كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

ما العمل بعد فوز الكهانية؟

ما العمل بعد فوز الكهانية؟

تاريخ النشر: 2022-11-08 | 09:14

تساءلنا في المقال السابق حول نتائج الانتخابات الإسرائيلية؛ جاءت لتشكّل نقطة تحوّل تعدّ استمرارًا للتحولات النوعية التي بدأت بعد هزيمة حزيران 1967، ولا تقل أهمية عن نجاح اليمين الإسرائيلي بزعامة مناحيم بيغن في الانتخابات في العام 1977؛ حيث حصل معسكر نتنياهو اليميني المشكّل من الليكود وشاس ويهودوت هتوراة وحزب "الصهيونية الدينية" على 64 مقعدًا، تؤهله لتشكيل حكومة يمينية بأريحية، ولديها قدرة على البقاء لأربع سنوات كاملة خلافًا لنتائج الانتخابات الأربع السابقة.

وإذا أضفنا المقاعد التي حصل عليها حزب "إسرائيل بيتنا" وحزب "المعسكر الرسمي" برئاسة بيني غانتس، فسنجد أن هناك 82 نائبًا في الكنيست الإسرائيلي ضمن المعسكر اليميني السياسي والديني. ولو كان بعضهم يعتبر نفسه ليس يمينيًا.

ما معنى هذه النتائج؟

المعنى الأبرز أن الحكومة القادمة ستؤيد بصورة أكبر من سابقاتها الترحيل والضم والموت للعرب وللمقاومين، وتوسيع الاستيطان، وتهويد القدس والأقصى، والفصل العنصري، وتؤمن أكثر من سابقاتها بأن اليهود ينتمون إلى أمة أعلى (أصحاب البيت)، وأن الفلسطينيين ليس لهم حقوق، وستسمح للجنود بكل شيء، بما في ذلك إطلاق النار للقتل بشكل أكبر مما سبق، وعلى أساس أن الفلسطينيين لا يفهمون سوى القوة والإذلال وأنهم ليسوا بشرًا.

أي تعني أن الكهانية بعثت حية بصيغة أذكى من صيغتها القديمة، وستشارك في الحكومة القادمة، وستتحكم فيها بشكل كبير إذا شكل نتنياهو حكومة يمينية ضيقة، وهذا الأرجح في البداية على الأقل، وبشكل أقل إذا شكل حكومة موسعة بمشاركة حزبي لبيد وغانتس، وهذا مستبعد، خاصة في ضوء إعلان لبيد عن عدم استعداده للمشاركة في الحكومة.

تكمن معضلة نتنياهو في أنه بحاجة إلى حكومة ضيقة، بمشاركة حزب الصهيونية الدينية الفاشي، حتى تقر القوانين الكفيلة بتحصينه من الملاحقات القانونية التي يمكن أن تدخله السجن، وهذا الأمر غير مضمون في الحكومة الموسعة.

ما العمل؟

في ضوء ما سبق، ليس صحيحًا أن نتائج الانتخابات تثبت أن الخل أخو الخردل، وأن المعسكرين وجهان لعملة واحدة، فهذا ينطبق على حكومة يمين من دون حزب "الصهيونية الدينية" بعد أن حصل على أكثر من نصف مليون صوت، أي ما نسبته 11% من إجمالي عدد المقترعين، مع العلم أن الأحزاب الحريدية، التي حصلت على 19 مقعدًا من أصل 120، أصبحت أكثر تطرفًا وصهيونية من السابق، بعد أن كانت في الماضي تركز على تحقيق المطالب الدينية، ومستعدة لدخول أي حكومة.

يضاف إلى ما سبق أن هذه الظاهرة التي عكستها الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة ليس عابرة ولا مؤقتة، وإنما مجرد استمرار لتحولات سابقة وبداية لما سيحدث لاحقًا؛ حيث تشير كل البيانات إلى أن إسرائيل تسير بثبات وبتسارع نحو المزيد من تحكم اليمين السياسي والديني المتطرف. هذا مع العلم أن حزب العمل الذي تولى الحكم في إسرائيل بشكل متواصل منذ تأسيس إسرائيل حتى الانقلاب الكبير في العام 1977، كاد أن يخسر هذه المرة وتجاوز نسبة الحسم بصعوبة، فيما خسر ميرتس، الحزب اليساري الصهيوني الوحيد الذي يؤيد السلام مع الفلسطينيين، الانتخابات لأول منذ تأسيسه.

وبعد العام 1977، شكل الليكود معظم الحكومات الإسرائيلية، الذي يتغير أكثر وأكثر نحو اليمين؛ حيث يعد مناحيم بيغن "حمامة سلام" مقارنة بنتنياهو. ونتنياهو الحالي أكثر تطرفًا من نتنياهو السابق، الذي انسحب من الخليل في حكومته الأولى.

وحتى نعرف إلى أين تسير إسرائيل، علينا أن نعرف أن هناك زيادة سنوية في عدد الحريديم بنسبة 4-7%؛ ما يعني أنهم يضاعفون عددهم كل 10-16 عامًا؛ حيث يبلغ معدل التكاثر الطبيعي للمرأة الحريدية 6.5%، بينما لا يتجاوز 2.9% في المجتمع اليهودي عمومًا.

نعم، إن نتائج الانتخابات ضارة جدًا، ويمكن تحويلها إلى نافعة إذا جاء رد الفعل الفلسطيني والعربي والدولي بمستوى الخطر، من خلال ترك السياسة الفلسطينية القائمة على الانتظار والبقاء والمراهنة على الآخرين والمجهول والدوران في حلقة ردود الأفعال، واعتماد سياسة مبادرة وفاعلة وقادرة على إحداث التراكم، وهذا بحاجة إلى شرطين:

أولًا: التشخيص الدقيق للواقع الفلسطيني والعربي والدولي، فإذا كنا نتصور أننا من الممكن أن نتجاوز المأزق الحالي بسرعة، وأننا في مرحلة هجوم إستراتيجي، وأن إسرائيل إلى زوال في هذا العام أو العام القادم، أو بحد أقصى عام 2027، وأن العرب بدؤوا في مرحلة نهوض، وهم ليسوا كذلك، على الرغم من المحاولات والإرهاصات في هذا الاتجاه، وأن الولايات المتحدة ستفقد قوتها ولن تبقى قوة عظمى، وأن النظام العالمي القديم انهار، أو شرع في الانهيار وسيحل محله نظام عالمي جديد تعددي أكثر عدلًا وبعيدًا عن الهيمنة. فهذا ليس السيناريو الوحيد ولا الحتمي، وحدوثه ليس بالضرورة أن يتم بسرعة، وخط سيره ليس بالضرورة سريعًا وإلى الأمام، وإنما قد يمر بمنحنيات ويتراجع إلى الوراء.

فالنظام العالمي الجديد لم تتبلور ملامحه بعد، ويمكن أن يكون أكثر عدلًا أو أكثر ظلمًا، وهذا يتوقف على نتيجة الحرب الأوكرانية وتداعياتها، وعلى كيفية استجابة قوى العدل والمساواة والحرية والعدالة الاجتماعية والتقدم وقدرتها على طرح بديل قادر على الانتصار، وفرض نظام عالمي جديد بعيدًا عن الهيمنة والاستعمار.

أما القراءة الموضوعية لما يجري، فتقوم على أننا في مرحلة دفاع إستراتيجي، وإسرائيل حققت منذ قيامها مكاسب إستراتيجية، وتحاول استكمال تحقيق أهداف الحركة الصهيونية بإقامة "إسرائيل الكبرى" اليهودية بأقل عدد ممكن من السكان الفلسطينيين، ويعترضها وجود نصف الشعب الفلسطيني على أرض وطنه، وتمسكه بخيار الصمود والمقاومة. هذا الشعب مفجر الهبات والموجات الانتفاضية موجة وراء أخرى، على الرغم من الاختلال الفادح في ميزان القوى، والظروف المعاكسة، فضلًا عن أن القضية الفلسطينية لا تزال حية رغم التراجع الذي لحق بها، وأن إسرائيل في أحسن وأقوى حالاتها على الرغم من الأزمات التي تواجهها، وتراكم عناصر الضعف والمخاطر التي تهددها.

تأسيسًا على ما سبق، لسنا في مرحلة إنجازات إستراتيجية وفرض حلول (لا دولة واحدة ولا دولتين)، وإنما في مرحلة صمود ومقاومة، والحفاظ على تواجد الشعب الفلسطيني على أرضه متمسكًا بهويته الوطنية، وأحلامه وطموحاته، وإفشال المخططات الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية من كل أبعادها، لإسقاط الكيان الفلسطيني والخيار الفلسطيني، وفرض الحل الإسرائيلي، وإحياء بدائل وأشكال من الوصاية العربية وغيرها.

ثانيًا: القناعة والإيمان بوحدة القضية والرواية التاريخية والأرض والشعب، وأهمية إحياء المشروع الوطني الجامع والمؤسسة الجامعة، على أساس أن ما يجمع الشعب الفلسطيني أكبر مما يفرقه، من دون القفز عن الظروف والخصائص والأولويات الخاصة بالتجمعات الفلسطينية التي لا تتناقض، بل تكمل المهمات والأولويات والأهداف المشتركة، بدليل أن أكثر من 74 سنة على النكبة، و55 سنة على هزيمة حزيران، وأكثر من 15 سنة على الانقسام، وعلى الرغم من كل ما شهدته القضية من حروب وخيبات ومجازر، لم تتمكن الحركة الصهيونية ومشروعها الاستعماري من تصفية القضية الفلسطينية.

النتائج ما بين التهويل والتهوين

هناك من الفلسطينيين والعرب من يهوّن من هذه النتائج، ويعدّ انتصارات إسرائيل تكتيكية وهزائمها إستراتيجية.

وهناك من يروج أن اليمين في الحكم يختلف عنه في المعارضة، كما حصل مع أرئيل شارون وأفيغدور ليبرمان، وهذا صحيح ولكن بشكل نسبي، فشارون أصبح رئيس حكومة أكثر خطرًا، بدليل تبريره "لإعادة الانتشار" في غزة، من أجل التهام الضفة.

وهناك من يعدد المكاسب التي يمكن أن تتحقق وكأن نتائج الانتخابات هدية من السماء لصالح الفلسطينيين، وهذا يمكن وصفه بإنكار الواقع، ويذكرنا برواية "المتشائل" لإميل حبيبي.

ومنهم من ينذر إسرائيل من مغبة تشكيل حكومة فاشية؛ لأنها تعني تناثر الجثث من باصات "إيجد" في تل أبيب، في إشارة إلى عودة العمليات الاستشهادية التي انتشرت في المدن الإسرائيلية، خصوصًا خلال انتفاضة الأقصى.

وهناك من يذهب إلى القول إن اليمين أفضل في الحكم ويبرهن على كلامه بأنه هو الذي عقد معاهدات سلام مع العرب (مصر وبعض دول الخليج والسودان والمغرب)، وقادر أكثر من غيره على عقد معاهدات سلام جديدة. ويتناسى هذا البعض طبيعة هذه المعاهدات وأنها لا تصنع السلام، وإنما مكّنت إسرائيل من الانفراد بالفلسطينيين وشرذمة العرب، وتكثيف العمل لتصفية القضية الفلسطينية، وخلق حقائق على الأرض تجعل الحل الإسرائيلي هو الحل الممكن عمليًا.

وهناك من يهول بالنتائج، وأن القضية ستضيع، والأرض ستضيع، والشعب سيهجر، والقدس والمقدسات ستهود، وأن ليس في يدنا شيء.

المطلوب هو ما بين التهوين والتهويل، فما حدث خطير، وأخطر مما حصل سابقًا، خصوصًا أن العالم منشغل بقضايا أخرى، واليمين الشوفيني صاعد في العالم، خصوصًا في الغرب، ما يجعل قيام حكومة فاشية إسرائيلية لا يقود في الضرورة وحتمًا إلى نبذها، بل سيتغاضى العالم عنها، وستتخذ الإدارة الأميركية ودولٌ أوروبية في أحسن الأحوال موقف المحذر من تشكيل حكومة بمشاركة الفاشيين.

وإذا فاز الجمهوريون بالأغلبية في انتخابات الكونغرس النصفية التي ستجري اليوم، فهذا سيقيد الرئيس الأميركي الضعيف والمقيد أصلًا بصهيونيته. وإذا فاز ترامب أو شخصية أخرى شبيهة به، فعندها يمكن أن نشهد إجراءات تصعيدية كبرى، سواء في الضم، أو التهجير، أو العدوان العسكري، أو تهويد المقدسات، وخصوصًا الأقصى.

إن خطورة نتائج الانتخابات الإسرائيلية أنها ليست لحظة عابرة ومؤقتة وسرعان ما تزول، ولكنها بداية جديدة للآتي الأعظم، هذا إذا لم يسارع الفلسطينيون والعرب والعالم للتصدي له لإنقاذ المنطقة من عواقب سيطرة المتطرفين الفاشيين، الذين يقودونها إلى الجحيم، من خلال إشعال الحرب الدينية وتذكيتها.

فما يجري تحدٍ خطيرٌ جدًا، ولكنه ليس نهاية المطاف، ويمكن تحويله إلى فرصة شرط تكاتف الجميع، بدءًا بالفلسطينيين الذين عليهم الوحدة الوحدة الوحدة قبل فوات الأوان. 

×
أخبار
الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة " الاتحاد الأوروبي يدرج 1650 كياناً وفرداً روسياً جديداً ضمن قوائم العقوبات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط