كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

ما بين عصام السرطاوي واحمد يوسف عقلانية الفكرة ومنزلقات التطبيق

وأنا اتابع ردة الفعل القوية لبعض قيادات حركة حماس على القيادي الحمساوي الدكتور أحمد يوسف بسبب تصريحاته المتكررة والجريئة سواء عندما قال بوجود "دردشات" بين حماس وإسرائيل وقبل ذلك فتحه قنوات اتصال لحركة حماس مع اوروبيين وأمريكيين وإسرائيليين بالإضافة إلى كثير من مواقفه العقلانية والمعتدلة ، استحضرت في ذهني قضية الدكتور عصام السرطاوي ، وإن كنت أتمنى ألا يكون مصير الدكتور احمد يوسف مصير السرطاوي الذي اغتالته جماعة أبو نضال التي قيل لاحقا أنها كانت على صلة بالمخابرات الامريكية ومختَرَقة إسرائيليا ، إلا أن قواسم مشتركة كثيرة بين الشخصيتين ودورهما ، كل في حركته وتنظيمه ، فكل منهما تم تكليفه من قيادته بمهمة صعبة وغير محبَبَة عند الجمهور وتتعارض مع المنطلقات والمبادئ الأولى للحركة ، وبالتالي أسيء فهم الشخص والتصرف عند الجمهور . 

بدأت قصة دكتور عصام السرطاوي في بداية السبعينيات حيث تبنى المجلس الوطني الفلسطيني هدف/شعار فلسطين الديمقراطية التي يتعايش فيها اليهود والمسيحيين والمسلمين في دولة واحدة ، وهذا يتطلب كسر تابو الاتصال باليهود والإسرائيليين غير الصهاينة، وهدف كهذا يحتاج إلى اختراق المجتمع الإسرائيلي للبحث عن مريدين لهذا الهدف من اليهود ، واختراق الفكر الاوروبي والأمريكي لتوصيل الفكرة إليهم ودفعهم لتبنيها ، وكان الاعتقاد آنذاك أن هذا الهدف والتواصل مع اليهود سيجعل الغرب واليهود المعتدلين أكثر تفهما وقبولا لمنظمة التحرير ونهجها السياسي .

ولكن ، ولأن الزمن كان زمن الشعارات الثورية الكبيرة وزمن المطلقات المقدسة فلسطينيا وعربيا وإسلاميا – تحرير فلسطين من البحر إلى النهر ، والكفاح المسلح الطريق الوحيد لتحرير فلسطين ، واليهود والغرب أعداء للشعب الفلسطيني والعربي لا يجوز التواصل أو التعامل معهم – لذا كان من المحرم على القيادة الفلسطينية أن تقوم بنفسها بالتواصل مع هؤلاء الأعداء حتى لا تسيء إلى طهريتها وصورتها عند الجماهير التي تم تعبئتها على غير هذا الهدف.

ومن هنا سعت المنظمة للبحث عن شخصيات وطنية جريئة تستطيع من خلالها تمرير هذه الرؤية وكسر الحصار عن منظمة التحرير وتحريرها من شعاراتها والتزاماتها الأولى بعد انكشاف محدودية العمل العسكري الفلسطيني لوحده على تحرير فلسطين ،ومحدودية القدرة العربية على مساعدة الفلسطينيين وهو ما تكشف بعد أحداث أيلول في الاردن وبعدها حرب أكتوبر 1973 ، وكذلك لقطع الطريق على المملكة الأردنية التي كانت متمنعة في التنازل عن تمثيل الشعب الفلسطيني .

كان الدكتور عصام السرطاوي أحد من وقع عليهم الاختيار ليقوم بهذه "المهمة القذرة " كما وصفها السرطاوي نفسه في اجتماع للقيادة ردا على مَن كانوا يتهمونه بالخيانة وتخلوا عنه عندما انكشفت الاتصالات ، ففي ذلك الزمان والوقت كان الاتصال باليهود والغربيين وخصوصا الأمريكيين نوعا من الانتحار والخيانة الوطنية حسب المفاهيم والقيم السياسية الشعبية . وبالفعل بدأ السرطاوي عمل  اتصالاته وهو في موقع المسؤولية في حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية ،التي كانت سرية ثم اصبحت علنية منذ عام 1976 .

كان الدكتور عصام السرطاوي إبن قرية سرطة في الضفة الغربية طبيبا يعيش في الولايات المتحدة الامريكية وله علاقات وصداقات واسعة مع مثقفين امريكيين وأوروبيين ويهود ، ونتيجة علاقاته الواسعة ومعرفته للعقلية الغربية وكيفية التعامل معها بالإضافة إلى تشكيله وترأسه لجماعة فلسطينية فقد لفت في بداية السبعينيات انتباه قيادة منظمة التحرير وخصوصا محمود عباس الذي كان غير راض عن مخرجات العمل العسكري وقدرته على إنجاز الهدف الوطني ، وكان مهتما بكيفية التواصل مع العالم الغربي واختراق المجتمع الإسرائيلي وخصوصا بعد رؤية الحصاد الهزيل لحرب اكتوبر 1973 . ومن خلال أبو مازن قام الراحل ياسر عرفات بتعيين السرطاوي مستشاراً للشؤون الخارجية لرئيس منظمة التحرير الفلسطينية بالإضافة إلى عضويته في المجلس الوطني الفلسطيني وفي المجلس الثوري لحركة فتح .

قبول السرطاوي بهذه المهمة ومباشرته الاتصال مع إسرائيليين وغربيين بتكليف رسمي غير معلن من القيادة الفلسطينية ،أثار غضب فلسطينيين وغير فلسطينيين باعتبار ما يقوم به السرطاوي خيانة وطنية ، وكان من ضمن هؤلاء الغاضبين صبري البنا " أبو نضال " الذي كلف عناصره باغتيال السرطاوي ، وهذا ما جرى حيث تم اغتياله في فندق البوفيرا في لشبونه /البرتغال يوم العاشر من ابريل 1983 أثناء مشاركته في دوره للاشتراكية الأممية ممثلا لمنظمة التحرير.

وكان التاريخ يُعيد نفسه وسبق أن كتبنا وقلنا إن حركة حماس تعيد انتاج تجربة منظمة التحرير وحركة فتح. يبدو أنه وقع الاختيار على الدكتور احمد يوسف ليلعب نفس الدور الذي لعبه الدكتور السرطاوي ، في ظروف تمر بها حماس تشبه الظروف التي مرت بها حركة فتح ومنظمة التحرير في السبعينيات ،مع اختلاف الصفة التمثيلية وأهداف كل من منظمة التحرير وحركة حماس . جزء من إعادة التاريخ والتجربة هو ما يجري مع الدكتور احمد يوسف بخصوص اتصالاته ومواقفه خارج صندوق أقانيم حركة حماس .

الدكتور احمد يوسف حاصل على درجة الدكتوراه وعاش لسنوات في الولايات المتحدة ، وخلال معيشته في الولايات المتحدة وسفرياته لكثير من دول العالم وإطلاعه على كثير من تجارب الشعوب أصبح يتميز بعقلية واقعية وعقلانية مكنته من نسج علاقات كثيرة مع شخصيات امريكية وغربية ويهودية  أراد أن يوظفها لصالح جماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي إليها أولا قبل انتمائه لحركة حماس .

اما حركة حماس ، وبعد فوزها بالانتخابات التشريعية في يناير 2006 ، وتفسيرها الانتخابات بأنها تفويض لها بقيادة الشعب الفلسطيني ، تحدث السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي للحركة في ديسمبر 2006  لصحيفة "كوريرا دي لا سيرا " الايطالية قائلا إن حماس هي "العنوان الوحيد للحل" ! ، ولاحقا ، وبعد اكتشاف محدودية المقاومة المسلحة والتي تبدت من خلال ثلاثة حروب مدمرة على قطاع غزة ، كل ذلك عزز دافعية حركة حماس لتحاول التعامل مع العالم الخارجي على أساس أنها ممثلة الشعب الفلسطيني ولتكسر احتكار منظمة التحرير لتمثيل الشعب ،ولتكسر الحصار المفروض عليها وعلى قطاع غزة.

 ولكن وبما أن كثيرا من دول العالم الخارجي تعتبر حركة حماس منظمة إرهابية وينتابها الشك حول أهدافها ، ولأن قيادة حركة حماس المُقَيدة نظريا بميثاق الحركة وشعاراتها ومطلقاتها المعلنة - الجهاد حتى تحرير كامل فلسطين وعدم الاعتراف بإسرائيل ،وفلسطين وقف إسلامي الخ –  لا تستطيع أن تكسر المحرمات مرة واحدة لأن جمهور حماس معبئ بالمطلقات والمنطلقات ألأولى ، فقد اوعزت القيادة العليا للإخوان ولحركة حماس لبعض القيادات العقلانية والمتفتحة بأن تتواصل مع الغرب وعلى رأسه واشنطن ومع الإسرائيليين . كان هدف وطموح حماس من هذه الاتصالات في المرحلة الأولى التي تلت الانتخابات التشريعية مباشرة هو استقطاب الأطراف الخارجية للتعامل مع حماس كممثلة للشعب الفلسطيني ، وكانت الاتصالات آنذاك سرية ومحدود وحذرة ، وفي مرحلة ثانية أصبح هدف هذه الاتصالات أكثر جرأة وعلنية إلا أن اهدافها باتت تنحصر بكسر الحصار عن غزة والمطالبة بالتعامل مع الحركة مباشرة في كل ما يخص فك الحصار عن القطاع وإعادة الإعمار وربما فتح ميناء مقابل هدنة طويلة.

كان الدكتور احمد يوسف من اولئك الاشخاص من داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة الذين قبلوا القيام بهذه المهمة ، دون أن تعرف كثيرا من قيادات حماس وخصوصا من الصف الثاني وكذا عناصر حماس العاديين حقيقة أن الدكتور احمد يوسف لا يتصرف من تلقاء نفسه بل يقوم بمهمة بتكليف رسمي من الحركة حتى وإن مؤمنا بصحة ما يقوم به . وهناك دول كقطر وتركيا ، وشخصيات حمساوية وإخوانية عربية وغير عربية من خارج الاراضي المحتلة يقومون بهذا الدور .

 نقطة الافتراق بين التجربتين ،أن سعي حركة حماس للتفاوض مع الإسرائيليين سيكون أمرا خطيرا ، ليس فقط لأن حركة حماس أضفت طابعا دينيا مقدسا على مواقفها الرافضة للاعتراف بإسرائيل أو التفاوض معها ، ولا لأنه تحت هذه الشعارات سقط الآلاف من الشهداء والجرحى والمعاقين والأسرى ، بل لأن حركة حماس قد تضطر للتفاوض على قطاع غزة فقط دون الضفة والقدس وحق عودة اللاجئين ، ولأن هكذا مفاوضات ستكسر مبدأ وحدانية التمثيل الفلسطيني وستعمق الانقسام وستخدم إسرائيل كثيرا ،حيث لن تمانع إسرائيل بل سترحب بخوض مفاوضات مع طرفين فلسطينيين متصارعين على السلطة ولكل منهما أهداف مختلفة عن الآخر ، وستعمل إسرائيل على ابتزاز الطرفين ودفع كل واحد لتقديم مزيد من التنازلات لها مقابل اعتراف إسرائيل به كممثل للشعب الفلسطيني أو منحه مزيدا من الصلاحيات ، كل في نطاق السلطة الوهمية التي بيده سواء في قطاع غزة او في الضفة الفلسطينية .

والخلاصة أن فكرة التواصل والانفتاح على العالم الخارجي وعلى إسرائيل بل والتفاوض معهما ليست فكرة خاطئة من حيث المبدأ ،ولكن المنزلقات والتخوفات تكمن في الهدف من هذه المفاوضات والاتصالات وفي آلية التطبيق وفي الفريق المفاوض وفي غياب استراتيجية وطنية محل توافق وطني حول المفاوضات. وحيث ثبت أن المفاوضات التي خاضتها منظمة التحرير الفلسطينية مع الإسرائيليين بدلا من أن تؤدي لاختراق الجبهة الداخلية عندهم أدت لأن تخترقنا إسرائيل بالاستيطان والتهويد وبالانقسام وبإفساد نخبة المجتمع وتفقير الشعب ، فلا نعتقد أن مفاوضات حماس ستكون افضل حالا .

×
أخبار
مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط