كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

ما بين "بى بى سى" ومصر

ما بين "بى بى سى" ومصر

تاريخ النشر: 2019-05-20 | 12:04

ياسر عبدالعزيز
ياسر عبدالعزيز

قبل أيام، طردت هيئة الإذاعة البريطانية (بى بى سى) مذيعاً شهيراً يعمل لديها هو دانى بيكر، لأنه غرد على «تويتر» تغريدة اُعتبرت «مسيئة وعنصرية»، حين نشر على حسابه فى «تويتر» صورة لزوجين يمسكان بيد قرد يرتدى ملابس طفل، وكتب تحت الصورة «الطفل الملكى يغادر المستشفى».

لقد اعتذر المذيع الشهير عن هذه «الإساءة» لاحقاً، لكن هذا لم يشفع له، ولم يغير قرار الهيئة الإعلامية المرموقة إزاءه، بعدما رأت أنه وجّه إساءة عنصرية لجنس الأميرة ميجان، زوجة الأمير هارى، التى أثار لون بشرتها السمراء استهجان بعض البريطانيين البيض ذوى النزعات العنصرية.

تعطينا «بى بى سى» هنا مثلاً على الصرامة والحسم فى تطبيق المعايير المهنية والإنسانية التى تلتزم بها، وهى معايير تنطلق من أدلة تحريرية تمثل ميراثاً تنظيرياً متكاملاً لضمان أن يتسق أداؤها مع ما تدعو إليه من قيم ومبادئ.

لم تكن هذه حادثة نادرة فى تاريخ «بى بى سى»، التى وقعت، كغيرها من وسائل الإعلام الكبرى، فى عديد الأخطاء على مر العقود التى خدمت خلالها الجمهور البريطانى والعالمى، عبر تقديم تغطيات تتحلى بقدر معتبر من المصداقية والجودة.

اعتذرت «بى بى سى» أخيراً عن وقوع أخطاء فى تغطياتها، مثلما حدث مع دولة الكويت، حين وجهت مذيعة تعمل بها سؤالاً إلى مسئول عراقى اُعتبر «إساءة» للكويت وسيادتها.

كما اعتذرت أيضاً للرئيس الأوكرانى السابق، حين نشرت معلومات تدينه باتهامات فساد، وثبت لاحقاً أن تلك المعلومات خاطئة، ما حمل الهيئة على دفع تعويض للرجل.

ولا ننسى فى هذا الصدد اعتذار الهيئة الشهير عن نشر الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة للرسول الكريم (ص)، عام 2006، بعدما تلقت انتقادات من شخصيات وجمعيات إسلامية.

يمثل هذا ميراثاً من الالتزام بالقيم والمعايير يحق لـ«بى بى سى» أن تفخر به، خصوصاً أنها لا تكابر، كما يظهر من هذه الوقائع، وتراجع نفسها، وتعتذر عندما تدرك أنها وقعت فى الخطأ.

لكن هذه الروح الإيجابية المسئولة التى تليق بمؤسسة إعلامية عريقة لم تظهر حيال عدد من الأخطاء المتكررة التى وقعت بحق الدولة المصرية منذ نهاية عام 2017.

فى أكتوبر 2017، نشرت «بى بى سى» حصيلة خاطئة لشهداء حادث الواحات الإرهابى، ولم تستطع أبداً أن تثبتها، واضطرت لاحقاً إلى نشر الحصيلة الحقيقية.

وعادت الهيئة فى فبراير 2018، لتبث تقريراً عن «الاختفاء القسرى» فى مصر، وتشير فيه إلى اختفاء مواطنة اسمها «زبيدة»، قبل أن تظهر تلك الأخيرة لاحقاً على إحدى الشاشات المصرية نافية الوقائع التى بثتها «بى بى سى».

وفى مارس 2019، نشرت «بى بى سى» تقريراً مسيئاً، يخالف كافة القواعد المهنية المرعية والأدلة التحريرية التى تعتمدها، تحت عنوان «اطمن انت مش لوحدك».

ورغم أن الهيئة العامة للاستعلامات تعاملت مع هذه الوقائع بمهنية رفيعة، وأثبتت كافة الأخطاء التى وقعت فيها «بى بى سى»، إلا أن تلك الأخيرة لم تقدم اعتذاراً، ولم توضح الأسباب التى دعتها إلى ارتكاب تلك الأخطاء بتلك الوتيرة وفى اتجاه واحد لا يخدم سوى معارضى السلطة المصرية.

بسبب توالى الأخطاء التى وقعت فيها «بى بى سى» بحق الدولة المصرية، فى فترة زمنية محدودة، راح بعض النقاد والمسئولين والإعلاميين وأفراد الجمهور يوجهون اتهامات خطيرة بحق هيئة الإذاعة البريطانية، وذهب بعضهم إلى اعتبارها «إخوانية» أو «صهيونية» أو «خاضعة للمال والإملاءات القطرية»، وذهب آخرون إلى ما هو أبعد عندما طالبوا بطرد صحفيى الهيئة من مصر، أو إغلاق مكتبها، أو رفع دعاوى قضائية ضدها وضد العاملين فيها.

لا يمكن تصديق مثل هذه الاتهامات بطبيعة الحال، فهيئة الإذاعة البريطانية كيان أكثر عراقة وأهمية وتعقيداً من اختطافه لصالح «الإخوان» أو القطريين، وهو وإن كان يعبر عن مصالح بريطانيا ويُمول من حكومتها، فقد استطاع على مر عقود أن يطور نسقاً من الاستقلالية والسوية المهنية يحميه ويقلل قابليته لتلقى الضغوط.

ومع ذلك، فإن ثمة عديد الأسباب التى تؤدى إلى وقوع الأخطاء الكبيرة حتى فى وسائل الإعلام النافذة والمرموقة؛ ومن تلك الأسباب نقص المعلومات، وإحجام المصادر، والقيم الثقافية والاجتماعية السائدة، والأيديولوجيا، وضغوط جماعات المصالح، وقلة خبرة الصحفيين وضعف مهاراتهم.

لقد أخطأت «بى بى سى» فى حق الدولة المصرية لأحد تلك الأسباب أو لغيرها، وهذا أمر ثابت ولا يمكن نفيه، لكنّ ثمة عدداً من الأسئلة التى لا تجد إجابات حتى الآن؛ ومنها:

- لماذا وقعت تلك الأخطاء؟ وبتلك الوتيرة؟ وفى ذات الاتجاه؟

- لماذا لم تحقق «بى بى سى» فى هذه الأخطاء؟ أو لم تنته من تحقيقاتها رغم مرور فترة زمنية كبيرة؟ أو لم تعلن تلك النتائج؟

- لماذا لم تعتذر «بى بى سى» للدولة المصرية؟

بسبب وجود هذه الأسئلة، وغياب إجاباتها، وبسبب توتر الأعصاب فى القاهرة فى ظل مواجهة ضغوط من وسائل إعلام مغرضة أخرى، تفاقم الإحساس بالغبن، وخرجت الاتهامات والمواقف الحادة، التى ارتقت فى بعض الأحيان إلى درجة شن حملات لشيطنة «بى بى سى» والعاملين فيها.

يمثل المحتوى المهنى الذى قدمته هيئة الاستعلامات المصرية مرتكزاً رئيسياً لحل هذا الإشكال، لكن «بى بى سى» لم تظهر التجاوب اللازم مع مطالبات «الاستعلامات» حتى الآن، رغم أن هذا التجاوب يمكن أن يجهض محاولات الشيطنة غير المسئولة التى تصدر عن جهات أخرى فى الدولة والإعلام المصرى والمجتمع.

الإعلام المصرى لا يمتلك الوجاهة المهنية والأخلاقية اللازمة لمقارعة «بى بى سى» فى هذا الصدد، خصوصاً أنه يحفل بالممارسات الحادة والبائسة، ولا يتمتع بالقدر المناسب من الحرية والمسئولية، لكنه على الأقل لا يقدم نفسه بوصفه أنموذجاً للإلهام، كما تفعل «بى بى سى».

«بى بى سى» ليست «إخوانية»، وليست «عميلة صهيونية»، وهى وسيلة إعلام محترمة ذات تاريخ عريق، وعليها أن تكرس هذا المعنى، عبر مراجعة أنماط أدائها فى تغطيتها للشأن المصرى، وتصويبها، وتوضيح سبب زلاتها المتكررة، وضمان عدم تكرارها، وتقديم الاعتذار الواجب.

وفى المقابل، لن تكسب مصر ولا قضيتها ولا مهنة الصحافة شيئاً من شيطنة هذه الهيئة العريقة أو شن حملات الكراهية ضدها.

عن الوطن المصرية

×
أخبار
انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط