كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

ما بعد لقاء ترامب–نتنياهو.. لحظة اختبار أم إعادة تدوير للأزمة؟

ما بعد لقاء ترامب–نتنياهو.. لحظة اختبار أم إعادة تدوير للأزمة؟

تاريخ النشر: 2026-01-06 | 11:02

ما جرى في اللقاء الأخير بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو ليس مجرّد محطة بروتوكولية في علاقة سياسية راسخة، بل هو تعبير مكثّف عن مأزق استراتيجي يواجه المشروع الإسرائيلي–الأميركي في مرحلة ما بعد حرب الإبادة على غزة. مأزق لا يتعلق فقط بمستقبل الحرب، بل بمستقبل الإقليم، وبحدود القدرة على الاستمرار في إدارة الصراع بالآليات القديمة ذاتها.

 

على خلاف الانطباع السائد، لا يكمُن جوهر التباين بين ترامب ونتنياهو في خلاف أيديولوجي أو قطيعة سياسية، بل في اختلاف متزايد حول توقيت الانتقال من الحرب إلى ما بعدها، وشروط هذا الانتقال وحدوده. ترامب، العائد إلى البيت الأبيض بعقلية رجل الصفقات، بات ينظر إلى الحرب في غزة بوصفها عبئًا سياسيًا واستراتيجيًا، يهدد قدرته على إعادة ترتيب أولوياته الدولية والإقليمية. أما نتنياهو، فيراها فرصة أخيرة لإعادة إنتاج بقائه السياسي، حتى لو كان الثمن إطالة أمد الدمار وتعميق العزلة.

 

ترامب الذي يبدو جادًا في الانتقال إلى ما يسميه “المرحلة الثانية” من خطته الطويلة الأمد، ليس بدافع أخلاقي أو التزام بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، بل انطلاقًا من حسابات براغماتية صرفة؛ إنهاء حرب مفتوحة بلا أفق، وتثبيت وقائع القوة، وفتح مسار إعمار مشروط يعيد إدماج الإقليم في معادلة الاستقرار الأميركي. هذه المرحلة، كما تُرسم في واشنطن، لا تعني دولة فلسطينية ذات سيادة، بل كيانًا منزوع الدسم السياسي، مضبوطًا أمنيًا، ومقبولًا إقليميًا.

 

غير أن هذه الرؤية تصطدم مباشرة بعقبة نتنياهو. فالرجل غير قادر ولا مؤهل، سياسيًا وشخصيًا، على القبول بأي صيغة تُفهم كإنهاء للحرب أو انسحاب إسرائيلي واضح من غزة. ليس لأنه يرفض ذلك مبدئيًا فقط، بل لأن أي خطوة من هذا النوع تعني تفكك ائتلافه، وسقوط حكومته، وربما خروجه النهائي من المشهد السياسي. من هنا، يواصل نتنياهو سياسة شراء الوقت من خلال إطالة الحرب، وتفريغ المبادرات من مضمونها، والرهان على تآكل الضغوط الدولية.

 

بين إدارة الكلفة واستحقاق ما بعد الحرب: أين يقف الفلسطينيون ؟

 

في هذا السياق، يصبح الحديث عن “خلافات” بين الرجلين دقيقًا بقدر ما هو مضلل. نعم، هناك توتر حقيقي، لكنّه توتر داخل المشروع نفسه، لا خارجه. ترامب يريد الانتقال إلى ما بعد الحرب، ونتنياهو يريد البقاء داخلها أطول وقت ممكن. كلاهما لا يتبنى مشروعًا يؤدي إلى انعتاق للفلسطينيين، ويُمكِّنهم من تقرير مصيرهم، لكنّهما يختلفان حول إدارة الكلفة.

 

وسط هذا التباين الأميركي–الإسرائيلي، يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا؛ أين يقف الفلسطينيون وماذا هم فاعلون؟

والإجابة المؤلمة أن الموقف الفلسطيني ما زال أسير حالة انتظار، ومراهنة على "تناقضات الآخرين"، بدل الاستثمار الفعلي فيها. فغياب المبادرة الفلسطينية لا يملأه الفراغ، بل يملؤه الآخرون وفق مصالحهم، وغالبًا على حساب القضية الوطنية وتماسك المجتمع الفلسطيني الذي يدفع، ولا يزال، ثمن العدوانية الإسرائيلية وغياب الدور السياسي الفلسطيني الفاعل.

 

ما بعد اللقاء: من يملأ الفراغ السياسي؟

 

إن تشكيل حكومة توافق وطني فلسطينية، ببرنامج سياسي واضح، ومرجعية جامعة، لم يعد ترفًا سياسيًا ولا استجابة أخلاقية فحسب، بل بات أداة استراتيجية قادرة على إرباك الحسابات الأميركية والإسرائيلية معًا. حكومة من هذا النوع لا تُسقط الاحتلال، لكنها تنقل الفلسطينيين من موقع المتلقي الانتظاري الغارق في الوهم إلى موقع الفاعل، وتفرض نفسها طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي مسار “لليوم التالي”، وتُحرج واشنطن أمام خطابها عن الاستقرار وإعادة الإعمار.

 

بل أكثر من ذلك، فإن مبادرة فلسطينية جادة يمكن أن تعمّق الفجوة القائمة أصلًا بين ترامب ونتنياهو. فترامب، الساعي إلى مخرج من الحرب، يحتاج إلى شريك فلسطيني قادر على إرباك مخططات نتانياهو، الأمر الذي يخشى الأخير بوجه خاص ما يمكن أن يفلح فيه هكذا نظام فلسطيني في منع عزل قطاع غزه وفصله عن الضفة الغربية وما يعنيه ذلك من إحياء لمسار انتزاع حق تقرير المصير وتجسيد الدولة الفلسطينية على الأرض المحتلة منذ عام 1967، وعاصمتها القدس. .

 

أما عربيًا، فإمكانات التأثير طالما كانت موجودة، لكن الإرادة ما زالت مترددة. الدول العربية تملك أوراق ضغط حقيقية في مواجهة اللعبة الاسرائيلية، لكنها لا تزال تتعامل مع واشنطن بمنطق رد الفعل لا المبادرة. من دون موقف فلسطيني موحّد، تبقى هذه الأوراق مشتتة، قابلة للاستخدام الجزئي، لا للتأثير الحاسم.

 

إن اللحظة الراهنة، بكل تعقيداتها، تحمل فرصة سياسية نادرة، لكنها ليست تلقائية. الفجوة بين ترامب ونتنياهو ليست وهمًا، لكنها لن تتحول إلى مكسب فلسطيني ما لم يُحسن الفلسطينيون استثمارها. الانتقال من سياسة الانتظار إلى سياسة المبادرة لم يعد خيارًا تكتيكيًا، بل ضرورة وطنية عاجلة، ليس فقط دفاعًا عن القضية، بل عن المجتمع الفلسطيني ذاته، الذي يدفع ثمن الاحتلال، والانقسام، وغياب القرار في آن واحد.

 

في المحصلة، لم يعد مقبولًا أن يبقى الفلسطينيون أسرى موقع المتفرّج على صراع الآخرين، أو رهائن حسابات لا تُدار بأيديهم. الشارع الفلسطيني، وقواه الاجتماعية الحيّة من حراكات شبابية واجتماعية، وفعاليات شعبية وأهلية وشخصيات وطنية صلبة المواقف وكل من ينشد التغيير، مدعو اليوم إلى كسر حلقة الانتظار والضغط الجاد باتجاه إعادة بناء الفعل السياسي الوطني. فغياب المبادرة الفلسطينية لا يحيّد شعبنا عن الصراع، بل يتركه عاريًا أمام عدوانية إسرائيلية منفلتة، ومشاريع تُصاغ من فوق رؤوسه. إن استعادة الدور لا تبدأ من الشعارات، بل من فرض أولوية الوحدة، والمساءلة، والتمثيل الحقيقي، بوصفها شروطًا لحماية المجتمع قبل القضية، ولتحويل تضحيات غزة وسائر فلسطين من كلفة إنسانية مفتوحة إلى قوة سياسية فاعلة. في هذه اللحظة بالذات، يصبح الصمت تواطؤًا، والانتظار خسارة مؤكدة، بينما المبادرة وحدها هي الطريق الوحيد لانتزاع مكانٍ للفلسطينيين على طاولة تُعاد صياغتها من جديد.

في عالم يعاد تشكيله بالقوة، لا مكان لمن ينتظر عدالة الآخرين، بل لمن يفرض نفسه طرفًا لا يمكن تجاهله .

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط