كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مجلة كولان في ذكرى تأسيسها

لم يعرف الإعلام الكردي، حسب علمي، مجلةً فكريةً وثقافيةً ذات طابع سياسي قبل صدور مجلة كولان، التي مضى عليها 32 عامًا. ولم تكن تلك التجربة سهلةً أو يسيرةً، بل واجهت تحديات مختلفة كردستانية وإقليمية ودولية، إضافةً إلى تحديات مهنية تتعلّق بالتجربة الجديدة في إقليم كردستان، لاسيّما فيما يتعلّق بحريّة التعبير واحترام التنوّع والتعددّية والحق بالاختلاف.

لقد واجهت التجربة الإعلامية والثقافية والفكرية في إقليم كردستان صعوبات جمّة وتعقيدات مختلفة سياسية وإدارية ومالية وقانونية، وذلك بعد أن سحبت الإدارة الحكومية الرسمية موظفيها وطاقمها الإداري والمالي وكل ما يتعلّق بوجودها في أواخر العام 1991، إثر إعلان منطقة الملاذ الآمن وحظر الطيران الحكومي عليها، وكان ذلك بعد صدور القرار 688 الخاص بوقف القمع الذي تتعرّض له المنطقة الكردية وبقية مناطق العراق واحترام حقوق الإنسان في 5 نيسان / أبريل 1991، ظنًا منها بأنه ليس بإمكان الإقليم إنجاز تجربة مستقلة.

 يومها كان الكرد أمام تحدّيات وجودية تتعلّق بمستقبلهم، وهذه المرّة ليس لتأكيد عدالة حقوقهم ومطالبهم فحسب، بل كيف يمكن تيسير وتسيير ذلك إداريًا ضمن المناطق التي تركتها الإدارة الحكومية الرسمية، وهذا يعني عمليًا التأسيس لكيانية إدارية لجعل موضوع الحقوق قابلًا للتطبيق. وبالطبع فقد كان مثل هذا الرهان الوجودي، إذا جاز ليَ التعبير، مصدر تشكيك وريبة وسط أسئلة موضوعية وذاتية، حيث كان الجميع في حالة ترقّب وانتظار واستفهام، ما الذي سيحدث؟ وكيف سيُدار الإقليم، خصوصًا ولم يمضِ سوى عام ونيّف على سحق الانتفاضة، التي شهدت هجرةً بمئات الآلاف نحو الحدود التركية والإيرانية؟ ثم كيف سيتمكّن الإقليم من مواجهة التحديات الجديدة على افتراض تمكّنه من تأسيس كيانية جديدة؟ كل ذلك واجه وسيواجه لاحقًا الإعلام الكردي، ومنه مجلة كولان.

يومها قرّر الكرد التوجّه إلى صندوق الاقتراع لإجراء انتخابات لاختيار من سيمثّلهم ويتولّى إدارة الإقليم. وقد كان ذلك الرهان محفوفًا بالمخاطر والخشية من فشل التجربة، وبالتالي حدوث انكفاء لا يُحمد عقباه. وعلى الرغم من أن التجربة الأولى كانت هي الأصعب، وصاحبها ما صاحبها من نواقص وثغرات موضوعية وذاتية، لكن الكرد في نهاية المطاف، وبعد أخذ ورد، لجأوا إلى خيار التوافق والمناصفة، وإن كان ذلك الاختيار حلًا مؤقتًا، لكنه حمل في ثناياه نواة الاختلاف التي أخذت تكبر، وقادت إلى الاحتراب، الذي دام أربع سنوات من العام 1994 إلى العام 1998.

       في هذه الظروف نشأت مجلة كولان، وقدّمت نفسها مجلة سياسية – ثقافية فكرية، وكان عليها أن تُثبت ذلك وتقدّم خطابًا جديدًا، وهو ما عملت عليه، على الرغم من الظروف المعقدة التي رافقت نشأتها، والتحديات التي واجهتها على الصعيدين الداخلي والخارجي، وكانت تلك المهمة صعبة، وأستطيع القول معقّدة أيضًا.

واستنادًا إلى الصديق المفكر شيرزاد النجار، وعلى خلفية رؤية المفكّر الألماني هبرماز، فقد مثّلت كولان فعلًا تواصليًا، استطاعت فيه تأطير بعضًا من تفاعلات سياسية مع الرأي العام، إضافة إلى قوى الضغط والتأثير. وكنت قد تابعت مجلة كولان منذ صدورها، وانشغلت بشكل خاص بالمقابلات السياسية التي أجرتها مع فاعلين سياسيين وأصحاب رأي مؤثرين في صناعة الخطاب الإعلامي، الذي هو انعكاس للخطاب السياسي وتفاعل معه ومتمّم ومكمّل له، ولاحظت ميلها إلى التنويع والتعدّد بنشر آراء ووجهات نظر متباينة أحيانًا، في إطار التشجيع على الحوار، بل اعتباره ضرورةً لا غنى عنها، وليس اختيارًا فحسب، حيث كانت تسعى جاهدةً لتقديم رؤية خاصة بالكرد أو بالاتجاه السياسي الذي تمثّله، مثلما عملت بقدر ما تسمح به الظروف إلى تقديم وجهات نظر متمايزة، إيمانًا منها بحريّة التعبير، التي كانت بحد ذاتها تجربة جديدة في الإقليم، بل في عموم العراق، وعلى المستوى الكوني بعد انهيار الأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية.

       ومن جملة الأشياء التي ميّزت مجلة كولان أنها لم تكن مجلة مكتبية منعزلة، بل إنها كانت مجلة ميدانية تتابع الحدث من أجل تقديم صورة عمّا يجري، باعتبارها وسيلة لنقل الخبر إلى الجمهور بقدر ما كانت تتفاعل معه من خلال حوارات ونقاشات هدفها ترسيخ قيم حريّة التعبير والحق في المشاركة، وإيمانًا منها بهدف التنوير.

وخلال السنوات الثلاثين ونيّف المنصرمة أجرت معي عدّة مقابلات، ونشرت لي وجهات نظر وآراء في مقالات ودراسات وأبحاث لا تخصّ الحوار العربي – الكردي أو حوار مثقفي الأمم الأربعة (الترك، الفرس، الكرد والعرب) فحسب، بل شملت قضايا فكرية وثقافية، نظرية وعملانية، كما أنها تابعت نتاجي الفكري والثقافي طيلة العقود المنصرمة، وقدّمت عروضًا عن كتبي ومؤلفاتي ورؤيتي للصراع الدولي، وهو ما أعتز به.

       أذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر أنني في العام 2000 ألقيت محاضرةً بعنوان "السيادة ومبدأ التدخّل الإنساني"، وحاولت أن أطبّقها على الوضع العراقي في ظلّ التطورات الحاصلة في العلاقات الدولية والقانون الدولي المعاصر. وكنت قد توقّفت مطولًا عند القرار 688، وأطلقت عليه القرار اليتيم والتائه والمنسي، لأنه لم يصدر ضمن الفصل السابع، أسوةً بالقرارات الأخرى الصادرة عن مجلس الأمن الدولي، علمًا بأنه القرار الوحيد الذي انتصر للشعب العراقي، وهو ما تابعته معي مجلة كولان.

وتساءلت بصوت عالٍ لماذا استثنى مجلس الأمن هذا القرار من دزينة القرارات التي سبقته والتي لحقته؟ وأضفت لماذا لم يشدّد مجلس الأمن على تطبيقه، أسوة بالقرارات الأخرى، وخصوصًا القرار 687؟ الجدير بالذكر أن هذا القرار صدر قبل يومين من صدور القرار 688، وهو أطول قرار في تاريخ المنظمة الدولية وأكثرها غرابةً وخطورةً حين فرض التزامات مجحفة على العراق ومستقبله. وامتدّ التساؤل إلى موقف الولايات المتحدة التي كانت تصرّ على تطبيق جميع قرارات مجلس الأمن، إلّا أنها كانت تهمل القرار 688.

 ومثلما وافقت الحكومة العراقية على جميع القرارات المجحفة والمذلّة، إلّا أنها كانت ترفض بشدّة أي حديث عن القرار 688، كما أن المعارضة العراقية، وخصوصًا الرسمية، التي كانت تدعو إلى ضرورة تطبيق الحكومة العراقية جميع قرارات مجلس الأمن، بما فيها تلك القرارات التي تفرض الحصار الدولي الجائر على العراق، لم تبادر إلى تقديم رؤية متكاملة حول القرار 688، الذي يوفّر انتقالًا سلميًا يُفرض على الحكومة العراقية بإجراء انتخابات بإشراف الأمم المتحدة، وربما يعود الأمر إلى عدم ثقتها بنفسها أو لأنها كانت تنتظر مخلصًا خارجيًا.

ومن نافل القول الإشارة إلى أن القوى التي كانت تقف ضدّ الحصار الدولي، وتفرّق بين الشعب العراقي وبين حكامه الديكتاتوريين كان صوتها غير مسموع، فقد كانت مشتتة وغير مقبولة دوليًا، وهكذا ظلّ القرار يتيمًا من بين جميع قرارات الأمم المتحدة حتى احتلال العراق العام 2003، وتائهًا لأنه لا أحد يتبناه ومنسيًا، حيث بقيَ مهملًا في الأدراج.

       بعد إلقاء محاضرتي قابلتني مجلة كولان ونشرت ملخصًا للبحث الذي ألقيته، كما أن البحث نُشر بعد أسابيع بكراس صدر عن جامعة صلاح الدين في أربيل – كلية القانون والسياسة، وكان لمجلة كولان ريادةً وتميّزًا في عرض تلك الآراء والأفكار التي أثارت جدلًا واسعًا، ليس فقط من جانب العراقيين في الداخل والخارج، بل من جانب دول الإقليم حينها، ولاسيما إيران وسوريا وتركيا، التي كان مسؤولوها الأمنيون والسياسيون يجرون لقاءات دورية بخصوص الوضع في إقليم كردستان وآفاق التجربة الجديدة واحتمالات تطورها، ناهيك عن إمكانية وضع موضوع التدخّل لأغراض إنسانية موضع التطبيق، في ظل العلاقات الدولية الجديدة واحتمالات امتدادها جيوبوليتيكيًا، وهي احتمالات قائمة إلى اليوم، وينبغي أن تكون موضع تفكّر وتدبّر بما ستؤول إليه علاقات شعوب دول الإقليم وحقوق المجموعات الثقافية، بمن فيهم الكرد، خصوصًا في ظلّ التغييرات المرتقبة في الشرق الأوسط ودول الإقليم.

       لقد حملت مجلة كولان كما أعتقد ثلاث مسؤوليات في آن واحد، مسؤولية شبه رسمية تمثل التوجه الفكري والثقافي إعلاميًا للحزب الديمقراطي الكردستاني، ومسؤوليةً تمثّل اتجاهًا وطنيًا كرديًا عراقيًا، ورؤية عراقية في إطار مشروع الفيدرالية، إضافةً إلى مسؤولية قومية كردية، وفي كل ذلك سعت لتقديم زاد صحفي جديد ومختلف عن أساليب الدعاية المعروفة، محاولةً اقتفاء أثر ألبير كامو من أن الصحافي هو مؤرّخ اللحظة، وهو ما عملت عليه، ناظرة إلى نفسها صانعة حدث أو مشاركةً فيه، باعتبارها صاحبة الجلالة، متجنبةً الدخول في بعض الإشكالات التي تؤدي إلى الاختلاف قدر الإمكان.

 وأعتقد أن مجلة كولان قدّرت دورها في التغلغل الفكري والثقافي بطريقة ناعمة، متوغلةً إلى مجالات مختلفة، عاكسةً تطوّر تجربة الإقليم، وإن لا تخلو أحيانًا من النقد لبناء تنمية مستدامة ذات أبعاد إنسانية بكل ما للكلمة من معنى، ساعيةً إلى رفع درجة الوعي، ليس لدى النخب فحسب، بل لعموم المجتمع، ولعلها تدرك أن ثمة مسؤوليات ومهمات جديدة تواجه الإعلام عمومًا ومجلة كولان خصوصًا، لاسيّما ونحن في الطور الرابع من الثورة الصناعية، حيث اقتصاد المعرفة والطفرة الرقمية (الديجتال) والذكاء الاصطناعي الذي سيغيّر وجه العالم، وينبغي أن يتم التكيّف مع هذه المتطلبان الجديدة بما يعزّز التجربة ويرتقي بها إلى مصاف التجارب المتقدمة.

 فتحيةً لمجلة كولان والعاملين فيها ولرئيس تحريرها الصحفي المتميّز فرهاد محمد، وتحيةً لنهج الأخوة العربية – الكردية، الذي تتبناه، وتحيةً مماثلة للحوار بين مثقفي الأمم الأربعة، الذي روّجت له، والذي أطلق عليه سمو الأمير الحسن بن طلال "حوار أعمدة الأمة الأربعة".

مجلة كولان

×
أخبار
بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط