كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

محرقة الخيام حين يصبح الوجع في غزة خيانة

محرقة الخيام حين يصبح الوجع في غزة خيانة

تاريخ النشر: 2026-07-11 | 11:07

د. سلامه  محمود ابو زعيتر
د. سلامه محمود ابو زعيتر
كل شهيق في قطاع غزة اليوم هو غصة، وكل زفير هو قطعة من الروح تغادر الجسد، فما نراه بأعيننا كل صباح، وما تطرق به مسامعنا في كل لحظة وثانية من أنين القاطنين بالخيام في معسكرات النزوح القسري، يتجاوز قدرة القواميس على الوصف؛ إنها ليست مجرد خيام، إنها أفران من نايلون وقماش بالٍ، نُصبت فوق رمال ملتهبة لتطبخ أجساد الأطفال والنساء ببطء قاتل. يعيش النازحون اليوم في برزخٍ بين الموت والحياة، يتقلبون تحت سياط لاهبة تأتيهم من كل حدب وصوب؛ سياط طائرات الاحتلال وقذائفه من فوقهم، وسياط حرارة الصيف الحارقة ورطوبة البحر الخانقة التي تذيب جلودهم، وأقسى من ذلك كله... سياط الخذلان، وتكميم الأفواه، والاستقواء، وجشع تجار الحروب الذين يشاركون في سحق ما تبقى من آدميتهم. مع اشتداد حرارة الصيف، تحولت هذه الخيام المصنوعة من البلاستيك والنايلون والأقمشة الرديئة إلى مصائد للموت الحراري؛ فالرطوبة على ساحل بحر غزة تكتم ما تبقى من هواء، لتتحول الخيمة إلى زنزانة ممتلئة بالسموم والحر المشتعل الذي يذيب الأجساد الغضة. ويلقي هذا الجحيم بظلاله الثقيلة على الجميع، ولا سيما الفتيات والنساء اللواتي فقدن داخل هذه الخيام اللاهبة أدنى حدود الخصوصية والآدمية؛ فلم يجدن مفرّاً من هذا السعير إلا اللجوء إلى الشاطئ، مستجيرات بلفحات البحر، رغماً عن تلوّثه بمياه الصرف الصحي المقززة التي طفحت نتيجة تدمير البنية التحتية. وهنا تختار الفتيات الجلوس أمام بحر ملوث يهدد أجسادهن بالأمراض والأوبئة، فقط هرباً من "الطبخ البطيء" وموت الأنفاس الذي يواجهنه مع الأطفالِ داخل الخيام. وفي وسط هذا الموت الزؤام، عندما يصرخ شاب مثقف معلناً انسداد الآفاق وانعدام الخيارات لدرجة أن الانتحار بات يراود الكثيرين كمهرب أهون من هذا العذاب الممتد... وبدلاً من التدخل والعلاج، تخرج أصوات معلبة من وراء الشاشات وفي الغرف المكيفة، لتكيل اتهامات "الخيانة" والتثبيط لكل من يصرخ! وكأن التعبير عن الوجع أصبح كفراً! وكأن المطلوب من الإنسان أن يُذبح بصمت، وأن تحترق عائلته في خيمة دون أن يئن، كي لا يخدش طهارة الشعارات. متى كانت المطالبة بالآدمية خيانة؟ ومتى كان الانفجار من شدة القهر عمالة؟! إن من يتهم النازحين بالخيانة لمجرد صراخهم تحت السياط، هو أبعد ما يكون عن فهم معنى التضحية والوطن. صرخة الوجع ليست كفراً، فلماذا تُتهم الضحية بالخيانة؟ ومَن هو الذي يعبث في الخفاء ليستكمل ما دمره الاحتلال بقتل كرامة الإنسان؟ إن إلقاء اللوم والحديث المستمر عن الصمود لا يعفي المؤسسات الدولية والمحلية والجهات المسؤولة من تحمل مسؤولياتها المباشرة؛ فهناك طرق وحلول كثيرة -على الأقل لتخفيف الواقع عاجلاً وحماية الأطفال من لهيب الشمس الحارق – وصولاً إلى الحلول الجذرية التي تنهي هذه العذابات وتوقف الحرب، ومنها: 1. إعادة تنظيم وهيكلة المخيمات بالتوقف التام عن العشوائية في نصب الخيام، والمباشرة الفورية في توزيعها بشكل هندسي يضمن مسافات بينية كافية تسمح بمرور الهواء، بدلاً من تكدسها ككتل لاهبة تسد الأنفاس. 2. مد خطوط المياه وشبكات الرذاذ والعمل على مد خطوط مياه عاجلة داخل المخيمات، وتركيب مظلات مزودة بـمراوح رذاذ الماء في نقاط تجمع الأطفال؛ وهي تقنية بسيطة وغير مكلفة، لكنها قادرة على خفض درجات الحرارة المحيطة بشكل ملموس وحماية الجلود الغضة من ضربات الشمس. 3. العزل الحراري المؤقت للخيام بتوفير شوادر ومواد عازلة للحرارة (كالخيش أو طبقات التظليل المزدوجة المرتفعة عن سقف الخيمة لإنشاء عازل هوائي)، مما يمنع أشعة الشمس المباشرة من اختراق النايلون. 4. توفير مساحات ترفيهية آمنة ومظللة للأطفال بإقامة خيام مركزية عملاقة، مهواة ومظللة بالكامل ومخصصة للأطفال كأندية مؤقتة، لإخراجهم من ضيق الخيام الساخنة وحمايتهم طوال ساعات الذروة. إن تعزيز الجبهة الداخلية لا يكون بكتم الأنفاس وتخوين المتألمين، بل بالإنصات لصرخاتهم والتحرك الفوري لإيجاد البدائل والحلول، وذلك عبر: • وقف سياط التخوين، كفوا ألسنتكم وسياط اتهاماتكم عن النازحين والموجوعين؛ فالصراخ من الألم غريزة بشرية، والإنكار على المتألم ألمه هو قمة السقوط الأخلاقي. • لجم تجار الحروب وسماسرة الأزمات الذين يشاركون النيران في حرق جيوب النازحين وقوت أطفالهم باحتكار المساعدات، ومواد العزل، والشوادر، ورفع أسعارها جنونياً. • فرض الكرامة والنظام بحماية العائلات في مراكز الإيواء وعلى الشواطئ، وتقديم الحلول المؤقتة، وتنظيم برامج المساعدات الموحدة لتصل للمستحقين بلا فئوية أو محسوبية. أخيراً: إن الصمود الفلسطيني في غزة أسطوري، وقد قدّم الأهالي من التضحيات ما تخرّ له الجبال، لكن الصمود ليس شيكاً على بياض لإذلال البشر وتدمير إنسانيتهم. لقد آن الأوان لكل مؤسسة دولية، ولكل جهة محلية، ولكل من يدعي الانتماء لهذه الأرض أن يستفيق؛ فإن إيصال جيل الشباب والفتيات إلى الكفر بكل شيء والتفكير بالانتحار نتيجة انسداد الأفق، وتحويل صراخ الضحايا إلى "ُهمة، هو الهزيمة الحقيقية التي لا يمكن ترميمها. أنقذوا ما تبقى من آدمية النازحين، بادروا بالحلول والتدخلات العملية الفورية، اسمعوا لوعتهم واحترموا صراخهم، وعززوا جبهتكم الداخلية بإنصاف الناس... فالخيام تحترق، ومعها تحترق الأرواح والعقول وكل الشعارات الزائفة!
×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط