كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مجلس السلام الترامبي: إعادة هندسة النظام الدولي بمنطق «أمريكا أولاً»

مجلس السلام الترامبي:  إعادة هندسة النظام الدولي بمنطق «أمريكا أولاً»

تاريخ النشر: 2026-01-23 | 12:11

مشروع "مجلس السلام" الذي أعلنه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، المنبثق عن خطته ذات العشرين نقطة لوقف الحرب في غزة، والذي حظت بترحيب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803  وعلى الرغم من أنه يقدم ظاهريًا كآلية لإدارة نزاع إقليمي، فإنها تمثل في جوهرها محاولة استراتيجية لإعادة تشكيل بنية النظام الدولي نفسه. 

فهل هذه الخطوة مجرد تكتيك دبلوماسي؟، أم هي تجسيد لمقاربة ترامبية تقوم على الواقعية  التي تستبدل التعددية الليبرالية بمنطق التراتبية، والصفقات، وإعادة تعريف دور الولايات المتحدة من قائدٍ للنظام إلى مركز سيادي يُملي الشروط ويُحصّل الكلفة؟
 
يتعامل ترامب مع «مجلس السلام» بوصفه ممارسة سيادية تتجاوز المنطق المؤسسي الليبرالي. فالمجلس لا ينبع من تطور تراكمي داخل منظومة الأمم المتحدة، بل من منطق "قرار الاستثناء" ، حيث تُعلَّق القواعد الإجرائية المعتادة بحجة إدارة أزمة  كبرى.
 
في هذا السياق، لا تُعد الشرعية ناتجة عن القانون الدولي أو الإجماع الأممي، بل عن القدرة على الفعل وفرض النتائج. وهنا يتحول المجلس من أداة لحفظ السلام إلى أداة لإعادة ضبط التراتبية الدولية، وتحديد من يملك حق التأثير ومن يظل على الهامش. يمكن تأطير هذه المقاربة ضمن الواقعية البنيوية، التي ترى أن النظام الدولي محكوم بالفوضى، وأن الدول تتصرف بناءً على مصالحها الذاتية وقوتها النسبية، متجاوزةً المؤسسات الدولية عندما تتعارض مع تلك المصالح. إن إنشاء هيكل موازٍ للأمم المتحدة يعكس عدم ثقة في فعالية المؤسسات الليبرالية، ويؤكد أن القوة هي المحدد الأوحد للشرعية في هذا الإطار.
 
يندرج مجلس السلام ضمن ما يمكن تسميته «أنطولوجيا القوة» لدى ترامب، حيث يُصنَّف الفاعلون الدوليون وفق ثلاثة معايير متداخلة: الموقع في التراتبية، مقدار القوة، والقدرة على الدخول في صفقات مفيدة لواشنطن.
 
وبموجب هذا المنطق، لا يُنظر إلى الدول المشاركة كشركاء متساوين، بل كوحدات متفاوتة القيمة، يُعاد تقييمها باستمرار. فالحليف ليس من يشارك القيم، بل من يلتزم بالصفقة ويعترف بالمركزية الأمريكية. هذا التصور يعكس رؤية هوبزية للنظام الدولي، حيث السيادة المطلقة والتراتبية هي الأساس، مما يتناقض جذرياً مع الرؤية الكانتية، التي تقوم عليها المؤسسات الليبرالية، والتي تفترض إمكانية تحقيق السلام الدائم عبر التعاون والمؤسسات والقانون الدولي. إن المقاربة الترامبية تختار بوضوح العودة إلى منطق القوة المطلقة على حساب منطق التعاون المؤسسي.
 
 
يتجلى التحول الأعمق في الرؤية الترامبية عبر فرض اشتراك مالي بقيمة مليار دولار على الدول المشاركة في مجلس السلام. هذا الشرط لا يمكن فصله عن فلسفة «أمريكا أولاً»، التي ترى أن النظام الدولي بصيغته التقليدية مثّل عبئًا ماليًا على الولايات المتحدة دون عائد    متناسب .
 
قد يُفسر هذا الإجراء من منظور الإدارة الأمريكية على أنه " "تقاسم عادل للأعباء" حيث يجب على الدول المستفيدة إقليمياً أن  تساهم في كلفة الأمن والاستقرار. ومع ذلك، فإن التحليل النقدي يرى في هذا الإجراء دليلاً على "تسليع السلام".
 
من خلال هذا الإجراء، يُعاد تعريف المؤسسات الدولية من كونها منصات تعاونية قائمة على المسؤولية الجماعية، إلى هياكل مدفوعة الأجر تُموَّل من المشاركين وتصب – بشكل مباشر أو غير مباشر – في خدمة المصالح الأمريكية. وبدل أن تموّل واشنطن النظام الدولي، يصبح النظام نفسه مصدر تمويل ونفوذ لها. بهذا المعنى، لا يُمنح مقعد «السلام» استنادًا إلى الشرعية القانونية أو الالتزام الأخلاقي، بل وفق القدرة على الدفع والامتثال. إنه نموذج صارم للعلاقات الدولية حيث تُقاس المكانة السياسية بالقدرة المالية، وتُستبدل الشرعية بالقابلية للاستثمار.
 
 
تتضح الرؤية الترامبية للسلام بشكل صارخ من دعوة شخصيات مثل  بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي للانضمام إلى مجلس السلام، رغم وضعه القانوني المعقد (مطلوب لمحكمة الجنايات الدولية بتهم جرائم حرب، ومحاكمته جارية في إسرائيل على تهم فساد).،  ودولته تحاكم على جريمة الإبادة الجماعية).
 
هذا الاختيار ليس عشوائيًا، بل يعكس إعادة صياغة ترامب لمفهوم السلام الدولي: لم يعد السلام مرادفًا للشرعية الدولية، أو لحقوق الإنسان، أو للقيم الليبرالية، بل أصبح القدرة على فرض الشروط بالقوة لتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية مباشرة للولايات المتحدة. ضمن هذا المنطق، لا يُقاس السلام بالقضاء على النزاعات أو حماية المدنيين، بل بمدى قدرة واشنطن على فرض شروطها وتحويل الصراعات إلى أدوات لتعزيز الهيمنة، مع تجاهل كامل للمعايير الأخلاقية الدولية.
 
 
يُضعف مجلس السلام، بصيغته الترامبية، الأسس التي قام عليها النظام الدولي الليبرالي بعد الحرب العالمية الثانية. فبدل التعددية القائمة على القواعد والمؤسسات، يبرز نموذج «تعددية صفقية»  تُفضَّل فيها الاتفاقات المرنة، المؤقتة، وغير المتكافئة، على الأطر القانونية  المستقرة. 
 
هذا التحول لا يهدد فقط فعالية الأمم المتحدة، بل يعيد إنتاج عالم تُدار فيه الأزمات عبر موازين القوة والقدرة على الدفع، لا عبر القانون أو الوساطة المؤسسية، ما يسرّع الانتقال نحو نظام دولي أكثر فوضوية وأقل قابلية للتنبؤ.   قد نفسردوافع الدول الإقليمية التي رحبت بالمجلس؛ بأنمشاركتها قد لا تعكس مجرد امتثال، بل سعيًا براغماتياً للحصول على "مقعد" في طاولة المفاوضات التي تقودها واشنطن، أو لتجنب عقوبات محتملة، مما يضيف طبقة من التعقيد لمفهوم  "الامتثال"
 
في المحصلة، لا يمكن فهم «مجلس السلام» بوصفه مبادرة حيادية لوقف حرب غزة، بل كأداة استراتيجية ضمن مشروع أوسع لإعادة هندسة النظام الدولي. فترامب لا يسعى إلى تغيير العالم بقدر ما يسعى إلى «ترميم» ما يراه نظامًا طبيعيًا قائمًا على التراتبية والهيمنة، مستخدمًا السلام ذاته كوسيلة لإعادة فرض مركزية أمريكية لا تتحمل كلفة النظام، بل تستفيد منه ماليًا وسياسيًا. إنه انتقال إلى نظام تقوده الولايات المتحدة،  تُدار فيه العالمية كصفقة، وتُشترى فيه الشرعية بالدولار، وتُفرض فيه القوة قبل القيم.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط