كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

ما الذي ستحققه "صفقة القرن"؟

ما الذي ستحققه "صفقة القرن"؟

تاريخ النشر: 2019-03-11 | 13:36

ربما ليست هناك حاجة لأن نبدأ من أن الولايات المتحدة لم تكن دوماً إلا وسيطاً منحازاً في الصراع العربي – الإسرائيلي منذ البداية، الفارق كان دوماً في درجة الانحياز وفي مدى المبالغة في إظهار الدعم لإسرائيل، وفي مدى حصافة أو نفاق سياستها كي تحقق مصالحها مع العالم العربي وفي الوقت نفسه مواصلة هذا الانحياز، ولأنني كنت أحد الذين كتبوا مبكراً متشككاً في «صفقة القرن»، متوقعاً أن إدارة ترامب لن تنجح في فرض رؤيتها في تسوية القضية الفلسطينية، أو بمعنى آخر تصفية هذه القضية، وعلى رغم أن المسألة أصبحت تحظى باهتمام إعلامي عربي ودولي محدود نسبياً، ليس فقط هذه الصفقة وإنما أيضاً القضية الفلسطينية ذاتها، فإن إصرار ترامب ومساعديه، أو لنقل أسرته، على مواصلة هذا التحرك يستحق التأمل والفهم.

ترامب نفسه يبدو أقل ضجة في الحديث عن هذه الصفقة، ولكن مبعوثيه يواصلون التحرك الغامض، وعقد اللقاءات، فضلاً عن تحول هذا الدور الأميركي إلى حالة مبالغة شديدة في ممارسة الضغوط على الجانب الفلسطيني كي يرضخ، ولم تكتفِ بالخطوات العدة التصعيدية التي شملت نقل سفارتها إلى القدس، ووقف المساعدات عن الجانب الفلسطيني وقبلها وقف التمثيل الفلسطيني في واشنطن، وإنما قامت أيضاً أخيراً بضجة أخرى من خلال دمج قنصليتها في القدس، التي كانت تستخدمها في التواصل مع الجانب الفلسطيني في سفارتها التي افتتحتها أخيراً لكي تنهي الاتصال الرسمي بالجانب الفلسطيني، بحيث تقتصر على تمثيلها في إسرائيل وتنقل رسالة للفلسطينيين بأنهم إذا أرادوا التواصل معها فمن خلال سفارتها في إسرائيل، في رسالة أخرى مهينة وضاغطة على القيادة والشعب الفلسطيني، ما يدعو للبحث عن تفسير وكذا تقييم لما يمكن أن يحققه هذا.

من ناحية أخرى، عاد صهر ترامب كوشنر للظهور في المنطقة بجولة شملت كلاً من عمان والبحرين والإمارات، مصطحباً معه مبعوث ترامب للمفاوضات جيسون جراينبلات، إذ تضمنت تصريحاتهما أن الخطة الاقتصادية ستكون حاسمة بما يساعد الجانبين على تقديم التنازلات السياسية اللازمة. ما هو مهم أن الإعلام الإسرائيلي بدأ يتحدث عن عناصر مختلفة لهذه الصفقة المزعومة وبدلاً من 40 إلى 60 في المئة من الضفة يجري الآن حديث عن 85 إلى 90 مع ترتيبات معقدة للمستوطنات الإسرائيلية، بحيث لا يتم المساس بالمستوطنات الكبيرة والتضحية فقط بما يسمونها غير الشرعية، وكأن هناك مستوطنات شرعية أو قانونية، وبعض التنازلات بالنسبة لتلك الصغيرة المدعى شرعيتها على أن تبقى القدس خارج التسوية وتعويض فلسطين بمكان ما خارجها، في مواصلة لأوهام أميركية وإسرائيلية.

من ناحية أخرى شهدت المنطقة عدداً من التأكيدات والتطمينات المختلفة للشعب والقيادة الفلسطينية، من بينها تأكيدات واضحة من العاهل السعودي الملك سلمان وقبلها أخرى مصرية واضحة ومنذ أيام عراقية، وكذا إجماع على موقف قوي من رؤساء البرلمانات العربية وبمشاركة الدول العربية الرئيسية مجتمعة بما في ذلك سورية وفي لغة لا تحتمل اللبس، كما أن مؤتمر وزراء الخارجية العرب كان محدداً أيضاً في تأكيداته عدم التخلي عن الثوابت الفلسطينية والعربية. ودولياً حرص وزير الخارجية الروسي لافروف في حديث لوكالة الأنباء الكويتية أخيراً على وصف التحرك الأميركي بأنه خطوة أحادية الجانب وقد يكون لها تأثير سلبي كبير على عملية السلام، مواصلاً عرضه استضافة لقاء بين أطراف الصراع. ولم تبدِ أي منظمة أو محفل دولي أي ترحيب أو تنويه بالجهود الأميركية، ولا أي دولة أوروبية رئيسية ما يفيد بعلمها أو بدعمها لهذه الجهود الأميركية التي ما زالت غامضة ومثيرة للريبة والشكوك.

ومن ناحية أخرى، مازال الجانب الفلسطيني يعاني تراجعاً شديداً في الاهتمام الدولي والإقليمي بقضيته المشروعة، كما لا يزال يعانى انقساماً داخلياً خطراً يزداد تكرسه وليس تراجعه، كما يواجه تحديات اقتصادية لا يمكن التهوين منها، ولكنه متفق سواء كل الفصائل أم الطرفان الرئيسيان فتح وحماس والشعب الفلسطيني في الداخل والخارج على رفض أي تسوية لا تحقق مطالبه المشروعة، وليس من الوارد بالنسبة له التنازل عن القدس الشرقية والمسجد الأقصى.

لماذا تصر هذه الإدارة الأميركية على مواصلة جهودها أو نشاطها هذا والطرف الفلسطيني الرئيس قد أوقف التفاوض الرسمي مع واشنطن، ولم يبدِ أي طرف عربي تجاوباً في هذا الصدد؟ ربما يفسر البعض هنا هذا الإصرار الأميركي في ضوء العناد التقليدي لترامب، وقناعاته بأن التصلب والضغوط المتواصلة تقود دوماً إلى تراجع خصومه وخضوعهم لإرادته وإرادة بلاده، كما أن الحديث عن الإغراءات الاقتصادية كحافز للطرفين للتجاوب مع هذه الخطوة يتسق مع عقلية الرئيس الأميركي. من ناحية أخرى، المعلومات المتسربة عن بعض التحسن في معالم رؤية هذه الإدارة ممثلة في زيادة مساحة الأراضي التي سيقام عليها الترتيبات الفلسطينية التي تحدثت وسائل الإعلام الإسرائيلية عن أنها حكم ذاتي تبدو بدورها أمراً مضحكاً، في ضوء أن السلطة الفلسطينية تمارس هذا الحكم الذاتي بشكل أو آخر.

نعود إلى تفسيرات الإصرار الأميركي، ومن بينها أنه قد طرحت بعض الآراء التي تعتبر هذه الصفقة ليست إلا قبول المجتمع الدولي والعالم العربي وبالتالي الجانب الفلسطيني بالوضع القائم، بمعنى آخر إنزال الهزيمة المعنوية الكاملة لإرادة الشعب الفلسطيني ومؤيديه لقبول هذا الأمر الواقع.

كما أنه لا يمكن تجاهل ما يروجه البعض من أن حدوث زيارات لنتنياهو أو مسؤولين إسرائيليين لعواصم عربية أو لقاءات سرية إسرائيلية –عربية يعني بالضرورة أن هناك إمكاناً لتقارب هذه الأطراف تجاه إسرائيل بشكل جدي من دون حدوث اختراق ما في القضية الفلسطينية، للرد على كل ما سبق فإن هذه الاتصالات وإن كان صحيحاً أنها لا تخدم الموقف الفلسطيني والعربي في هذا الصدد، إلا أن الأمر حتى الآن لم يزد عن هذا التواصل المتقطع، كما أن هناك طرفين عربيين رئيسيين لا يمكن لتسوية أن تتم دون قبولهما لهذه التسوية، وهما مصر والمملكة العربية السعودية، وكلاهما لأسباب داخلية أكبر وأكثر تعقيداً من اعتبارات السياسة الخارجية لهما، لا يمكنهما قبول تسوية لا تتضمن القدس الشرقية أو أغلبها على الأقل، وأعتقد شخصياً أن هذا البعد السياسي الديني من التعقيد بحيث يغيب على البعض وعلى السياسة الأميركية الراهنة أن تستوعبه بشكل كافٍ، وتظن أنها تستطيع بضغوط متواصلة إجبار كل الأطراف على الخضوع لإرادتها، من ناحية أخرى، يبدو أن البعض يتناسى أن الشعب الفلسطيني تعرض لضغوط وفقدان للأمل في مراحل عدة، وما زال مستمراً في صموده ومحاولاته، نعم هناك إشكالات عميقة في النهج والأوضاع الفلسطينية الراهنة، وهناك حاجة لمراجعة فلسطينية جادة لهذا النهج وهذه المسيرة، ولكن الاستسلام شيء آخر.

ومن هنا حتى الآن ومن دون تغييرات جادة في التصور الأميركي – غير واردة الحدوث - فإن فرص التجاوب مع هذه الصفقة تبدو معدومة، ولكن ترامب وإدارته سيواصلون التحرك كما نرى، ليس فقط بسبب العناد أو غطرسة القوة ومحاولة فرض الأمر الواقع، وإنما أيضاً لأن ترامب حريص على مواصلة التمتع بدعم مكونات المجتمع الأميركي الأيفانجيلية، وخاصة مع تعقد أوضاعه الداخلية وتزايد التحديات داخل مجلسي النواب والشيوخ، بما في ذلك بعض مواقف لنواب جمهوريين. يبقى أخيراً أنه لن يكفي مجرد الصمود الفلسطيني لتخفيف الخسائر من تواصل الإجراءات العدائية الأميركية، فلابد من تحرك فلسطيني وعربي مبني على رؤية محددة للتعامل مع هذه الإجراءات، فضلاً عن مزيد من الدعم العربي للشعب الفلسطيني.

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط