كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

متى يستعيد الفلسطينيون وحدتهم الكفاحية؟

متى يستعيد الفلسطينيون وحدتهم الكفاحية؟

تاريخ النشر: 2017-05-16 | 20:14

يعاني الوضع الوطني الفلسطيني، على الرغم من همومه المتعاظمة، والنابعة من معطياته الذاتية في معظمها، تباعدا وشقاقا وانقسامات مضافة غير مسبوقة، فقدت معها الحركة الوطنية الفلسطينية زمام المبادرة والفعل القيادي الخلاق، على الرغم من التضحيات الجسام التي تقدمها جماهير الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجدها، في ظل معاناتها المضاعفة، وفقدانها الاتجاه وغياب التوجهات والتوجيهات الراشدة من قبل قيادة حكيمة شرذمت ذاتها على مذبح مصالحها الأنانية والزبائنية الخاصة، وشتتت معها كامل الجهد الوطني، واقتسمته فئويا وفصائليا، حتى باتت الوحدة الوطنية حلم ماض كان جميلا في زمن كان يرنو للمستقبل، وها نحن نقع في الخطايا لألف سبب وسبب، من دون أن نفصح عما نريد وما يريد الناس بعد ما يقرب من سبعبن عاما على نكبة اللجوء والتشريد والتشتيت داخل الوطن وخارجه؛ بينما العدو يرقص طربا وفرحا على ما وصلت إليه الحالة الفلسطينية المزرية اليوم، وهي تشهد لقيام دويلات الأمن والقمع وما يشتم منها من روائح كريهة عن تضاد وتعاد بين العائلات والبلدات والقرى والمحافظات كما في الضفة، ومثيلها في قطاع غزة مع بعض الفوارق السلبية في كل الأحوال، وما تشهده المخيمات الفلسطينية في لبنان من حروب الزواريب وحالات التزلّم والاستزلام، والتزعّم الاسلاموي لحالة هستيرية سلطوية، تريد أن ترث واقع الحال الفلسطيني وتجيّره لمن يمول ويسلح ويدعم من قوى وأجهزة مخابرات قوى إقليمية وربما دولية، باتت ترى فرصتها سانحة في غياب قيادة مركزية مسؤولة مسؤولية موحدة عن الشعب الفلسطيني.

وحين يكف الكفاح الوطني عن مواصلة اشتغاله وفق معاييره ومقاييسه الخاصة، والمعروفة والمتعارف عليها عالميا، تتحول سلطة الورثة إلى عامل شقاق ينزاح فيه الكفاح عن وطنيته المفترضة ليذهب في اتجاهات متعادية، لا يستفيد منها سوى العدو. والحال الفلسطيني اليوم هو كذلك بعد مرور تسعة وستين عاما على النكبة؛ كفاح سلطات أبوية، فئوية وفصائلية، فرّخت أكثر مما ينبغي، خاصة في صفوف التيارات الأسلاموية، بعد أن فرّخت التنظيمات الجبهوية القديمة، أكثر مما ينبغي من فصائل، جميعها يقف حجر عثرة أمام استمرار طموحات شعب فلسطين في كل أماكن تواجده، وتوقه للحرية والتحرير والاستقلال الوطني.

في هذا الوقت تصر إسرائيل الكيان الكولونيالي الاحتلالي، على "ضرورة" تعريف نفسها دولة للتمييز العنصري، عبر كل تشريعاتها القانونية، كما في كل مسلكياتها الفاشية، وآخر ما تفتقت عنها ذهنية اليمين الصهيوني المتطرف، ذلك القانون العنصري الذي يريد التمييز بين مواطنة خاصة للإسرائيليين، وأخرى للفلسطينيين الأصلاء في وطنهم التاريخي.

وفي كل عام وعند الاقتراب من ذكرى النكبة، يعيد اليمين الإسرائيلي المتطرف طرح مشروع "يهودية الدولة"، في إصرار واضح على مسألة تعريف إسرائيل لنفسها دولة للتمييز العنصري، بإعلانها أنها "دولة للشعب اليهودي"، حيث أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتانياهو، في الذكرى السادسة والستين لإنشائها، عن اعتزامه سن قانون أساسي يكرس إسرائيل دستورياً، "كدولة للشعب اليهودي"، حيث يُشكّل اعلانه هذا استمراراً طبيعياً لخط اليمين المتطرف الإسرائيلي صاحب الأيديولوجيا التي انحازت وتنحاز لسلوك فاشي، يصر على نكران أي حق للفلسطيني في وطنه التاريخي، واستبدال هذا الحق بباطل الادعاءات والمزاعم التوراتية.

ومؤخرا صادقت اللجنة الوزارية للتشريع في إسرائيل، على النص الجديد لـ "قانون القومية" بمبادرة النائب آفي ديختر (الليكود) وهذا ما يعتبره فلسطينيو الداخل إعلان حرب عليهم. وسيعرض قريبا على الكنيست للتصويت عليه بالقراءة التمهيدية وسيحول ثانية للجنة الوزارية لمناقشته.

وينص اقتراح القانون الجديد على أن "إسرائيل هي البيت القومي للشعب اليهودي" وأن "حق تقرير المصير في دولة إسرائيل يقتصر على الشعب اليهودي". كما ينص اقتراح القانون على أن "لغة الدولة هي العبرية" وتغيير مكانة اللغة العربية من لغة رسمية إلى "لغة لها مكانة خاصة في الدولة، وللمتحدثين بها الحق في نيل خدمات الدولة اللغوية".

ويمنح القانون امتيازات لليهود، لكونهم يهودا في كل مجالات الحياة، من تعليم وعمل، وينتقص من مكانة اللغة العربية، التي يعتبرها القانون لغة رسمية، رغم عدم احترام القانون. ومن الواضح أن الغالبية الساحقة من بنود هذا القانون مطبّقة على أرض الواقع منذ عشرات السنين، مع بعض الاستثناءات، ولكن القانون المقترح هو عملية لتثبيت هذه السياسة وجعلها إلزامية، بمعنى جعل العنصرية سياسة إلزامية لمؤسسة الحكم، وليس فقط توجهات سياسية غالبة على عقلية الحكم.

"يهودية الدولة" الآن وفي المستقبل، سيبقى الهدف الأقصى المباشر الذي تسعى إسرائيل إلى نيل اعتراف العالم بها، وبالأخص الفلسطينيين، كونها كذلك، بما يعنيه ذلك من تسليم بشرعية ومشروعية وجود كيان اغتصاب استيطاني إحلالي فوق تراب وطن شعب آخر، بغض النظر عمّا تقوله المرويات والسرديات الدينية الخرافية والأسطورية القديمة والحديثة، وهي دولة استيطانية لا يمكنها استنادا إلى تلك المرويات والسرديات الخرافية، أن تقنع أو تقتنع، لا الآن ولا في المستقبل، بما حازت وامتلكت من أرض مغتصبة، فمن كان من طبيعته وطبائعه الاستيطان وإدمان الوجود والروح الكولونيالي، لا يمكن أن تسفر أي مفاوضات أو أي تسوية معه، عن نتائج يمكن أن يوقف بموجبها تمدّد أخطبوطه السرطاني، طالما هو يحرّم الاقتراب من "بقرته المقدسة"، تلك التي تسمى اليوم وغدا "عقيدة الاستيطان"، وهي مما لا يمكن للفلسطيني أن يقبل بها أو يتسامح مع تداعياتها المتواصلة، فكيف بالاشتغال إيجابا بالتعاطي مع هذا الحل، وهو لذلك لن يجد هنا "تسويته الخاصة"، طالما أن الأميركيين يسعون إلى إيجاد حلول لعقدهم الخاصة، واشتباكهم السياسي والعسكري مع العديد من قضايا المنطقة إقليميا واستراتيجيا، وما تبنيهم لمسألة المفاوضات الاقليمية، سوى محاولة في درب طويل، لن يكون من اليسر أو السهولة بمكان حل عقد قضاياهم مع دول الإقليم، وصولا إلى تحقق تسوية سياسية لقضايا الحل النهائي، تحت وهم تحقيق ما يسمى "صفقة القرن"، وفوق رمالها المتحركة يشيد بعض العرب والفلسطينيين قصور أوهامهم عن تسوية ممكنة بضمانات ترامبية.

من هنا شكل الاستيطان وتلك القضايا، بتعقيداتها الكثيرة، واحدة من المصدّات الأساسية، بل المركزية، بالنسبة للكيان الإسرائيلي، وهو يدفع عن ذاته إمكانية أن يخلع عنه جلده، أو أن يذهب إلى تدمير ذاته بذاته، إن هو تخلى عن "مبدأ الاستيطان"، وتطبيقاته الاحتلالية، وهو الكيان الذي اعتبر المستوطنين الأوائل بمثابة "الطلائع الصهيونية"، والمستوطنات الأولى بمثابة "العودة إلى أرض صهيون" التوراتية، التي بدئ بإنشائها أواخر القرن الثامن عشر، كمراكز "طليعية" أولية، أطلقت شرارة الهجرة اليهودية إلى فلسطين. وها هي تستمر إلى اليوم كنهج ثابت، لا يمكن لكيان الاستيطان الإحلالي التخلي عنه، وإلاّ كان يدخل منعطفا تاريخيا يقوده إلى التخلي عن عنصريته الفاشية، ونمط حياته الإحلالي الكولونيالي، بينما لا تتوافر أي مؤشرات داخلية أو خارجية، يمكن مقارنتها بمعطيات التحولات التي جرت في جنوب إفريقيا، وأدت للتخلي عن نظام التمييز العنصري.

وعلى أعتاب الذكرى الـسبعين لقيامها، لم تعد إسرائيل، رغم الوضع العربي والفلسطيني المزري، مرتعا مريحا ليهود العالم، وهي تمضي من مسار انحداري إلى آخر، سماته الأساس مواجهة المزيد من التحديات الداخلية والخارجية الأكثر تعقيدا، وبحسب وثائق إسرائيلية أكاديمية وإعلامية، فإنّ المشروع الصهيوني يُعاني من إشكالية ديموغرافية مرتبطة بالهجرة اليهودية المعاكسة من إسرائيل، إذ أظهرت تقديرات نُشرت مؤخرًا أنّ ما بين 700 و750 ألف إسرائيلي يعيشون خارج إسرائيل، يقيم 60% منهم في أمريكا الشمالية و25% في أوروبا الغربية. كما تشير معطيات دائرة الإحصاء المركزيّة إلى أن خمسين ألفا من المهاجرين الروس إلى إسرائيل في العقد الماضي قد عادوا إلى روسيا.

لكن وفي غياب البرنامج السياسي الموحد والمشترك بين كامل أطراف الصف الوطني الفلسطيني، وفي غياب وحدة قوى الحركة الوطنية في إطارها الوطني الجامع (منظمة التحرير الفلسطينية) بعد إعادة تفعيلها وبناءها وتكريسها ممثلا للكل الفلسطيني، بعيدا عن نزعات الهيمنة السلطوية وروح البطركة الأبوية، سيبقى الوضع الوطني أكثر عرضة لمخاطر التشرذم والانقسام الداخلي، يغذيه خصوم الداخل بأكثر مما يغذيه أعداء الخارج، وينفخ في روح الخصام والاختصام أيضا خصوم الداخل، باعتبار ذواتهم البديل الذي يعول عليه خارجيا، بينما يعولون على ذواتهم كممثلين للكل الوطني، فيما هم حقيقة وواقعا ليسوا أكثر من ممثلين فئويين وفصائليين للبعض الوطني، هذا البعض الذي لا يمكن اختزاله في سلطة هنا أو سلطة أمر واقع هناك. وهذا بالضبط ما يناسب الهدف الذي سعت إليه الحركة الصهيونية منذ إنشائها، وعملت على تحقيقه بأدواتها كما وبأدوات غيرها، وها هي وبعد سبعة عقود من النكبة الأولى، يواصل الفلسطينيون العيش في ظل نكبات ذاتية وموضوعية، تواصل وضع أجيالهم وقودا في أفران المآسي، ربما انتقاما من أفران النازي، ومن أفران الماضي كذلك.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط