كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

"تابوت" للمخرج المغربي عبد الجبار خمران:

ما بين الطاولة والتابوت تمضي الحياة رحلة تأمل الحياة والموت

ما بين الطاولة والتابوت تمضي الحياة رحلة تأمل الحياة والموت

تاريخ النشر: 2020-01-06 | 18:43

"تابوت" للمخرج المغربي عبد الجبار خمران

أدخلنا العرض في سيرة حياة الفنان، في سياق حياته العادية، بكل ما يضطرب فيها، لذلك توازت، أو تداخلت حياته كفنان وإنسان معا؛ كون الفنان هو أولا وأخيرا إنسان اجتماعي عاش حياته وسط محيطه، ومن ثم ما لبثنا أن دخلنا في أنفسنا ومن نعرف عن قرب.

ولعل أهم ما تناوله هنا حياته وحياة امه، كحال أي سيرة أدبية، والتي بدت مع الفرجة محركا للمشاهدين للتذكر والتأمل لما هو شخصي وعام ووطني، وقد فطن المخرج لتلك المحركات من أول حركة للتابوت على سطح الخشبة، ليبدأ من النهاية، كتقييم للرحلة، بدءا من مشاعر الزهد التي تلائم "الموت"، ومرورا بالأحداث، وقد ساعد مضمون العرض وطرق التعبير التمثيلي متعددة المشاعر ما بين الجد والعبث، ما بين بعض المرح وكثير من النزق.

 تابوت..يتحرك،  وأربع أجساد ثلاثة رجال وسيدة، يضعون المعاطف التقليدية،  الخشبة، لتبدأ الفصول، رجوعا الى الوراء، ثم للعودة أخيرا، لما يمكن اختصاره من موت وحياة.

منذ بدء الحياة ظهر تأمل الإنسان بها حتى وإن انشغل بتأمين حاجاته..

وما الأدب والفن، إلا تجليين لهذا التأمل، أكان ذلك بالتعبير عن الحياة، كوصفها ووصف أحداثها، أو التعمق بها لتكوين موقف فكري وشعوري.

وقصة الادب والفن، هي قصة رؤية الدنيا والحياة والإنسان، الذي كان أكثر شيء جدلا!

مستوى الحياة، حياة إنسان..سيرته..عاشها..تأملها، عاش مشاعرها وأفكارها، صراعها، ككل فرد فينا. وهو إنسان كاتب وفنان أيضا.

مستوى النص: تعبير صاحب القصة الأستاذ الراحل محمد تيمد عن حياته من خلال سيرته "أقواس أيامي"، والتي عبّر من خلاله عن سيرة حياة إنسان عادي من الطفولة حتى الشيخوخة، وهي سيرة كاتب وفنان أيضا، لذلك حفل النص بمكونات أدبية وفنية من جنس حياته كمبدع عاش كمسرحيّ بشكل خاص.

مستوى الفرجة: تحويل الكلمات الى عرض مسرحي، من خلال رؤية إخراجية فهمت عميقا المستويين، حياة الفنان محمد تيمد، ونصه عنها، بكل ما فيها من تأمل فكري وفني ونفسي واجتماعي وسياسي ووجودي، وما ارتبط بها من عناصر بيئته، والعناصر الفنية التي ارتبطت بحياته والفن.

لذلك، اعتمدت الرؤية الإخراجية على النص المتعدد الطبقات المشهدية البصرية والسمعية والحركية، فلم يكن المخرج عبد الجبار خمران وفيا للنص فقط، بل كان خبيرا باستجلائه، وخلق فرجة صادقة منه وعنه وفيه، لذلك ازعم أن اعداد لنص العرض كان إبداعيا.

بيت قصيد الإخراج هنا أنه اختار المحاكاة الإبداعية، لكنها ليست المحاكاة الأرسطية في انواعها الثلاث، بل هي محاكاة المقاربة الفكرية الجمالية، التي تعتمد على روح النص، مستحضرة معه عمق الحياة، من خلال ردود أفعال غير نمطية، تظهر اشتباك صاحب السيرة بالحياة العادية من جهة والفن من جهة أخرى، كما تظهر حالة التأمل النزق الناقد والنقدي والعبثي أيضا، في إطار من التصالح والالتزام تجاههما: الحياة والفن، الحياة من خلال الأهل والأصحاب، والفن فيهما كدور وحياة.

يبدأ بالنفس، ليغوص فيها، وفينا، ولا ينتهي حتى بعد الانتهاء المفرض-الموت، لتعيد البداية من جديد، على شكل رحلة في مركبة تحاكي مركبات العصر، يصبحون جميعا ركابا تمضي بهم بسحن نتأملها، ما مبين الحياد ومشاعر مختلطة، ربما تحاكي أصلا مثل هذه المشاعر التي في نهاية رحلة.

"تابوت "يصير صندوق حكايات نظن انه لن ينضب، بسحرية المغرب، وفاس بشكل خاص، و بأقواس أيامي لمحمد تيمد، الى سحرية المشهد الأخير الذي راح يلخص الحكاية..حكاية محمد تيمد وحكاياتنا نحن ايضا..ليطول تأثير هذا العرض؛ لعل ذلك يعود إلى تفسير خلود الروائع، بما فينا وما فيها.

فحين نزعم أن الرؤية الإخراجية كانت عميقة، في مواءمة عناصر الادب والتشكيل والرقص والغناء والتمثيل، التي بدت منسجمة ومتكاملة ومثيرة ذهنيا وجماليا، فلنا الحق خصوصا في نقل العادي الى الطقسي، فالوجودي فكرا وشعورا.

أما تنوع السرد والركح، والدخول والخروج في المشاهد، فقد جعل كل منها لبنة من الحكاية، كمختارات عبرت بأمانة عن النص الأصلي.

لقد عبرت اللوحات-المشاهد، من خلال الفلاش باك، "استدعاء الماضي" عن مراحل الحياة، بما يلائم مجرى الأحداث وما اكتشفه الطفل والفتى والشاب والكهل. وما ارتبط بها من بيئة فاس الاجتماعية. فكانت مشاهد طفولة، تلتها مشاهد تجارب الشباب من حب، ومشاكل الحياة. مع الإضاءة على حياة العائلة والوطن أيام المظاهرات الوطنية.

اعتمد في أول كل مشهد على السرد سرد باللغة الفصيحة، معا(الأربع شخصيات) او كل على حدة او أحد يبدأ ويكمل آخر، ثم ليتحول للهجة العامية في تمثيل الأحداث.

مشهد فوق التابوت..دق كإيقاع، ثم سرد عن المقبرة بشعور عبث، رقص فوق التابوت كقارب ملجأ، تعبير حركي رثاء، ثم استئناف السرد كأنهم واحد، عن البيت، ضمنها المخرج لوحة راقصة، فيها تشكيل القماش الأبيض.

يظهر التعلم التقليدي في المدرسة، ثم لهو الشباب، والغناء، وقد وفق العرض في اختيار الطاولة في مشاهد الشباب، كجامعة للمرح، والندية، وأن كل الأمور فوق الطاولة.

مشاهد الحمام بالليمون، باستخدامات إبداعية لجسد "التابوت"، ثم وصفا للمظاهرات، ليخصص أكبر وقت لأيام المسرح الذي كان حياة الفنان محمد تيمد، وفيه تمازج التمثيل بالغناء والرقص. وصولا لأطفاله.

ظل المخرج يبني مشاهده-مشهديات النص، كخيّاط ماهر معدا ومخرجا، في وصف يثير التأمل، للحياة والموت، حتى شعر أنه اطمأن لتوصيل الفكرة، من خلال تكثيف بصري-تمثيلي راقص وغنائي، بتكامل ما بين عالم الطاولة الطفولي والشباب وعالم التابوت برمزيته، للاختتام بها.

الطاولة برمزية الاجتماع والسرور واللهو، والتابوت برمزية النهاية، يتآلفان معا يصيران مركبة، تسافر..على وقع اغاني التراث.

لم تكن إذن الشخصيات مهلهلة أو مسطحة أو أسيرة أزماتها كما يمكن أن يظن، وربما يكون ذلك صحيحا، لكن ما يكتشفه المتأمل هنا، أنها شخصيات تآلفت معا لإيصال فكرة فلسفية عن الحياة، بشيء من السخرية والانتظار والنقد الحاد الذي عبر عنه نزق الشخصيات.

لذلك خدم التمثيل الإبداعي الواعي المضمون والإخراج معا، لقد شاهدنا مهارات تمثيل عالية ومعبرة عن الانفعالات مصداقية عالية: الفنانة هم رجاء خرماز، توفيق ازديو وعبد الفتاح الديوري، وزكريا حدوشي. كل ما مرّ لم يكن أن يتم بدون عنصر التمثيل كرافعة عالية للعرض. تكامل التمثيل بالرقص بالغناء، مع وعي في التعامل مع الثياب (الملابس تساعد في الدخول للشخصيات، والثوب احالة الى الماضي او الى القصة) والقماش، والديكور.

ديكور وسينوجرافيا إبداعية، بحيث أن اختيار عنصري(الطاولة-التابوت)، لخص بتكثيف العوالم الذهنية الانفعالية بصريا، ساعدت بذلك الإضاءة، كما في رسم بقعة بيضاوية زرقاء على الخشبة.

هل هناك أعمق من هذه الفرجة؟

تابوت صندوق: رمز، زهد..تقييم.. دلالات نفسية اجتماعية وطنية..في ثوب وجودي، ناقد ونقدي، وجامع ما بين تصوير الحياة النفسية، بصراحة وجرأة، كأن الكاتب هنا والمخرج، إنما ارادا الحديث عن جوهر النفس، التي في التعمق فيها يمكننا فهم افعالنا وردود الأفعال.

المسرحية لفرقة دوز تمسرح-مراكش، دراماتورجيا وإخراج عبد الجبار خمران،  كوريغرافيا توفيق ازديو، موسيقى زكريا حدوشي، سينوغرافيا (يوسف العرقوبي)، ملابس (طارق الربح).

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط