كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

متى يضحك المصريون؟

بلغت درجة تقديس القدماء المصريين للنكتة أنهم جعلوا لها إلهة وزوجوها لإله الحكمة. وهذا هو بالضبط التفسير الأقرب لارتباط النكتة لدى المصريين بالتعبير عن موقفهم من الحياة بكل تفاصيلها، وإذا ما تراجعت النكتة في المجتمع المصري وسادت روح الاكتئاب فإن هذه علامة خطيرة على أن الأزمة كبيرة. مثل هذه الأجواء كانت قد سيطرت على مصر في الأشهر الأخيرة لحكم "الإخوان" عندما أصيب المصريون جميعاً، عدا قلة، بحالة حادة من الاكتئاب كان يمكن أن نلمسها بين المصريين داخل مصر وخارجها.
الضحكة على وجه المصري الأصيل تبدو وكأنها محفورة عمرها من عمر بدء حضارته، الضحكة على الوجه تخفي خلفها تفاصيل حياة بشقائها وحلوها ومرها. وقد استخدم المصريون منذ القدم سلاح الضحكة والنكتة في مواجهة كل الصعوبات الحياتية خاصة الاقتصادية والسياسية. مصر رغم غناها البشري والثروة الطبيعية لم تعش كثيراً في حالة يسر اقتصادي، بل واجه أهلها أو قطاع كبير منهم صعوبات اقتصادية، وفي مجال السياسة فإن علاقةً شديدة الخصوصية والتعقيد ربطت المصري بالسلطة السياسية، وهذا جدير بحديث آخر في وقت آخر. هذه العلاقة دفعت المصري إلى أن يبحث عن وسائل مختلفة يعبر بها عن مواقفه التي لا يأمن أن يعبر عنها بوضوح وصراحة، كما أنه يقاوم ظرفه الاقتصادي الصعب بالضحك عليه واختلاق النكات عن صعوبات حياته. ستلاحظ أن المصري عندما يلقي نكتة فإنه يفعل ذلك لا من أجل إضحاك من يسمعها، بل يسعى إلى أن يضحك مع ضحك من يسمعها، هو باحث عن البسمة من أجل الحياة حتى لو كانت الضحكة على ظروف حياته. الضحكة هي رغبة في الحياة. يوصف المصريون بأنهم "أبناء نكتة" يلجأون إلى السخرية والضحك، إما للتعبير عن الرأي أو لدفع الهم ومحاولة لتجاوز الواقع المعيش.
نظريات علمية حاولت تفسير ظاهرة النكتة، إحداها يعتبرها فرعونية الأصل، فيقال إن المصريين القدماء اعتقدوا أن العالم خلق من الضحك فحين أراد الإله الأكبر أن يخلق الدنيا أطلق ضحكة قوية فظهرت السماوات السبع، وضحكة أخرى فكان النور والثالثة أوجدت الماء إلى أن وصلنا إلى الأخيرة خلق الروح، وظهرت في البرديات رسوم كاريكاتورية وعلى قطع الفخار أيضا تنتقد الأوضاع السياسية والاجتماعية احتفظت بها متاحف العالم، واستخدم المصري القديم الحيوانات للسخرية من خصومه السياسيين، فهناك صورة فيها فئران تهاجم قاعة للقطط، والفئران تمتطى العجلة الحربية وتمسك الحراب والدروع حاملة السهام والأقواس، أما القطط فترفع أيديها مستسلمة. وقصد المصريون القدماء أن يمثلوا الهكسوس بالفئران هم وغيرهم من الغزاة، أما القطط فترمز إلى حضارة شعب مصر.
لم يستطع من احتل مصر على مر العصور مقاومة النكتة المصرية، الرومان عندما احتلوا مصر حرموا على المحامين المصريين دخول محاكم الإسكندرية لأنهم كانوا يسخرون من القضاة الرومان ويهزأون من ضعفهم في تحقيق العدالة، فاستخدموا النكتة والقافية للدفاع عن السجناء السياسيين. وللشاعر الروماني ثيوكربتوس مقولة شهيرة قالها قبل الميلاد بحوالي 200 سنة «إن المصريين شعب ماكر لاذع القول، روحه مرحة».
عندما جاء الاحتلال العثماني لمصر كانت السمة الغالبة عليهم الغطرسة والتوتر، وما ميز أشكالهم الكروش الكبيرة التي وضعت عليهم مسحة من الكسل وضيق العقل، فسخر المصريون من "نفختهم الكاذبة"، فيقول الجبرتي في كتابه «عجائب الآثار في التراجم والأخبار»: "لقد نكّت المصريون على الباشا التركي وحولوه إلى أغنية لحنوها ورددوها (يا باشا يا عين القملة مين قال لك تعمل دي العملة، ويا باشا يا عين الصيرة مين قال لك تدبر دي التدبيرة»، وجاء ذلك كرد فعل على قسوة الأتراك وتعاملهم الفظّ مع المصريين كعبيد. أطلق المصريون "قفشاتهم" اللاذعة التي نالت من المحتل الفرنسي والتي كانت تنال من خلاعة ومجون جنود الاحتلال، فانزعج نابليون بونابرت من سخرية المصريين، فأمر أتباعه بإلقاء القبض على من يطلق النكات على الفرنسيين، لتكون النكتة لأول مرة في التاريخ جريمة يعاقب من يرتكبها بالقتل أو الضرب. وأثناء الاحتلال الإنكليزي عندما ظهرت نوعية جديدة من المقاهي أطلق عليها المصريون «المضحكانة الكبرى»، حيث يجلس روادها ليطلقوا ضحكاتهم عالياً والتي تنال من المحتل البريطاني وطريقته الخشنة في التعامل، فقامت السلطات الإنكليزية لأكثر من مرة بإغلاق المضحكانات.
أبدع المصريون في كيفية تفجير النكتة السياسية، فالمصري تبدأ ثورته عندما تعجز الفكاهة عن تحمل الواقع، فعندما يتوقف المصريون عن التنكيت فهذا نذير غضب سوف ينفجر سريعاً، وهذا ما حدث وقت حكم "الإخوان"، بدا وكأن المصري يفقد سلاح مقاومته للواقع وعجزت كل الضحكات أن تجعله يصبر على قسوة ومرارة الواقع الذي كان يعيشه فخرج ليطيح بهم ويستعيد مصيره، ويستعيد قدرته على الضحك كسلاح لا يسقط من يد المصري على مر العصور.

عن الجريدة الكويتية

×
أخبار
الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة " الاتحاد الأوروبي يدرج 1650 كياناً وفرداً روسياً جديداً ضمن قوائم العقوبات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط