كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مثقّفو الرفاه

مثقّفو الرفاه

تاريخ النشر: 2018-10-23 | 08:42

قبل فترة وجيزة اتصلت بنا صديقة واقترحت ترتيب أمسية ثقافيّة تكريميّة لكاتب ثمانينيّ، وعدّدت مناقبه؛ له إصدارات متعدّدة في القصّة والشعر والمسرح وميوله وطنيّة قوميّة وجدير بأمسية تليق بمشروعه الأدبيّ. كعادتي، تشاورت مع صديق عزيز له باع طويل في المشهد الثقافيّ المحليّ فأجابني ساخرًا: "هذا كاتب بلاط، كتب في حينه أنّه يكره حرف الفاء لأنّه أوّل حروف كلمة فلسطين!". ذكّرني بالمثل الشعبيّ "بفزع بعد ما تخلص الطوشة".
خلال فحص وتقصّي الأمر جاءني ما كتبه سعيد نفّاع: "قسم كان ماشي "الحيط الحيط ويا ربّ السترة"...صار هؤلاء ربّ النضال بعد أن تمكّنوا...أين كان وأين كانت الوطنيّة؟ هو في القطب الجنوبيّ والوطنيّة في القطب الشماليّ... أتذكر؟ روح اسمعه اليوم... الوطنيّة عليه صغيرة... وطنيّة رفاه هذه؟... أنا أفهم المرجلة الوطنيّة والسياسيّة منها، وقت دفع الثمن... مش عند ما تصير ببلاش... الوطنيّة اللي ببلاش هذه... وطنيّة رفاه... بعد ما يترفّه الإنسان يصير وطنيّ... فاهم؟!" (روانصّية "وطني يكشف عُرْيِي" ، ص. 147-148).
كثيرون من أبناء شعبنا من ناضل وكافح في سبيل القضيّة منذ النكبة، وعلى مرّ السنين، قالوا كلمتهم بصوتٍ عالٍ ودفعوا الثمن غاليًا، إذ أُعتقلوا، سُجِنوا وفُصلوا عن عملهم، ومنهم على سبيل المثال، لا الحصر، حنّا أبو حنا، نمر عيسى ريحاني، شفيق حبيب وغيرهم كُثُر، لم يُرض خطّهم السياسيّ الحكومة فتربّصت لهم المخابرات الإسرائيليّة بالمرصاد ووجّهت لهم تهم أمنيّة، حوكموا وتبع ذلك فصلهم من وظيفتهم والتضييق عليهم، ولكن الكثيرون أيضًا مَن هادنوا وتعاونوا مع السلطة لتمرير سياستها التجهيليّة ضد أبناء شعبنا.
لم يتوقّف الشاعر لوركا عن إنشاد قصائد الحريّة في مواجهة رصاص الإعدام من زمرة فرانكو؛ وبابلو نيرودا خاطب جنود بينوشيه حينما داهموه أنّه لا يملك سلاحًا بل سلاحه شعره، لم يقتلوه فورًا حتى لا يصنعوا منه بطلًا، بل سمّموه حتّى الموت.
دفع غسّان كنفاني حياته ثمنًا لضميره وقلمه، مثله كمال ناصر، علي فودة، ناجي العلي وغيرهم، وكذلك الحال مع الشاعر عبد الرحيم محمود الذي قال:
سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى
فإمّا حياة تسر الصديق وإمّا ممات يغيظ العدا
واستشهد في الميدان.
هناك طبقة إنتهازيّة باعت ضميرها وقلمها للسلطة، صارت بوقًا لها ضدّ مصالح شعبها، وأخذت "تُلحوِس" للسلطة وتروّج لسياستها القمعيّة، تبوّأت المناصب لتيسير وتسيير أمور الدولة بما يتماشى مع مصالحهم الشخصيّة وفسادهم، أصبحوا نخبة وصوليّة فاسدة متسلّطة على زمام الأمور. أحاطت نفسها بمجموعة من "السحّيجة" والبكّاءات، أصحاب النفوس الضعيفة والرخيصة، تصرفّت تجاه الغير باستعلاء وكأنّ كلّ شيء مُتاح لها، حلّلت وحرمّت بحماية أسيادها وأصابها جنون العظمة، متعامية عن قضايا شعبها، همومه اليوميّة وطموحاته.
هؤلاء لا يستطيعون العيش إلّا كمتسلّقين على أكتاف غيرهم، يحصدون ثمار ما زرعوا، ومهارتهم في خطف الأضواء لقناعتهم بمرض النسيان الذي يتيح لهم تغيير مواقفهم حسب التيّار، فهم هلاميّون بدون عامود فقريّ، تكمن مهارتهم بالصيد في المياه العكرة لتلويثها علّها تغطّي عيوبهم وعوراتهم، مستغلّين قدرتهم على فذلكة الكلام المعسول.
هذه الطبقة مارست الانتهازيّة بحرفيّة مستغلّة أزمة أبناء شعبنا، متلوّنة ومنافقة، طُفيليّة مراوغة، متسلّقة لأبعد الحدود، وما أن تصل سنّ التقاعد وتعتزل الوظيفة حتّى تقلب جلدها رأسًا على عقب. تلعب دور المثقّف الانتهازيّ، يغطّي تواطؤه بالكلام المعسول والمزاودة، ويبدأ بالشعارات الرنّانة ليتسابق إلى المنصّات الوطنيّة علّه يبيّض بعضًا من ماضيه. من المؤسف حقًّا أن منصّاتنا الوطنيّة تمنحهم تلك الفرصة الذهبيّة للظهور وتلميع صفحتهم!
تناول الروائيّ زياد أحمد محافظة في روايته "حيث يسكن الجنرال" خطط جنرالاتنا لتأمين مستقبلهم هناك، ولكنّ ماضيهِم والهُنا يُلاحقهم ويعذّبهم سائلًا: هل تشعرون بالراحة والاطمئنان والسكينة والسعادة في حياتكم، رغم ما ارتكبتم من "الجرائم" بحقّ شعبكم؟ وظلمتم من الناس ما لا يُعدّ ولا يُحصى؟؟ وهذا هو حال "مثقّفينا" الذين "لحوَسوا تا فلّسوا"، باعوا ضمائرهم ويتهافتون إلى المنصّات حاملين الشعارات الرنّانة ويتنادون بالوطنيّة، بل ويزاودون على مَن ضحّوا بالغالي والرخيص في حملهم هموم وراية شعبنا، ويجب أن لا ننسى أنّ المثقّفين الأنقياء حوربوا من قبل مثقّفي بلاط السلطة.
أبدع إدوار سعيد حين قال في كتابه "المثقّف والسلطة" أنّ المثقّف هو صوت الجماهير العريضة الذي يستعمل المعايير الأخلاقيّة التي تخدم الحقّ والعدل كما يقول فولتير، هي أسلوب حياة، إنّها صراع السيف والقلم، غسّان كنفاني وناجي العلي نموذجًا.

(نُشرت المقالة في العدد الثالث، السنة الرابعة، أيلول 2018، مجلّة شذى الكرمل، الإتّحاد القطريّ للأدباء الفلسطينيّين – الكرمل)

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط