كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مجلس "سلام" ترامب والمصير الوطني

مجلس "سلام" ترامب والمصير الوطني

تاريخ النشر: 2026-01-27 | 11:07

لا يشكّل فشل القانون الدولي في ضمان العدالة للفلسطينيين مبرراً لإلغائه، ولا ذريعة لاستبداله بترتيبات سياسية جديدة تُسوَّق تحت عنوان «السلام». فالعطب الذي أصاب النظام الدولي، وفي القلب منه الأمم المتحدة، لم يكن نتاج قصور قانوني بحت أو خلل مؤسسي محايد، بل نتيجة تعطيل سياسي متكرر حين تعلّق الأمر بفلسطين. غير أن الخطر المتعاظم اليوم لا يقتصر على استمرار هذا التعطيل، بل يمتد إلى محاولة تجاوز منظومة العدالة نفسها، وإعادة تعريف السلام بوصفه إدارة للصراع لا حلاً له، وتسوية أمنية لا استجابة لحق تقرير المصير.

غزة: من مأساة مفتوحة إلى نقطة ارتكاز سياسية

في هذا السياق، يندرج ما يُعرف بـ«مجلس سلام ترامب» بوصفه مقاربة سياسية تسعى إلى تجاوز الإطار القانوني الدولي القائم، مستندة إلى الواقع الذي فرضته الحرب المدمّرة على قطاع غزة. فبدلاً من التعامل مع ما جرى بوصفه مأساة تستوجب المساءلة وإعادة الاعتبار للقانون الدولي، يجري توظيف نتائج الدمار كمنطلق لإعادة صياغة مقاربة سياسية للقضية الفلسطينية، تُدار خارج مرجعيات الشرعية الدولية، وبعيداً عن الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف.

والتمييز هنا أساسي بين تعثّر تطبيق العدالة وبين تحويل هذا التعثّر إلى مبرر لإقصائها، وبين عجز النظام الدولي عن إنصاف الفلسطينيين وبين استثمار هذا العجز لإعادة تعريف مفهوم السلام نفسه، على نحو يُفرغه من مضمونه الحقوقي.

في هذا التصور، تُستحضَر غزة لا باعتبارها جرحاً مفتوحاً في الضمير الدولي، بل كواقع قائم تُبنى عليه ترتيبات جديدة. ويُعاد اختزال القضية الفلسطينية إلى بعد إنساني، فيما تُفصل إعادة الإعمار عن سياق الاحتلال، وتُعاد صياغة العلاقة بين الأرض والسكان على قاعدة الإدارة لا السيادة، والاستقرار لا التحرر.

سلام بلا حقوق: إدارة الصراع بدل حله

ما يُطرح تحت عنوان «السلام» في هذه المقاربة لا يرقى إلى تسوية تاريخية عادلة، بقدر ما يعكس سعياً لإعادة ضبط الصراع بما يراعي موازين القوة القائمة. فالفلسطيني يُستبعَد تدريجياً بوصفه فاعلاً سياسياً، ويُعاد إدراجه كملف إنساني، فيما تُمنَح القوة القائمة بالاحتلال دور الحكم والضامن في آن واحد. وبهذا، لا يجري تجاوز القانون الدولي فحسب، بل تفريغه من مضمونه وتحويله إلى مرجعية انتقائية.

لجنة غزة الإدارية: ضرورة مؤقتة أم مدخل دائم؟

في موازاة ذلك، جاءت فكرة تشكيل لجنة إدارية لإدارة قطاع غزة بوصفها استجابة عملية لفراغ إداري وإنساني عميق خلّفته الحرب. غير أن هذه الصيغة، على ضرورتها المؤقتة، تنطوي على تحديات حقيقية إذا لم تُضبط بسقف سياسي ووطني واضح. فالإدارة، حين تُفصل عن الأفق السياسي، قد تتحول من أداة إسعافية إلى بديل مقنّع، ومن إجراء مؤقت إلى واقع دائم، تُدار فيه شؤون الحياة تحت الاحتلال بدل العمل على إنهائه.

وتزداد هذه المخاطر إذا ما تحولت اللجنة إلى قناة تمرَّر عبرها ترتيبات سياسية خارج التوافق الوطني، أو صيغ «سلام» أقل صدامية شكلاً وأكثر قابلية للتسويق دولياً، من دون معالجة جذور الصراع.

الاعتراف بفلسطين: من الرمزية إلى الفعل

في المقابل، تواجه الدول التي اعترفت بدولة فلسطين اختباراً عملياً لمصداقية هذا الاعتراف. فالإقرار النظري بحق تقرير المصير، إذا لم يُترجم إلى سياسات واضحة ترفض الالتفاف عليه، يبقى محدود الأثر. كما أن الاكتفاء بالتعبير عن التحفظ أو القلق إزاء مشاريع تتجاوز الفلسطينيين، من دون خطوات عملية لعرقلتها، يفتح المجال أمام ترسيخها كأمر واقع.

الزخم الشعبي العالمي ومتطلبات استنهاضه 

كشفت الحرب على غزة عن تحول لافت في الوعي الشعبي العالمي، تجلّى في موجة تضامن واسعة داخل المجتمعات الغربية وخارجها. غير أن هذا الزخم، على أهميته، يظل هشاً ما لم يتحول إلى قوة سياسية منظمة، قادرة على التأثير في مراكز القرار. وتتعقّد هذه المعادلة في الحالة الفلسطينية في ظل غياب مرجعية سياسية جامعة قادرة على مخاطبة هذا الرأي العام بلغة الحقوق والقانون.

ما يُطرح اليوم تحت مسمى «السلام» يعكس، في جوهره، توجهاً لإدارة نتائج الصراع لا لمعالجة أسبابه، ولتثبيت واقع فرضته القوة لا لتفكيكه. وفي غزة، لا يُختبر مصير الفلسطينيين وحدهم، بل مستقبل النظام الدولي نفسه: إما استعادة العدالة كشرط لأي سلام مستدام، أو تكريس منطق الهيمنة بما يحمله من قابلية دائمة لإعادة إنتاج العنف.

ومع ذلك، فإن اختلال ميزان القوى، مهما بدا مزمناً، لا يلغي قدرة الشعوب على استعادة زمام المبادرة حين تمتلك وضوح الرؤية وأدوات الفعل. فالفلسطينيون، رغم محاولات الإقصاء والتهميش، ما زالوا يملكون عناصر قوة كامنة تتجاوز السلاح التقليدي: شرعية قضية راسخة في القانون الدولي، وحضورًا أخلاقيًا متجددًا في الوعي العالمي، وقدرة على إعادة بناء سرديتهم الوطنية بوصفها قضية تحرر وحقوق لا ملفًا إنسانيًا عابرًا. إن تحويل هذا الرصيد إلى فعل سياسي منظّم، عبر وحدة وطنية حقيقية، وتفعيل أدوات القانون الدولي، وربط النضال الفلسطيني بالتحولات الجارية داخل المجتمعات الغربية ذاتها، كفيل بإعادة فرض القضية الفلسطينية على الأجندة الدولية بوصفها مسألة غير قابلة للشطب أو التجاهل. فالتاريخ لم يُكتب يوماً فقط بمنطق القوة، بل أيضاً بإصرار من رفضوا أن يُعرَّف مستقبلهم من قبل أعدائهم.

×
أخبار
بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط