كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

ما بين العلمانية والمدنية

ما بين العلمانية والمدنية

تاريخ النشر: 2016-02-15 | 09:28

فى كلمته أمام مجلس النواب، كرر الرئيس عبدالفتاح السيسى إيمانه بمصر دولة ديمقراطية مدنية حديثة، وهو قول لم يصدر عن سابقيه من رؤساء مصر بدءا من محمد نجيب وصولا إلى محمد مرسى، مرورا بعبدالناصر والسادات ومبارك، ومن ثم فهو أول رئيس مصرى منذ 1952 يمتلك هذه الرؤية الواضحة ويمتلك أيضا شجاعة الإعلان عنها بوضوح. وإذا كانت الديمقراطية النيابية هى نمط الحكم الأكثر رقيا الذى طوره البشر فى رحلة البحث عن نظام الحكم الأمثل منذ الديمقراطية المباشرة التى مارستها دولة المدينة اليونانية، والتى تعنى حكم الشعب نفسه لنفسه بنفسه، ويكون المسؤول فيها موظفا عاما لدى الشعب، يمنحه التفويض وبإمكانه سحبه فى أى وقت وفق قواعد وإجرءات محددة، فإن الديمقراطية لا تتواجد إلا فى صحبة مجموعة من القيم والمبادئ مثل المساواة، الحرية، العدل، المواطنة والعلمانية. وتكشف تجارب التطور الديمقراطى فى تاريخ شعوب العالم المختلفة أنه لا ديمقراطية دون علمانية، وإذا قلنا إن الديمقراطية لا تتحقق بين ليلة وضحاها بل يجرى إنجازها بالتدريج، فقد آن الأوان كى نعالج قضية العلمانية فى بلادنا بشجاعة ووضوح بعيدا عن التلاعب بالألفاظ والدوران حول المعانى.

فللمفاهيم معانٍ محددة موجودة فى القواميس والمراجع ومنتشرة فى الثقافات المختلفة، وعندما يطلق المفهوم يكون المعنى معروفًا على وجه الدقة أو التقريب، ونادرًا ما تجد ثقافة من الثقافات ترتِّب معانى مخالفة، وربما مناقضة للمتعارف عليه فى ثقاقات الشعوب والأمم، فإذا ذكرت مصطلحات من قبيل الاشتراكية، الرأسمالية، الثيوقراطية، فإن معانى هذه المصطلحات معروفة على وجه الدقة أو التقريب، فالثيوقراطية هى الحكم الدينى أو حكم رجال الدين أو تزاوج الدين بالسياسة ولا معنى خارج عن ذلك. ومن بين هذه المصطلحات المستقرة تعريفاتها مصطلح العلمانية، فهذا المصطلح يعنى الفصل بين الدين والسياسة، يعنى حياد الدولة تجاه قضية الأديان، يعنى أن الدولة لا تميّز بين مواطنيها بسبب ما يعتقدون ويعتنقون، يعنى أنه ليس من بين مهام الدولة أن تحدد لمواطنيها ديانات مسموحا بها وعقائد مرفوضة، يعنى أنه ليس من وظيفة الدولة أن تساعد الإنسان على «دخول الجنة» فتلك قضية بين الإنسان وخالقه، له أن يعتقد ما يشاء ويؤمن بما يعتقد دون تدخل من الدولة، هذه هى معانى العلمانية فى مختلف المراجع والقواميس، إلا فى ثقافتنا العربية التى انفردت بتعريف للعلمانية يساوى بينها وبين الإلحاد أو معاداة الدين، فالمعنى المنتشر والمتعارف عليه للعلمانية فى العالم العربى هو فصل الدين عن المجتمع، أو معاداة الدين والمساعدة على انتشار الإلحاد. وقد وصل تشويه المفهوم إلى الدرجة التى جعلت أنصار العلمانية لا يفضّلون استخدام المصطلح ويستبدلون به مصطلحا آخر يقود إلى معنى قريب وهو المدنية، ومن ثم ينادون بالدولة المدنية بدلا من الحديث عن العلمانية.

 

جاء هذا التشويه المتعمَّد لمفهوم العلمانية نتيجة تزاوج الدين بالسياسة وتحالف رجال الدين مع رجال الحكم، فتاريخيًّا التقت المصالح، وعملا على حكم الشعب وإخضاعه، وهنا ارتدى رجال الدين ثوب السياسة وحكموا مباشرة فى صورة مباشرة لحكم رجال الدين أو النظام الثيوقراطى، كما ارتدى رجال السياسة ثوب الدين وامتزجت السياسة بالدين بشكل مباشر من خلال حكم رجال يجمعون بين الصفتين السياسية والدينية، أو صيغة مشتركة قامت على تحالف رجال السياسة ورجال الدين واشتراكهما فى الحكم معًا، حيث يحتاج رجال السياسة إلى رجال الدين من أجل الحصول على تأييد المواطنين ودفعهم إلى القبول بالحاكم وتبرير الخضوع له وعدم الخروج عليه، بل واستخدام الدين فى تهدئة غضب وثورة المواطنين ودفعهم إلى تقبل ظلم الحاكم على أساس أن الحياة على الأرض مليئة بالمظالم، وأنهم سوف يحصلون على التعويض فى السماء (ويعد تحالف القيصر مع البطريرك فى روسيا القيصرية نموذجًا لذلك) وهو الأمر الذى أسفر فى النهاية عن الثورة البلشفية الشيوعية عام ١٩١٧ واتخاذها موقفا عدائيا من الأديان، بل وحظرها وتحويل دور العبادة إلى متاحف.

ما نود تأكيده هنا هو أن تحالف رجال الدين ورجال السياسة فى مصر والعالم العربى أدى إلى تشويه متعمد للمصطلحات، وأسهم فى انتشار الجهل والأمية، ومن ثم بات مطلوبًا وبشدة إعادة تقديم المصطلحات والمفاهيم إلى الرأى العام المصرى والعربى وفق معانيها المتعارف عليها فى الثقافات واللغات المختلفة، وأن يبدأ ذلك من مرحلة الطفولة عبر الكتب المدرسية حتى يتعلم النشء المفاهيم الصحيحة والمصطلحات وفق المعانى المتعارف عليها عالميا. وفى تقديرى أن الفرصة سانحة فى مصر اليوم لتصحيح أخطاء وخطايا تحلف رجال الدين والسياسة، فظهر التوظيف السياسى للدين، وبرز رجل الدين الممارس للسياسة (التى هى حكم توافق الفلاسفة ليست مجال عمل الرجل الفاضل) وظهر «الرئيس المؤمن، دولة العلم والإيمان». لدينا اليوم فى مصر رئيس يؤمن ببناء نظام ديمقراطى مدنى حديث، وعلى الكتاب والمثقفين المصريين تقديم اجتهاداتهم فى كيفية بناء نظام سياسى ديمقراطى حديث، أى نظام علمانى يفصل ما بين الدين والسياسة، يحفظ للدين قداسته وحرمته كعلاقة بين الإنسان وخالقه، لا دخل للدولة فى هذه العلاقة، أما الدولة فوظائفها محددة وأولها فرض القانون، تحقيق العدل، إنجاز العدالة الاجتماعية للفئات الضعيفة فى المجتمع والتى تتمثل فى أربعة مكونات رئيسية هى حد أدنى للأجور، منزل آدمى صحى لكل مواطن غير قادر، تعليم عام مجانى جيد وأخيرا علاج مجانى لغير القادر.

عن المصري اليوم

×
أخبار
الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة " الاتحاد الأوروبي يدرج 1650 كياناً وفرداً روسياً جديداً ضمن قوائم العقوبات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط