كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

ما بحرث الأرض غير عجولها

ما بحرث الأرض غير عجولها

تاريخ النشر: 2020-08-21 | 17:08

في منتصف هذه الليلة من العام ٢٠١٤ اخذت السماء ودعائها وابقت في الأرض أوجاعا واشتياقا وجروحا نازفة لمَّا تندمل. في تلك الليلة قرر "أبطال إسرائيل"، الذين حجزوا بطاقتهم لانتخابات قادمة والممهورة بدماء المدنيين الرخيصة في غزة، أن يُنعموا على أحد الطيارين شرف الحصول على وسام الشجاعة، لبطولاته تنفيذا لأوامرهم بقصف حي سكني مكتظ في غزة. نفذت الأوامر بلهفة، تحركت الطائرات وقصفت منزلا مجاورا لمنزل العائلة لتحدث دمارا في الحي، وليسقط شهداء وجرحى ومن بين من سقطوا شهداء في تلك الليلة "البطولية" والدي  ذو التسعة والسبعين عاما وزوجته آمال ذات الستين عاما وابنة أخي الطفلة صبا ذات الأربعة أعوام، وهم نيام في فراشهم، وأصيب آخرين من عائلتي بجراح ولحق بالمنزل ضررا كبيرا.
يعلم من أمر ومن نفذ أن مدنيين محميين وفقا للقانون الدولي سوف يسقطون، وأن دمارا كبيرا سوف يلحق بمنازلهم وممتلكاتهم، لم يرمش لأحدهم جفنا أو تحرك ساكنا، فهو أمرٌ آخر يلي أوامرَ سابقة طالت القطاع بطوله وعرضه وزقاقاته وغرف نوم أطفاله، قصفت أبراج سكنية ومحطة الكهرباء اليتيمة ومرافق للصرف الصحي وآبار مياه ومساجد وكنائس  وأطفال يلهون على شاطئ بحر غزة ومنازل على رؤوس ساكنيها وشطبت عائلات بأكملها من السجل المدني بل وقصفت العلم الازرق ومن احتمى به ظنا منهم أنه يوفر الحماية، عندما طلبت قوات الاحتلال من مواطنين آمنين إخلاء مناطق واسعة في القطاع والتجأوا لمدارس الأونروا.
لم يُبقِ "أبطال إسرائيل" وقواتها محظورا ولا ممنوعا ولا ما هو ملون، خطوطا حمراء أو أعلاما زرقاء، إلا اعتدت عليه وداسته بأحذية جنودها. تكرر نفس المشهد وبنفس "الأبطال" تقريبا، ثلاث مرات في أقل من ستة سنوات على غزة، في وقت فرضت فيه ولازالت حصارا على بحر وسماء وأرض غزة، وقامت بحساب السعرات الحرارية لإثني مليون نسمة، لتبقيهم أحياء، حيث سمحت فقط، وفق حسابات البيوبولتكس التي انجزها خبراؤها و أمنيوها و انثروبولوجيوها، بدخول ناتج تلك الحسابات مترجما في دقيق وزيت وسكر وما اعتبرته أساسيا يبقي هؤلاء "الأشقياء" ما فوق الموت وما دون الحياة، لثلاثة عشر عاما متواصلة، أبقت الأنوف فوق الماء فلا هم قادرون على السباحة ولا هم قادرون على التنفس.
 
ما كان لهؤلاء "الأبطال" أن يقوموا بما قاموا به لو خامرهم شعورا، في أي لحظة، بأنهم قد يعاقبون أو يساءلون او يحاسبون، فمن يأمن العقاب حتما يُسيء الأدب، إنهم في الحالة المرضية الأخطر التي يشعرون معها أنهم فوق كل شيء، القانون الذي وضعه العالم المتحضر والأخلاق التي قبلها الجميع، اجماعا على الخير وحماية للكرامة الانسانية ورفضا للظلم والشر.
إن البطولات المدعاة والنياشين الممنوحة على دماء المدنيين وتدمير ممتلكاتهم هي سقوط أخلاقي مدوي وأذىً لا يَلحق فقط بالضحايا وذويهم بل بعموم الانسانية ويُقوض على نحو خطير ومُدرك، مقاصد الاجتماع الانساني في الحفاظ على الكرامة الانسانية المتأصلة وصيانة العدالة وإشاعة السلام.
 
ما حدث ويحدث في هذا المكان من العالم، يُظهر وبشكل غير مسبوق، تلك العملية المنظمة القائمة على تغييب العدالة والمحاسبة، والتضحية بالمدنيين المحميين وممتلكاتهم وتركهم يواجهون ذلك الشر المنفلت والمدمر. إن العالم الذي قام بتوظيف العدالة والسلام والأمن والرخاء توظيفا نفعيا سياسيا وتبنى شعار " أعطوا السلام فرصة" طوال ثلاثة عقود، لم يُوقف الاستيطان ولا العدوان ولا الحصار ولم يحقق لا رخاءً ولا سلاما، بل أصبحنا أبعد ما نكون عن ذلك، وهو شاهدٌ على ما لحق بالشعب الفلسطيني وأرضه ونظامه السياسي من تفتيت وما لحق بالفلسطينيين من فقر وتدهور غير مسبوق في أوضاعهم الإنسانية.
إن ما ارتكبته وترتكبه اسرائيل، كدولة احتلال، يعيد التأكيد على أنه لا خيار لنا كمدنيين وضحايا سوى المضي قدما نحو العدالة في طريق طويل لا رجعة فيه، وهذه المرة هو طريقنا وحدنا ونحن به سائرون مهما كانت الكلفة ومهما كانت الصعاب، "ولا يحرث الأرض سوى عجولها".
إن العدالة لم ولن تكون انتقاما بل هي قيمة انسانية عظيمة لِنَصَفة الضحايا والمظلومين والمكلومين، بغض النظر عن لونهم أو دينهم أو جنسهم، إننا وفي أشد أوقاتنا وجعا، ظلما واحتلالا وإنكارا لحقوقنا الاصيلة غير القابلة للتصرف، لا نرى بأنفسنا إلا جزءا من جماعة العالم المتحضر التي نرفض ما ترفض من احتلال وظلم وعدوان، ونقبل ما تقبل من عدالة وعودة وتقرير للمصير وكما قال يوما الروائي الفرنسي أناتول فرانس فإن العدالة هي الوسيلة التي يُقطع بها الظلم من جذوره.
 
طوبى لك يا والدي ولكل الطيبين، عشت عزيزا كريما ومت شهيدا، إن القلب لينفطر على فراقك، فلم تعد الدنيا كما كانت ذات مرة. والدي، أُصدقُ رُوحَك القول معترفا بحسدي لك، إذا كان في الموت حسدٌ، كما يقول الشاعر، فموت الشهداء اصطفاءٌ، فطوبى لك ولهم هذا الشرف النبيل وأحسدك ثانيةً؛ لأنك وهؤلاء الطيبين لا تسمعون ولا ترون هذا القبح الفاجر من عابثينا الذين أدموا قلوبنا انقساما وفرقة، ولا من هؤلاء، ممن صنفوا أنفسهم يوما ما بأُخوَة الدم، ممن يزينون لأنفسهم سيئات أعمالهم، يَبرأون منا ومن ماضينا وحاضرنا ونحن تاج الرؤوس وفخر الأحرار. طاب مرقدكم وسلام لكم وسلام عليكم في الأولين وفي الآخرين.
 

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط