موعدا للقاء بين الذين حملوا على أكتافهم هموم الإنسانية متمردين على الظلم مانديلا وعبد الناصر فيعتقل مانديلا قبل يومين من اللقاء وطال الانتظار لثلث قرن وحين حضر مانديلا ملبيا الدعوة لم يكن عبد الناصر هناك ...هكذا هو قدر الثوار وأحلامهم وإخلاصهم وذكرياتهم التي نحملها ونحفظها ونعيد تدريسها لأولادنا .....كانوا عظماء في زمن القهر.

أعظم الانتصارات هي الانتصار على النفس وأعظم النفوس هي التي تتسامى على الحقد حين تكون محملة بإرث ثقيل وهنا كلمة السر في روح مانديلا الذي أراد أن يقولها للعرب في رسالته قبل عامين وهو يرى حجم الحقد المتناثر في شوارعهم وحجم القتل والدمار والتشفي حين حدث تغيير للنظام في بعض الدول ، كان الرجل قلقا من ثقافة عربية تسيطر عليها لغة الانتقام والتشفي فكتب أجمل الدروس التي رسب بها العرب مجددا قائلا في رسالته" خرجت إلى الدنيا التي ووريت عنها سبعا وعشرين عاما لأني حلمت أن أرى بلادي خالية من الظلم والقهر والاستبداد ورغم أن اللحظة أمام سجن فكتور فستر كانت كثيفة على المستوى الشخصي إلا أن السؤال الذي ملأ جوانحي حينها كيف سنتعامل مع إرث الظلم لنقيم مكانه عدلا ؟ ... إن إقامة العدل أصعب كثيرا من هدم الظلم .. ثم استمر قائلا أنا لا أفهم العربية للأسف لكن ما أفهمه عن تفاصيل الجدل السياسي اليومي في مصر وتونس تشي بأن معظم الوقت هناك مهدر في سب وشتم كل من كانت له صلة وتعاون مع النظامين البائدين وكأن الثورة لا تكتمل إلا بالتشفي والإقصاء .. أتفهم الأسى الذي يعتصر قلوبكم وأعرف أن مرارات الظلم ماثلة .. عليكم أن تتذكروا أن أتباع النظام السابق في النهاية مواطنون ينتمون لهذا البلد فاحتواؤهم ومسامحتهم هي أكبر هدية للبلاد في هذه المرحلة ثم أنه لا يمكن جمعهم ورميهم في البحر ثم أن لهم الحق في التعبير عن أنفسهم ".

وعن تجربته الشخصية كتب مانديلا مخاطبا العرب أذكر جيدا أنني عندما خرجت من السجن كان أكبر تحد واجهني هو أن قطاعا واسعا من السود كانوا يريدون أن يحاكموا كل من كانت له صلة بالنظام السابق لكن وقفت دون ذلك وبرهنت الأيام أن هذا الخيار الأمثل لولاه لانجرفت جنوب أفريقيا إما إلى الحرب الأهلية أو إلى الدكتاتورية من جديد وتخيلوا لو أننا في جنوب أفريقيا ركزنا جهودنا كما تمنى الكثيرون على السخرية من البيض وتقليم أظافرهم لما كانت جنوب أفريقيا واحدة من أروع قصص النجاح الإنساني أتمنى أن تستحضروا قول نبيكم " اذهبوا فأنتم الطلقاء " .

هذه الثقافة الإنسانية الرائعة التي كانت وراء نهضة جنوب أفريقيا لتدخل بفضل سواعد كل أبنائها من السود والبيض مجموعة العشرين الأكثر تطورا اقتصاديا على مستوى العالم وبفضل ثقافة التسامح التي قادها مانديلا ،العرب هم أحوج أن يقرؤوا تلك التجربة ولكنهم أمة لا يجيد القراءة لا تجيد الاستفادة من التجارب الإنسانية فتجربة مانديلا جديرة بالتمعن بهدوء ولكننا انشغلنا بالسؤال هل أن الترحم على مانديلا حلال أم حرام وهو السؤال الذي يعكس مستوى جهلنا وعجزنا عن الاستفادة من إرث الإنسانية التي نفتش دوما في قشورها دون الاستفادة من تجاربها الغنية فقد شكلت تجربة مانديلا كلمة السر التي لو فهمها العرب ستكون كفيلة بنقلهم إلى مستوى الدول المحترمة والحضارية والمتطورة ولكنا كتراثنا الطويل والدامي انتقاميون ثأريون متخلفون لم تغيرنا كل هذه التجارب وبقينا كما نجن من داحس والغبرة إلى داعش والنصرة .

علينا الاعتراف بفشلنا في بناء الدولة ولا زالت الدول العربية مجموعة من القبائل المتناحرة ولا زالت العنصرية جزء من إرثنا الثقافي هذا شيعي وذلك سني وتلك كردية وهؤلاء أقباط وأولئك سنة ودروز وعلويون ولا تنتهي تلك التصنيفات التي تحمل قدرا من العنصرية والتمييز عن الآخر والتي تنتزع المواطنة عن مواطن عاش آلاف السنين على هذه الأرض يتم تصفيته وفقا لاعتبارات تجاوزتها البشرية والأمم التي نجحت في بناء دولها وبقينا نحن حيث تركنا التاريخ على أحد أرصفته نتقاتل ونتعارك بانتقام وتسود لغتنا ثقافة التصنيف والعنصرية وكلما تحدثت مع أحد فانه يشتم الآخر وتسود لغة التشفي والإقصاء والإلغاء وإذا تحدثنا عن المصالحة يقولون لك أنسيت ماذا فعلوا بنا؟حتى شيوخنا كانوا أشد الدافعين للفتنة والقتل والإقصاء وشطب الآخر في الوطن حين استدعوا كل تلك النعرات المذهبية بشكل تخجل منه الأمم .. يا سادة انسوا مانديلا الذي تحمله البشرية على رأسها وابقوا في حساباتكم واهدموا دولكم ولكن لا تقولوا أنكم تستحقون الحياة كباقي الشعوب ،في كتابه رحلتي نحو الحرية يتذكر مانديلا في شبابه أنه داعب أحد أصدقاءه يوما قائلا من يدري قد يأتي يوم ويصح لي فيه تمثال وذكرى في جنوب أفريقيا لكنه حينها لم يكن يعلم أن ستكون له تماثيل في الساحات والمتاحف العالمية وذكرى في قلوب الملايين فهو استحق لقب أيقونة الإنسانية فليرقد بسلام ..!

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط