كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

ما قاله درويش عن مارادونا .."لن يجدوا دما في عروقه بل وقود الصواريخ"

ما قاله درويش عن مارادونا .."لن يجدوا دما في عروقه بل وقود الصواريخ"

تاريخ النشر: 2020-11-26 | 07:14

رام الله: إحدى أكثر اللحظات حزنا في تاريخ كرة القدم، أطلت علينا يوم الأربعاء، بعد الرحيل المفاجئ ل أسطورة كرة القدم الأرجنتيني "دييجو أرماندو مارادونا " عن عمر ناهز 60 عاما.

شغل " مارادونا " القلوب في مشارق الأرض ومغاربها، ونجح بعد أن حصد كأسي عالم للأرجنتين، أن يضع اسمه كأبرز الأسماء في تاريخ اللعبة عبر العصور إلى جوار الكبير بيليه وزيكو وغيرهم.

وممن خطف " مارادونا " قلوبهم، كان الشاعر الفلسطيني الراحل " محمود درويش "، تزامنا مع رحيل مارادونا "، تفاصيل ما كتبه عنه منذ عقود.

كتب "درويش" نصه عن " مارادونا " تحت عنوان "لن يجدوا دماً في عروقه بل وقود الصواريخ "، وجاء النص كالتالي:

1- ماذا فعلت بالساعة، ماذا صنعت بالمواعيد؟

ماذا نفعل بعدما عاد مارادونا إلى أهله في الأرجنتين؟

مع منْ سنسهر، بعدما اعتدنا أن نعلّق طمأنينة القلب، وخوفه، على قدميه المعجزتين؟ وإلى منْ نأنس ونتحمّس بعدما أدمناه شهراً تحوّلنا خلاله من مشاهدين إلى عشّاق؟

ولمن سنرفع صراخ الحماسة والمتعة ودبابيس الدم، بعدما وجدنا فيه بطلنا المنشود، وأجج فينا عطش الحاجة إلى: بطل.. بطل نصفق له، ندعو له بالنصر، نعلّق له تميمة، ونخاف عليه ـ وعلى أملنا فيه ـ من الانكسار؟

الفرد، الفرد ليس بدعة في التاريخ.

يا مارادونا ، يا مارادونا ، ماذا فعلت بالساعة؟ ماذا صنعت بالمواعيد؟

2- سنتذكر لنسهر أكثر

فراغ الأمسيات يتقدّم منّا كطبل من حديد، فنحن لا ننتظر أحداً. سنجر الخطى الثقيلة في اتجاه بيروقراطية النفس والوقت، وسنضطر إلى قبول مواعيد أخرى، نستعيد فيها الثرثرة اليومية حول المناخ، والعنصرية، والحروب الأهلية.

وسنتذكّر، لنسهر أكثر، عصرا ذهبياً عاصرناه:

العصر الذي حل فيه مارادونا ضيفا على لهفتنا، فأقلعنا عن كل شيء لنتفرغ لما مسّنا من طقس: محبة مارادونا ، وتسييج قدميه بفضاء الرحمة، والقفز على الشاشة لفك الحصار الألماني الثقيل، الذي يسد الهواء على توتر عضلاته، وهجاء الحكم البرازيلي، الذي كسر قلب مارادونا ، كما يكسر الرجل الغليظ القلب قلب طفل بريء.. لا لشيء إلا لأنه يغار من عبقرية الطفولة.

3- يفلت كالصوت

له وجه طفل، وجه ملاك،

له جسد الكرة،

له قلب أسد،

له قدما غزال عملاق،

وله هتافنا: مارادونا .. مارادونا ، فنتصبب اسمه عرقاً. ويقتلع الكرة كالقطة البلدية الماهرة، من أرجل البغل. يراوغ كالثعلب المزوّد بقوة ثور، ويقفز كالفهد على حارس المرمى الضخم المتحوّل إلى أرنب: جووول!

مارادونا يرسم علامة الصليب، يبوس الأرض. يقف. يُحاصرْ. يفلت كالصوت. يقطف الكرة. يحاصرْ. يمرر الكرة جاهزة على شكل هدية إلى قدم زميل ساعده في فتح قلعة الدفاع، فيصوّبها الزميل الماهر في اتجاه المدى والجمهور. مارادونا يصفق من الوجع.

إن هو لم يسدد ستموت الأرجنتين من البكاء. وإن هو لم يصوّب سترفع الأرجنتين نصبا لعارها في الفوكلاند. سيتوقف الشعور القومي عن الرقص، وستربح إنكلترا المغرورة الحرب مرتين.

ولكن مارادونا يتقدم بالكرة من حيث تراجعت السلطة. مارادونا يعيد الجزيرة إلى الأرجنتين. وينبّه الإمبراطورية البريطانية إلى أنها تحيا في أفراح الماضي.. الماضي البعيد.

4- ما هذا السحر الجماعي؟

ما هي كرة القدم هذه؟ ما هذا السحر الجماعي الذي لم يحل لغزه الشائع أحد؟

مارادونا لا يسأل غريزته. سقراط البرازيلي هو المفكّر المشغول بتأملات ميتافيزيقية حول الضربة الركنية. وزيكو يلاحق كابوس ضربة الجزاء، التي طارت من الملعب فطارت البرازيل من الحلم. وبلاتيني يُحسّن شروط التقاعد. وبيليه الخبيث يُجاهد لإخفاء الشماتة التي تصيب الملوك المخلوعين. ولكن مارادونا يعرف شيئا واحداً هو أن كرة القدم حياته وأهله وحلمه ووطنه و.. كونه.

منذ طفولته الفقيرة في كوخ من تنك، تعلّم المشي على الكرة. كان يلف كرة الخيطان حول علب الصفيح ويلعب. ولعل الكرة هي التي علمته المشي.

مشى من أجلها. مشى ليتبعها. مشى ليلعب بها. ومشى ليسيطر عليها.

لقد تمحورت طفولته حول كرة الخيطان إلى أن ضحى أبوه براتبه الشهري ليشتري له كرة قدم حقيقية. وانطلق.. ليكون أصغر لاعب في منتخب الأرجنتين. وهكذا، ارتفع مارادونا ـ الولد المعجزة ـ من أشد البيوت فقرا إلى أوسع الآفاق، إمبراطوراً على كرة القدم.

لم يكترث في صباه بشاشة السينما والتلفزيون. ولكنه احتل الشاشة ـ ليشاهده أكثر من ملياري إنسان، كما ترنو العيون إلى نجم في السماء ـ بقدميه. لقد رفعته الكرة، وارتفع بها، إلى أعلى أعالي الكلام.

5- عذاب حارس المرمى وضربة الجزاء

مارادونا هو النجم الذي لا تزاحمه النجوم. دانت له بقدر ما دان، هو، لكرة القدم، التي صارت كرة قدمه. النجوم تبتعد عن منطقة جاذبيته لتفتتن بما تراه، لتراه من الجهات كلها، لتبهر في معجزة التكوين، لتصلي للخالق والمخلوق، لتحتفي بحرمانها المتحقق في غيرها، لتنشد نشيد المدائح لمن جعلها تُهزم بهذا الامتنان: فما أسعد من هزمته قدم مارادونا !

هذه القدم، قدم مارادونا ، مع كعب ميثولوجي آخر هو كعب أخيل.. هما أشهر قدمين في تاريخ الأسطورة.

فلماذا نخبئ التساؤل المكبوت، الذي يوقده فينا هذا الجنون الجميل، الجنون الذي تنشره كرة القدم، كالعدوى، في ملايين البشر: لماذا لا تكون كرة القدم موضوعا للفن والأدب؟ أكرر: لماذا لا تكون كرة القدم موضوعا للفن والأدب؟

ولماذا لا يتعامل الأدب مع هذا البارود العاطفي، الذي يشعل الملايين في علاقتها بالمشهد الذي يحولها هي إلى مشهد درامي؟ ثم: أهناك عذاب أشد، ووحشة أقسى من عذاب حارس المرمى، ووحشته الكونية، أمام ضربة جزاء؟

و: أهناك ضغط نفسي أثقل من ضغط الوقوف الدقيق على وتر النجاح أو الفشل، والتحكّم بمصير الأمة المعنوي، حين يقف الهدّاف الماهر لتسديد ضربة الجزاء؟

أليست هذه اللحظات أشد قسوة ورهافة وتفجيرا للعاطفة الفردية والجماعية من اللحظات، التي يواجهها "مقامر" دستوفسكي، مثلا؟

6- حرب التأويلات

ما هي كرة القدم هذه؟

هي شيء من صراع التأويلات، ومسرح واقعي لتعديل موازين القوى، أو المحافظة عليها، لخلق مستوى آخر للواقع، أو تثبيته. هي شيء من لعبة إعادة تركيب العالم على أسس مختلفة، وعلى جدارة مختلفة.

حرب عالمية يمارس فيها خيال الشعوب دوره الغائب أو الحاضر. لا أحد يتفرج على سباق الأجساد، والمهارة، والذكاء، المعبّرة عن طبائع الأمم في الهجوم والدفاع، في العنف والرقص، في الفردية والجماعية. الجميع ينخرطون.

ولعل المشاهدين هم أشد اللاعبين اندفاعا لأنهم يدفعون بتاريخهم النفسي وتأويلاتهم ورغباتهم في التعويض إلى الملعب، لرفع اللعبة إلى مستوى التعبير التمثيلي المتخيّل عن روح الأمة وحاجتها إلى التفوّق على الآخر. هي الوطنية المتفجرة. شرارة الإفصاح عن الباطن في علاقته بالآخر. وهي حرية الإفصاح المتاحة عن الذات المحرومة من الإفصاح في سياق السياسة أو الجنس أو اللون.

هي انفجار حرية تعبير عن حرية غائبة، أو عن سيادة تسعى لأن تواصل سيادتها. هي شيء من الصراع الاجتماعي أحيانا، وعن وحدة القوى الاجتماعية الداخلية في صراعها القومي مع الخارج أحيانا أخرى.

هي المُتاح للتعبير والتنفيس والتظاهر ضد قمع يتحوّل الحَكم، أو المدرب فيه، إلى رمز لحاكم ظالم، أو لقضاء غير عادل حين تتخذ محاكمة الهزيمة شكل محاكمة السلطة، أو حين يتخذ الانتصار شكل التدليل على أن روح الشعب ووحدته هما اللتان انتصرتا، وأنهما لا يتحملان المسئولية عن هزيمة عسكرية ليست حتمية.

وأحيانا تتخذ اللعبة معنى الانتقام الجماعي أو التعويض الجماعي عن عدم التكافؤ في موازين القوى بين دول كبرى ودول صغرى. وباختصار، فإنها تمثل ما تبقى من إجماع حول فكرة، أو حماسة، أو قوّة، أو هدف.

إنها حرب التأويلات ومن مظاهرها الوحدة الأوروبية المفاجئة حول ألمانيا في المباراة النهائية التي اتخذت شكل الصراع الأوروبي ـ الأميركي اللاتيني، بينما لم يعبر "العالم الثالث" عن وحدته.

وقد يحمل هذه الدلالة انحياز الحكم البرازيلي السمسار المستلب، الذي بذل جهودا طائلة للحصول على "البراءة" الأوروبية من تهمة محتملة لأن مقياس النـزاهة هو مقياس أوروبي! فغضّ الطرف عن المخالفات الألمانية الفظة، وعاقب مارادونا بقسوة زائدة، فذكرنا بأن العالم الثالث لا يتوّحد حول ذاته، بل يوحد استلابه أمام السيد. إنه يرنو إلى نموذجه الآخر، يتملق "غربه" ولا يحب لطرف من أطرافه أن يساويه بغير الهزيمة.

7- الملك الأحمق لا يوقف موج البحر

لكن مارادونا ، كما استقر فينا، خفف من انسياق هذه التأويلات إلى ما هو أبعد. لقد رفع كرة القدم إلى مستوى التجريد الموسيقي الشفاف، رفعها إلى الطهارة المطلقة.

لم يحرّك فينا العاطفة القومية، فهو ليس منّا. ولم يحرك فينا وحدة التضامن مع العالم الثالث ممثلا في الأرجنتين، التي لا تريد هذا الانتماء، وتستمرئ تبعيتها المثقلة بالديون والعنصرية الرسمية، ولكنه حرّك فينا حاسة الدفاع عن النفس أمام هجوم الإشارات العنصرية الغربية، ومنها تعليقات التلفزيون الفرنسي.

لعب مارادونا من أجل اللعب. وحوّل كرة القدم إلى أغنية راقصة. مزيج من السامبا البرازيلية والتانجو الأرجنتيني.

لا يمكن إيقافه ـ كما لا يمكن للملك الأحمق أن يوقف موج البحر. هكذا يقول الخبراء الرياضيون الذين وجدوا في المرجعية الشعرية اللغة الوحيدة القادرة على وصف هذا الشيطان الملائكي، صانع الفرص، نشّال ماهر، موجود في كل مكان، حوّل الملاعب المكسيكية إلى مرتعه الخاص.

المونديال هو مارادونا . قوي كالثور. سريع كالقذيفة.

يدخل الملعب كأنه داخل إلى كنيسة. يغربل الدفاع ويهدّف. نجم هذا العصر. لن يجد الأطباء دما في عروقه ـ سيجدون وقود الصواريخ . يمر كالهواء عبر المساحات الضيقة. ملك الكرّة المتوّج الذي قال:

"سجلت الهدف الأوّل في مرمي الإنجـليز بيد الله ورأس مارادونا ".

8- مارادونا ، يا بطل

مارادونا ، يا بطلي إلى أين نذهب هذا المساء؟

مارادونا ، ساعد أبويك، ساعدنا على تحمل هذه الحياة، وساعد هذا العصر على الخروج من السأم والدخول في الحنين إلى البطولة الفردية.

مارادونا ، متى تحمل اسمك عن شفاهنا لنعود إلى قراءة هيغل ونيتشه؟

مارادونا ، مارادونا ، مارادونا !!ر

يذكر أن الشاعر محمود درويش كتب هذا النص، عقب عودة الأرجنتين إلى عرش كرة القدم عام 1986م، والذي كانت قد فقدته في مونديال 1982م، فشلت الأرجنتين في الحفاظ على لقبها، بعد تتويج إيطاليا، ثم عادت ونجحت في التتويج بالمونديال مجددا في البطولة التالية بالمكسيك عام 1986 بقيادة مارادونا .

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط