كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

ما بعد انتصار مجلس الأمن

ما بعد انتصار مجلس الأمن

تاريخ النشر: 2016-12-29 | 20:48

لا شك أن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2334 ضد الفجور الاستيطان الإسرائيلي والذي مُرر بموافقة أغلبية 14 دولة مع امتناع الولايات المتحدة عن التصويت، يشكل وصفاً صريحاً أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية هي غير شرعية الأمر الذي يتشكل عقبة في طريق السلام بين الطرفين الفلسطيني والإسرئيلي.

اعتبرت إسرائيل أن القرار هو كمين من السلطة الفلسطينية والرئيس الأمريكي أوباما، وأحرج إسرائيل في المحافل الدولية، وسوف تصبح فيه أكثر عزلة عن المجتمع الدولي، وأعلنت عدم إلتزامها بالقرار ومضيها قدماً بخطط التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، والقدس الشرقية، وأنها ستزيد من نشاطتها الاستطياني في الضفة الغربية والقدس الذي أدى إلى وجود أكثر من 600,000 مستوطن خارج حدود 1967 حتى اليوم.

ولكن هل يعتبر اتخاذ قرار 2334 تغيير في النظرة الدولية؟ إن اتخاذ القرار يعني بالفعل إعادة مؤشر البوصلة إلى موضعها حيث أن اعتراف العديد من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة يؤكد حقيقة أن المستوطنات الإسرائيلية هي انتهاك واضح وصريح لاتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بطبيعة الحكم وإدارة الأمور في الأراضي الفلسطينية كمناطق محتلة، والحفاظ على الحالة القانونية القائمة في المنطقة عند احتلالها، وعدم تهجير السكان الأصليين لاستيطانها من قبل سكان الاحتلال. يعتبر هذا القرار جنباً إلى جنب القرار رقم 242 الذي تم اتخذه مجلس الأمن الدولي بعد حرب عام 1967 والذي دعا القوات المسلحة الاسرائيلية للانسحاب من الأراضي المحتلة في الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان، ولكن إسرائيل اعتبرت أن قرار ينص على انسحاب من جزء من الأراضي المحتلة وليس كلها!

نظراً لأن القرار الجديد يعكس تغيير عميق في الرأي العام العالمي، وهو يقوض وضع لبنة واحدة في المناطق الواقعة خارج الخط الأخضر مما يعني أنه لن يكون هناك أي وجود إسرائيلي في نهاية المطاف في تلك الأراضي، وهذا تحول كبير منذ اتخاذ قرار 242.

يعتبر القرار أساساً قانونياً متيناً؛ وهو فرصة عظيمة بالنسبة للفلسطينيين لسحب إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي ومقاضاتها لا سميا أن القرار تبنى قرار محكمة العدل الدولية في لاهاي وحوله من رأي استشاري الى قرار نافذ، إلى جانب تصعيد حركة مقاطعة جميع أنواع العلاقات مع إسرائيل، وخاصة أن الأخيرة قد بدأتها بقطع علاقاتها مع العديد من الأطراف منها التي قدمت مشروع القرار أو التي قامت بالموافقة عليه، وهو ما سوف يساهم في تصعيد حركة المقاطعة وفرض عزلة حول إسرائيل بدأتها هي بنفسها.

على المستوى السياسي تلك هي الخسارة الإسرائلية، ولربما أردات الإدارة الأمريكية والأوروبية عقاب إسرائيل من أجل حمايتها من نفسها هذه المرة، حيث أنها تدمر مقترح حل الدولتين كحل للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.

أما على المستوى الواقعي فوصف إسرائيل للقرار بالمتعنت والمتهور وأنه لا يعدو أكثر من مجرد انتصار معنوي ونصرا رمزياً للفلسطينيين لا يمكن أن يمتثل للواقع، فمن المحتمل زيادة موجة سياسات التعنت الإسرائيلي وأنها سوف تواصل فجورها الاستيطاني ضاربة بعرض الحائط جميع القرارات التي لا تخدم مصلحتها، وتحديداً بناء الكتل الاستيطانية في مناطق أعلن مجلس الأمن الدولي مؤخراً أنها أراضي فلسطينية محتلة منها القدس الشرقية، وهو ما يخالف نصاً وجوهراً بنود القرار 2334، وينذر باستمرار موجات العنف في المنطقة.

إن الانتقام الإسرائيلي لن ينتهي بمد السرطان الاستيطاني بحسب، وإنما سوف تبدأ بمحاربة الفلسطينيين أنفسهم كسلطة وشعب، بدءاً بقطع العلاقات، مروراً بالتضييق على الفلسطينيين ومحاربة محتملة لمؤسسات دولية قائمة على إدارة المدنيين وتحديداً وكالة غوث وتشغيل، والتي تخدم اللاجئين الفلسطينيين، ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية؛ وقوة مراقبين للأمم المتحدة في مرتفعات الجولان، وذلك من خلال قطع الدعم المالي الضخم الذي يقدر بملايين الدولارات وتقدمه لموازنتها سنوياً. وستعتبر إسرائيل أن هذه الإجراءات العقابية بحق الفلسطينيين ومن صوت بدعم القرار هي لرد اعتبار إسرائيل أمام نفسها، في ظل تجدد الأمل مرة أخرى لمباركة أمريكية من قبل الرئيس دونالد ترامب الذي سيتقلد مهام منصبه في 20 يناير.

من الوارد أن يكون تأجيل مؤتمر باريس للسلام كان مخططاً لأسباب ضرورة انعقاده بعد اتخاذ قرار مجلس الأمن بمنع وتجريم الاستيطان الإسرائيلي، وهو ما سيسمح بنسبة نجاح أكبر للمؤتمر في محاولات رسم سيناريوهات وخطط عملية لكسر الجمود في طريق المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية.

لكننا في انتظار كيف سيقوم المؤتمر بصياغة اتفاق سلام بين طرفين، فيه الطرف الإسرائيلي – قبل اتخاذ قرار مجلس الأمن - يمتنع عن المشاركة في ضوء مؤتمرات وأوراق ملزمة له، ولكنه يريد أن تسير العملية في لقاءات ودية مع الطرف الفلسطيني. في ظل ما تراه الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة دونالد ترامب أن القرار سيؤثر لا شك على عملية السلام في الشرق الأوسط، وتعيينها للمحامي ديفيد فريدمان سفيراً للولايات المتحدة في اسرائيل المؤيد لبناء المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية ونقل السفارة الأمريكية إلى تل أبيب، والمتشكك من حل الدولتين؛ فهل يمكن أن تكرس كل هذه الظروف سياسة التعنت الإسرائيلي والامتناع نهائياً عن المشاركة في المؤتمر والالتزام بمخرجاته؟

لا شك أن القرار 2334 سوف يؤثر على علمية السلام المتجمدة منذ عام 2014، في ظل ان ترسيم الحدود لا يمكن أن يتم إلا بمفاوضات مباشرة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي حسب اتفاقية أوسلو المبرمة عام 1993. ويأتي هذا القرار في ظروف يفتقد فيها الفلسطينيين أي بوادر إيجابية لإعادة الحياة إلى مفاوضات حل الدولتين باستثناء النظر إلى مؤتمر باريس للسلام الشهر القادم.

أما على صعيد القضائي فينبغي على منظمة التحرير الفلسطينية أن يكون لديها استراتيجية وطنية ترتكز على تدويل القضية على صعيد المؤسسات الدولية وتفعيل كل الآليات والإجراءات لمحاكمة الاحتلال في محكمة الجنايات الدولية، و البدء بالتحضيرات اللازمة سريعاً والتوجه إلى المحكمة الجنائية الدولية من أجل النظر في "تحقيق قضائي فوري" حول ما إذا كان البناء الإسرائيلي في المستوطنات في الأراضي المحتلة يمكن أن يحاكم بوصفه جريمة حرب، وأنها عقبة حقيقية في طريق السلام، وانتهاك صارخ للقانون الدولي. ستكون هذه المرة هي المرة الثالثة التي تم فيها التوجه إلى النيابة العامة للمحكمة الجنائية الدولية بعد الفحص الأولي لجرائم حرب المتعلقة بحرب غزة 2014 والمشروع الاستيطاني في يناير 2015. كما أن التوجه إلى مؤسسات دولية أخرى سوف يدعم تثبيت حقوق الشعب الفلسطيني كالتوجه إلى أطراف اتفاقيات جنيف ومجلس حقوق الإنسان، باعتبار أن التحرك الدولي السريع هو ضرورة من أجل توفير الحماية للشعب الفلسطيني.

إن الجهود الفلسطينية بحاجة إلى تنظيم وترتيب، والاستفادة من الخبرات الدولية في إطر التوجه إلى محكمة الجنايات الدولية من أجل وضع آليات لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، ومجلس الأمن الدولي، والقانون الدولي، ومُبادرة السلام العربية، وتحديد جداول زمنية للمفاوضات والتنفيذ وكذلك إنشاء آليات دولية جديدة للمُتابعة لا سيما أننا على أعتاب المشاركة في مؤتمر باريس للسلام كفرصة لاستئناف عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، حيث يمكن الاستفادة من الخبرات الفرنسية في هذا الإطار الأمر الذي يساهم بشكل جدي في إنجاح مؤتمر باريس الدولي للسلام باعتبار العودة إلى المفاوضات من أجل الحفاظ على المشروع الوطني الفلسطيني ومبدأ الدولتين على حدود 1967 يجب أن يكون بغطاء دولي.

يتطلب تحقيق هذه الغايات بناء جبهة وطنية، وعربية ودولية. فعلى السبيل الوطني؛ يتوجب بناء جبهة وطنية بشكل كامل تتخذ خطوات ميدانية على الأرض الفلسطينية تتمثل وإعادة الاعتبار للوحدة الوطنية وتحديد البرنامج الوطني، وتشكيل قيادة وطنية قادرة على مواجهة التهديدات، إلى جانب تصعيد المقاومة الشعبية ضد جدار الفصل العنصري ووقف مصادرة الأراضي وتعزيز صمود الأهالي في أراضيهم ووقف عمليات هدم مساكنهم، وإفشال مخططات التهجير القسري للفلسطينيين من أراضيهم، ومصادرة الملكيات إلى جانب مصادرة الحقوق الدينية منها الحق في العبادة.

أما على الصعيد العربي فينبغي على الدول العربية ان تقف موقفاً صلباً بعيداً عن الخلافات فى تولى ترامب الرئاسة الأمريكية، واستغلال تراجع الدعم الدولي لإسرائيل وحركة المقاطعة الدولية لها، وتمثيل الشعب الفلسطينية نيابة عن نفسه لا سيما في الوقت الذي لا يستطيع فيه الشعب الفلسطيني تمثيل نفسه لاعتبارات قانونية.

في حين أن دور المجتمع الدولي هو غاية في الأهمية حيث ينبغي عليه تدويل القضية الفلسطينية وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أجل حل الدولتين، إلى جانب تفعيل واضح لدور المجتمع الدولي ومنظمة الأمم المتحدة لمناصرة القضية الفلسطينية في وجه الغطرسة الإسرائيلية ومحاولة تفعيل آليات الإلزام الدولية لإحقاق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ومن أجل تعزيز الاعتراف بدولة فلسطين وعاصمتها القدس الشريف.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط