كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

ما زال في الإمكان إنقاذ المصالحة ويجب إنجاحها

وقائع التاريخ ونظريات علم الاجتماع السياسي تؤكد بأن الحرب ووجود خطر خارجي يتطلب دوما تجميد الخلافات السياسية والمذهبية الداخلية وتوحيد الشعب لمواجهة العدو المشترك، كما يتطلب التعالي عن الجدل الفكري والنظري إلى الممارسة الوحدوية الفاعلة على الأرض. على عكس هذا القانون الطبيعي والعلمي تتصرف الأحزاب الفلسطينية . الاحتلال والعدوان المتكرر والاستيطان والحصار ، وهي ممارسات لا تستهدف منطقة فلسطينية دون غيرها، ولا حزبا دون غيره، بل الكل الفلسطيني:أرضا وشعبا . في هذا السياق يأتي العدوان الإسرائيلي الأخير عَقِب عملية الخليل والموقف الفلسطيني منها. فبدلا من أن تسير الأمور نحو مزيد من الوحدة الوطنية لمواجهة هذا الخطر المشترك، يستمر الانقسام وتتعثر جهود المصالحة.

ليس مصادفة أن تجري عملية الخليل- خطف أو اختفاء 3 مستوطنين- وردة الفعل الإسرائيلية المبرمجة مسبقا، متزامنة مع جهود المصالحة وتشكيل حكومة توافق وطني، ومتزامنة مع مأزق إسرائيل الدولي . فلم يمر شهر على تشكيل حكومة التكنوقراط التي يُفترض أنها حكومة توافق وطني،على الأقل بين فتح وحماس ، أو حكومة مصالحة وطنية وإنهاء الانقسام ،كما قال الرئيس أبو مازن وقبله خالد مشعل ، حتى عاد الخطاب الإعلامي للطرفين ، لمرحلة ما قبل المصالحة ، مشحونا ومدججا بمفردات التشكيك والاتهامات المتبادلة،وعاد الجدل الفكري والنظري حول مفاهيم الانتفاضة والمقاومة والتنسيق الأمني، وهي أمور يُفترض أن سنوات من حوارات المصالحة قد توصلت لتفاهمات أولية حولها ، والتقدم بالمصالحة كفيل بتفكيك استعصاءاتها.

في حقيقة الأمر لا نرى مبررا مقنعا يعبر عن أهداف وطنية لهذا الانزلاق أو الهروب من المصالحة ، والارتداد نحو مواقف حزبية ضيقة، والعودة لفتح ملفات التنسيق الأمني والانتفاضة والمقاومة . اتفاق المصالحة في القاهرة كان يتضمن لو تم تنفيذه بحسن نية حلا ،أو مقترحات حلول، لقضايا التنسيق الأمني والانتفاضة والمقاومة . كان يفترض أن يؤدي ما تقوم به إسرائيل بعد عملية الخليل إلى مزيد من الإصرار على المصالحة ، وليس النكوص عنها . وعليه ، فإن كل من يحاول التهرب من المصالحة إنما يساعد إسرائيل في جهودها لإفشال المصالحة وتنفيذ مخططاتها التي لا تستثني أحدا.

لم يُستجد شيئا على موقف السلطة، حتى تصريحات الرئيس أبو مازن حول التنسيق الأمني والانتفاضة ليست جديدة ، وحماس وبقية الفصائل يعلمونها جيدا ، كما أن عملية الخطف ليست بالأمر الجديد أو غير المتوقع ، فقد صرحت وطالبت حركة حماس وفصائل أخرى وجموع الشعب المعتصمين في خيم التضامن مع الأسرى ، قبل تشكيل حكومة التكنوقراط وبعدها، بضرورة خطف جنود للرد على الصلف الإسرائيلي ورفض إسرائيل المطلب الوطني العام بإطلاق سراح الأسرى ، ووقف الاعتقال الإداري . أيضا عدوان هذه المرة ليس بالجديد ، حيث هو نسخة معدلة من عملية السور الواقي أواخر مارس 2002 بعد تفجير فندق بارك الذي قام به مقاتل من حماس، ونسخة معدلة من الحرب المعممة على الفلسطينيين بعد خطف ثلاثة فصائل فلسطينية بينها حركة حماس للجندي الإسرائيلي شاليط في يونيو 2006 ؟ .

إذا كان كل ما سبق ليس بالشيء الجديد أو المفاجئ ، وإذا كان هدف المصالحة أساسا مواجهة كل هذه التحديات ، فلماذا تلجأ بعض الفصائل لمحاججة (المصادرة على المطلوب) وتفجر خلافات عبثية ؟ لماذا هذه العودة غير الحميدة لمربع الانقسام ؟ ولماذا انهارت آمال المصالحة ، أو هكذا يبدو ؟.

عملية الخليل كشفت مستور تفاهمات مخيم الشاطئ

إن كانت بوادر تعثر تفاهمات مخيم الشاطئ بدأت مع مشكلة رواتب موظفي حكومة حماس المنتهية ،إلا أن عملية الخليل وتعارض المواقف بشأنها، كشف مستور (الفهلوة السياسية) التي تصرف بها أقطاب لقاء مخيم الشاطئ مع قضية مصيرية للشعب . الحرب المعممة التي تشنها إسرائيل على الكل الفلسطيني بدلا من أن تؤدي لمزيد من الإصرار على المصالحة وبحث سبل العمل الوطني المشترك لمواجهة العدوان ، أدت إلى إشهار الفصائل سيوفها بوجه بعضها البعض ، وحَمَّلت المسؤولية لبعضنا البعض ، ولم يقتصر أمر التشهير والاشتباك الاتهامي على حركتي فتح وحماس، بل شاركت في عملية التراشق الإعلامي وتبادل الاتهامات أطراف أعلنت أنها خارج اتفاق المصالحة ، كحركة الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية !. بات المواطن لا يشعر بأن هناك مصالحة وطنية.

سبق وأن حذرنا من فشل مصالحة مخيم الشاطئ، لأن فشل المصالحة هذه المرة يعني تكريس الانقسام نهائيا ، أو بقاء الحال إلى حين حدوث متغيرات وتدخلات خارجية تحدد مصير الشعب الفلسطيني.حيث كتبنا في مقال سابق (إن تشكيل حكومة التكنوقراط لا يعني نهاية الانقسام )، وحذرنا من خطورة التركيز على الحكومة وتجاهل بقية ملفات المصالحة، كالملف الأمني وتوحيد المؤسسات والبرنامج السياسي الخ . جاءت عملية الخليل وردة الفعل الإسرائيلية لتكشف هشاشة مصالحة مخيم الشاطئ ، وهي هشاشة تعود لسوء نية بعض موقعي الاتفاق من جانب ، وللجهل السياسي وغياب الرؤية الإستراتيجية الشمولية لدى البعض من جانب آخر.

للأسف غاب حُسن النية عند غالبية المجتمعين في مخيم الشاطئ ، حيث حماس كانت تريد من المصالحة التخلص من الأزمة المالية للحكومة ، وامتصاص غضب مصر ،مع احتفاظها بالسيطرة الأمنية في قطاع غزة تحت عنوان أنها حركة مقاومة وسلاحها سلاح مقاومة !، وحركة فتح كانت تريد تأكيد وحدانية التمثيل السياسي للفلسطينيين على كافة المستويات بما فيها المستوى الحكومي، وهو إنجاز يجعل حركة فتح ومنظمة التحرير أكثر قدرة على مواجهة إسرائيل في حالة العودة إلى طاولة المفاوضات ، ويقوي الموقف الفلسطيني في المحافل الدولية وفي معركة الاعتراف بالدولة الفلسطينية.

كان من الممكن لكل طرف تحقيق الحد الأقصى من أهدافه لو توفر عنصر حسن النية ،والإحساس بالمسؤولية الوطنية التي تعلو على كل حسابات حزبية ، والنفس الطويل المصحوب بالإصرار على نجاح المصالحة ، بدلا من أن يصيبهم الهلع من ردة الفعل الإسرائيلية على عملية الخطف ، وخوف كل طرف من فقدان ما بيده من سلطة .

فشلت حماس ولم تنتصر فتح

ولكن . لم تؤسس تفاهمات مخيم الشاطئ على مراجعات إستراتيجية للطرفين تؤدي لاستراتيجيه وطنية توافقية،وكان العامل الخارجي أكثر تأثيرا على التوجه نحو المصالحة . حركة حماس سجلت فشلا على كافة المستويات ، لكن حركة فتح بالمقابل لم تنتصر في خياراتها ومراهناتها على المفاوضات كما لم تُقم نموذجا مثاليا للحكم في الضفة الغربية . أو فلنقل نجح الجيش والشعب في مصر في هزيمة الإخوان المسلمين ،وفشلت وانهزمت حماس بالتبعية عندما قبلت أن تكون ملحَقَا وتابعا لجماعة الإخوان وقطر ، ولكن انتصار الجيش في مصر لا يعني انتصارا لحركة فتح ونهجها. أرادت حركة فتح ومنظمة التحرير الاستفادة من (انتصار) غيرهما دون عمل مراجعة لنهجهما وبنيتهما الداخلية ، وعلاقاتهما الخارجية خصوصا مع إسرائيل . كما أن الطرفين – فتح وحماس- قفزا على حقيقة يعرفانها جيدا وهي أن توحيد غزة والضفة في إطار سلطة وحكومة واحدة لن يتم إلا في إحدى الحالتين :في ظل موازين قوى مختلفة – حرب أو انتفاضة أو تدخل دولي - تفرض على إسرائيل القبول بهذه الوحدة ، أو في ظل تسوية سياسية توافق عليها مختلف الأطراف بما فيها حركة حماس.

ومع ذلك ، ما زال بالإمكان إنقاذ المصالحة، ومواجهة كل التحديات والمخاطر التي تهددها بما فيها تداعيات عملية الخليل. حتى نقطع الطريق على إسرائيل لتحقيق أهدافها بإفشال المصالحة ، يجب الإصرار على المصالحة وسرعة حل مشكلة الرواتب والموظفين وفتح معبر رفح ،والاستعداد لإجراء الانتخابات في موعدها . كلما قطعنا خطوة في مسار المصالحة سنصبح أكثر قوة وقدرة على مواجهة التحدي الأكبر وهو توحيد الضفة وغزة في إطار سلطة وحكومة واحدة ،كجزء من المصالحة الإستراتيجية التي تُمكِن الفلسطينيين من الاستعداد للتحدي الأكبر وهو تحرير الأرض وقيام الدولة المستقلة .

[email protected]

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط