كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

ما الذي كان يدور في عقل نتنياهو بتجاهل التحذيرات؟ وماذا دار فيه بعد انهيار مخططاته؟

ما الذي كان يدور في عقل نتنياهو بتجاهل التحذيرات؟ وماذا دار فيه بعد انهيار مخططاته؟

تاريخ النشر: 2026-09-15 | 13:45

جمال زقوت
جمال زقوت

إذا صحت الرواية التي نشرتها «هآرتس» عن الأسابيع الأخيرة التي سبقت السابع من أكتوبر، فإن السؤال لم يعد فقط؛ هل كانت إسرائيل تملك معلومات عن خطر وشيك؟ بل، ما الذي كان يدور في عقل نتنياهو حين وصلت إليه هذه التحذيرات، وكيف أمكنه ألا يرى فيها ما كان ينبغي أن يشعل الضوء الأحمر؟

الصورة الذهنية طغت على التحذيرات

بحسب التحقيق، لم تكن الإشارات محصورة في معلومة واحدة أو مصدر واحد. كانت هناك تحذيرات من استعدادات القسام، واتصالات غير مباشرة، ونقاشات داخل الأجهزة الأمنية، ثم، وفق الرواية المنشورة، تحذير مباشر من الرئيس الإماراتي محمد بن زايد لنتنياهو قبل نحو عشرة أيام من الهجوم، مفاده أن القسام تُعد لعملية كبيرة يمكن أن تهز المنطقة وتهدد استقرارها. مكتب نتنياهو ينفي وقوع الاتصال، لكن حتى إذا وضعنا هذه الرواية جانباً، تبقى سلسلة التحذيرات الأخرى.

وإذا افترضنا أن الرواية قريبة من الحقيقة، ويبدو أنها كذلك، فإن البحث عن تفسير لا يبدأ من أن نتنياهو لم يكن يعرف، بل من السؤال: ما الصورة التي كان يحملها عن حماس وجعلته قادراً على استقبال التحذير دون أن يغيّر تقديره؟

ربما كان منطقه أن حماس مردوعة، ولديها ما تخسره، ومعنية بالحفاظ على حكمها في غزة والحصول على التسهيلات الاقتصادية وتصاريح العمل، وأن حرباً شاملة ستكلفها أكثر مما تستطيع تحمله. وإذا كانت تستعد لعملية، فمن المرجح أن تكون محدودة أو جزءاً من لعبة الضغط والمساومة، لا قراراً استراتيجياً لقلب الطاولة.

هذه ليست معرفة بما كان يدور فعلاً في رأس نتنياهو، بل محاولة لإعادة بناء منطقه. لكنها تفسر جوهر الفشل. فربما لم يتجاهل المعلومات بقدر ما أخضعها لنموذج ذهني حسمه مسبقاً.

وكان هذا النموذج جزءاً من استراتيجية سياسية أوسع؛ إدارة غزة بدلاً من معالجة قضيتها، شراء الهدوء بالتسهيلات، إبقاء غزة تحت حكم حماس منفصلة عن الضفة، واستخدام الانقسام الفلسطيني لإضعاف المشروع الوطني الفلسطيني، فيما يوفر التفوق التكنولوجي والاستخباري شعوراً بأن المفاجآت الكبرى أصبحت من الماضي.

حماس لم تصنع صورتها.. بل استغلت الصورة التي صنعتها إسرائيل

ربما هنا تحديداً نجح السنوار في الخداع. لم يكن عليه أن يصنع لإسرائيل صورة زائفة عن حماس، بقدر ما كان عليه أن يثبت الصورة التي صنعتها إسرائيل عنها. فالتفاوض بدا رغبة في التهدئة، والمطالبة بالتسهيلات أولوية اقتصادية، والحفاظ على حكم غزة دليلاً على الردع. وكلما بدت حماس منشغلة بتفاصيل الحياة اليومية، ازداد استعداد إسرائيل للاعتقاد بأنها لا تستعد لقلب المعادلة.

السابع من أكتوبر يقلب الصورة

لا يمكن الجزم بما كان يفكر فيه السنوار، ولا بما إذا كانت حماس قد تصورت بدقة حجم وطبيعة الرد الإسرائيلي ومآلاته. لكن يمكن قراءة العملية باعتبارها محاولة لكسر قواعد الصراع، لا مجرد اختراق للجدار.

استطاعت حماس أن تفاجئ إسرائيل وتحطم جزءاً كبيراً من صورتها عن نفسها وعن خصمها، لكنها لم تكن تستطيع ضمان شكل الحرب التي ستلي ذلك، ولا حجم أثمانها ومآلاتها السياسية. وهنا تبدأ مسؤولية الطرف الآخر.

حين انهارت المعادلة

السابع من أكتوبر لم يهدم منظومة أمنية فقط، بل هدم أمام نتنياهو تصوراً سياسياً كاملاً. فقد سقطت فرضية إمكان فصل غزة عن الضفة وإدارة الصراع إلى ما لا نهاية، وعادت القضية الفلسطينية إلى مركز المشهد، وعادت فكرة الدولة الفلسطينية إلى جدول الأعمال الدولي.

وربما أدرك نتنياهو أن العودة إلى ما قبل السابع من أكتوبر لم تعد ممكنة، وأن الفشل لم يكن استخبارياً فقط، بل سياسياً واستراتيجياً. وهنا يمكن فهم التحول من استعادة الردع إلى محاولة إعادة تشكيل الواقع الذي أنتج الانهيار.

فإذا كان السابع من أكتوبر قد أعاد وصل غزة والضفة في الوعي الفلسطيني والدولي، فإن تدمير غزة، وتهجير سكانها، وتحويل شروط الحياة فيها إلى كارثة إنسانية بلا حدود، يصبح أكثر من أهداف عسكرية؛ إنه محاولة لإعادة صياغة الجغرافيا السياسية التي انهارت، وربما لمنع أن يتحول انهيار نظرية فصل غزة عن الضفة إلى خطوة باتجاه قيام دولة فلسطينية.

هل دخل نتنياهو الحرب منذ لحظتها الأولى بمخطط مكتمل للإبادة والتهجير؟ ربما يكون ذلك هو الاستنتاج الأولي. لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن الفشل الأمني الهائل فتح أمامه منطقاً سياسياً جديداً. فإذا كان خيار إدارة الصراع قد انهار، فإن الحسم بالقوة الغاشمة بدا وكأنه البديل. وهنا تكمن المفارقة الأخطر، حيث انجرف نتنياهو لتغطية فشله الاستخباري بفعل عسكري وسياسي، فانتهى إلى إنتاج فشل استراتيجي أكبر.

من استعادة الردع إلى العزلة الدولية

الحرب التي كان يفترض أن تعيد لإسرائيل «هيبتها وردعها»، ساهمت في إعادة القضية الفلسطينية إلى قلب العالم، وفي تعميق عزلة إسرائيل، وفي تحويل سلوكها في غزة والضفة إلى قضية تواجهها حتى مع بعض حلفائها الغربيين. فالفشل الاستخباري أسقط صورة إسرائيل عن نفسها بوصفها دولة لا تُفاجأ ولا تُخترق. أما الفشل السياسي والاستراتيجي، فيضرب موقعها الدولي. واستعادة إسرائيل لقدرتها العسكرية لم تمكنها من استعادة الصورة التي كانت تظهر عليها قبل السابع من أكتوبر.

وهنا يبرز سؤال الحلفاء الغربيين وهو إلى أي حد يمكن حماية إسرائيل سياسياً ودبلوماسياً بينما تتحول حربها إلى مصدر متزايد للاتهامات بانتهاك فظيع للقانون الدولي، وإلى قضية تفرض على حلفائها اتخاذ مواقف وإجراءات ضد سياساتها التي باتت تشمل اتهامات متزايدة بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي؟

والسؤال الأكثر إزعاجاً: كيف أمكن للعالم الغربي الذي خرج من الحرب العالمية الثانية حاملاً ذاكرة الإبادة وجرائم الحرب، والذي ساهم في بناء منظومة قانونية دولية لمنع تكرارها، أن يسمح تدريجياً بتحول ما يسمى "الخطر الوجودي" إلى مبرر لحرب إبادة جماعية مفتوحة؟

مسؤوليات لا تتساوى

وسط ذلك كله، لا يجوز جمع المسؤوليات في ميزان واحد، وإن تشابكت نتائجها. فإسرائيل تتحمل المسؤولية الأولى عن فشلها في قراءة التحذيرات، وعن حرب الإبادة الجماعية التي أدت إلى تدمير غزة وتجويع سكانها وتهجيرهم.

وتتحمل حماس مسؤولية فشل تقدير ما قد يترتب على السابع من أكتوبر، وإن كان ذلك لا يلغي سياق الاحتلال والحصار. أما السلطة الفلسطينية، فمسؤوليتها سياسية بنيوية، حيث عجز النظام السياسي عن توحيد غزة والضفة في إطار واحد، ثم أدارت ظهرها لمأساة غزة، الأمر الذي أخرجها من ترتيبات ما بعد الحرب.

الفشلان

إذا أردنا اختزال القصة كلها، فإنها ليست قصة تحذير لم يُسمع فقط، بل قصة فشلين متصلين.

الأول هو فشل الثقة المفرطة وعنجهية القوة، والاستخفاف بالتحذيرات، والاعتقاد بأن حماس مردوعة وأن غزة قابلة للإدارة، وأن التفوق الأمني يجعل المفاجأة الكبرى مستحيلة.

أما الثاني فأخطر: فبدلاً من أن يقود انهيار السابع من أكتوبر إلى مراجعة عميقة للاستراتيجية، جرى التعامل معه بالقوة الغاشمة القصوى، في محاولة لاستعادة المعادلة التي انهارت. وهكذا تحولت محاولة تغطية الفشل الاستخباري إلى فشل سياسي واستراتيجي أكبر.

لقد حاول نتنياهو، على ما يبدو، أن يخرج من كماشة الفشل بالقوة، لكنه وجد نفسه أمام كماشة أخرى: غزة من جهة، والعزلة الدولية من جهة أخرى. وكلما حاول الخروج من الأولى بمزيد من القوة، أحكمت الثانية قبضتها.

التاريخ لا يعود إلى الوراء

ما انهار في ذلك اليوم لم يكن جداراً أمنياً فحسب، بل معادلة سياسية كاملة. وقد تجعل كل محاولة لإعادة بنائها بالقوة انهيارها النهائي أقرب. وربما يكون السؤال الذي سيحاكم نتنياهو وإسرائيل لاحقاً ليس لماذا لم يستمعوا إلى التحذيرات، وإنما لماذا، بعد أن أثبتت الوقائع خطأهم، اختاروا الاستمرار في الطريق ذاته، وكأن المشكلة كانت في الواقع لا في التصور الذي حكم قراءتهم له.

فقد يكون أخطر ما في الفشل ليس أن تخطئ في تقدير خصمك، وإنما أن ترفض، بعد انكشاف الخطأ، إعادة النظر في مسارك. وهنا تحديداً يصبح السابع من أكتوبر فاصلاً تاريخياً: قبله كانت إسرائيل تعتقد أنها تستطيع إدارة الصراع إلى ما لا نهاية، وبعده بات عليها أن تواجه حقيقة أن الصراع عاد، بكل أثمانه ومخاطره، ليطرق باب إمكانية الحل السياسي من جديد.

أما السؤال الذي لم يُجب عنه بعد، فهو: هل ستتعلم إسرائيل من انهيار المعادلة، أم ستواصل محاولة الانتقام منها؟ وهل، إذا تمكن إيزنكوت من تشكيل حكومة، سيتجاهل أسباب الانفجار وفشل الحلول العسكرية أم سيسلك مسارًا آخر ؟!

×
أخبار
مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط