كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

محكمة الجنايات: وصف الرئيس بـ"الظالم" ليس جرماً

ليس مألوفاً، في لبنان، أن تقرأ محكمة في السياسة في سياق حكم قضائي، فتبدي خبرة واسعة في هذا المجال، لتحكم في النهاية ببراءة مواطن من تهم التعرّض لرئيس الجمهورية. هذا ما فعلته محكمة الجنايات في بيروت، في حكم سابق اجتهدت فيه لتعلي من شأن «حريّة التعبير»، مستندة إلى الدستور وإلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان... فـ«وصف الرئيس بالظلم والديكتاتورية ليس تعرّضاً لشخصه»

مطلع العام الماضي، صدر حكم عن محكمة جنايات بيروت، برئاسة القاضية هيلانة إسكندر، برّأت فيه أحد المواطنين من تهم «التحقير» و«القدح» و«الذم» بحق رئيس الجمهورية. آنذاك، مرّ الحكم من دون أن يحدث ضجيجاً إعلامياً، على غرار الحاصل هذه الأيام، بعد سلسلة من الأحكام «الظالمة» ذات الصلة بالتهم المذكورة آنفاً.

اسم المتهم في تلك القضية جميل محو، وهو، بحسب ما ورد في الادّعاء عليه: «السكرتير العام للحزب الديموقراطي الكردي في لبنان _ البارتي». كان الفارق الزمني بين الادّعاء وصدور الحكم (الغيابي) نحو 10 سنوات. بدأت القصة عندما ورد إلى القضاء كتاب معلومات، من قوى الأمن الداخلي، يتضمن أن محو نشر على شبكة الإنترنت عدّة مقالات، أبرزها مقال بعنوان: «أربع سنوات من حكم الظلم والاستبداد». ومن جملة الصفات التي وصف بها الكتاب رئيس الجمهورية السابق، إميل لحود، أنه «ديكتاتوري» و«ظالم». حصل الادّعاء، ثم أصبح الكاتب متهماً بـ«ممارسة نشاط حزبي سرّي، عن طريق نشر كتابات على الإنترنت، من شأنها الإساءة إلى رئيس البلاد، والذمّ به، وتعكير صلات لبنان بدولة شقيقة». وصلت القضية إلى محكمة الجنايات، وعندما نظرت الهيئة فيها، برئاسة القاضية إسكندر، وجدت أن التهم المنسوبة إلى محو «على قدر كبير من الخطورة. وبغض النظر عن صواب رأي الكاتب، فإنه لا يمكن اعتبار كل من يُعارض النظام القائم، أو طريقة إدارة البلاد، مرتكباً مثل هذه الجرائم الخطيرة... وتبقى حرية الرأي هي الأساس».
هكذا، حكمت المحكمة: جميل محو «بريء». قضى الحكم بعدم تجريمه بالجناية المسندة إليه، المنصوص عليها في المادة 288 من قانون العقوبات، وبعدم إدانته بالجنحتين المنصوص عليهما في المواد 386 و337/338، إضافة إلى «إبطال التعقبات بحقه واسترداد مذكرة إلقاء القبض الصادرة بحقه». الحكم مميز، بلا شك، لأن القضاة (هيئة المحكمة) يدركون حساسية قضايا كهذه، تتعلق بحيثيات ذات طابع سياسي، وتحديداً عندما تكون مرتبطة برئيس الجمهورية وحيثية موقعه في القوانين النافذة. يمكن القول أكثر من ذلك. فمن مظاهر التميّز التي يحتاج إليها القضاة في قضايا كهذه هي علمهم بأن أحكامهم ستدخل في مصنفات «الاجتهاد» التي يركن إليها، لاحقاً، قضاة آخرون عند بتّهم قضايا مماثلة أو مشابهة. هنا تكمن أهمية هذه الأحكام.
كان لافتاً أن المحكمة لم تقتصر في «اجتهادها» على القوانين اللبنانية، بل استندت أيضاً إلى «حريّة التعبير» التي كفلها الدستور، والمكرسة في المادة 13 منه، وكذلك استندت إلى المادة 19 من «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان». استناد يبدو بديهياً للوهلة الأولى، لكون لبنان ملزماً بتطبيق كل ما جاء في المعاهدات والمواثيق الدولية التي وقّع عليها، والتي تسمو أحياناً بطبيعتها على القوانين المحلية. لكن، وبمتابعة للكثير من الأحكام القضائية في لبنان، يتضح أن حكم محكمة الجنايات المذكور جاء من «خارج السائد» (باستثناء بعض أحكام قليلة أخرى استندت خلال السنوات القليلة الماضية، خاصة في قضايا التعذيب، إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وغير ذلك من الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية الملزمة). ميزة أحكام كهذه أنها تشجّع القضاة على النظر بعيداً، وتجنّبهم الرضوخ لـ«صنمية» النص، وبالتالي الاستفادة من نصوص حقوقية دولية (لبنان موقّع عليها) للتفلت من بعض النصوص المحلية التي عفا عليها الزمن، والتي طالما اشتكى عدد لا بأس به من القضاة من كونها «لا تتناسب مع ميولهم واقتناعاتهم الحقوقية والإنسانية». أحد هؤلاء القضاة قال لـ«الأخبار»، قبل مدة، في قضية معقدة كانت أمامه: «اقتناعي الإنساني في جهة، والنص القانوني عندي في جهة أخرى، وهذه مسألة مزعجة جداً. وفي حال الاجتهاد عكس ظاهر المواد القانونية فقد يعرّضني للمساءلة والمحاسبة القضائية». وفي المناسبة، حصلت سابقاً حالات مماثلة، اجتهد فيها بعض القضاة من خارج السائد، فما كان إلا أن انهالت عليهم العقوبات المسلكية، بطرق مباشرة مثل الاستدعاء إلى هيئة التفتيش القضائية، أو غير مباشرة مثل المضايقات أو النقل من مركز إلى آخر من دون أسباب معلنة. قد يكون ما حصل مع القاضي جوني القزي خير مثال على هذا، بعدما أصدر حكمه الشهير بإعطاء أم لبنانية حق منح أولادها الجنسية اللبنانية، ليلقى من بعد ذلك ما لقي من صنوف الترهيب والتهميش المتواصل إلى اليوم. يُشار إلى أن المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على أنه: «لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقّيها وإذاعتها بأي وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية».
إلى ذلك، ثمّة نقطة أخرى كانت بارزة في حكم محكمة الجنايات بحق جميل محو، تتعلق بإعلان براءته أيضاً من الجرائم المتعلقة بـ«التنظيم السري» و«تعكير صلات لبنان بدولة شقيقة». فقد جاء في نص الحكم أن المقالات التي كتبها «ليس من شأنها أصلاً أن تعكر هذه الصلات، لأن هذه الصلات من المفترض أن تكون أقوى من بعض الآراء المعارضة، علماً بأن الكاتب أكد على إقامة أفضل العلاقات بين البلدين، مع مطالبته بتصحيح ما اعتبره شاذاً». ليس عابراً، في لبنان، أن يكون القاضي قرأ بتمعّن نصوص تلك المقالات التي ادُّعي على صاحبها بسببها، مظهراً خبرة في الأدبيات السياسية، ليخلص في النهاية إلى اعتبار التهم التي أحيل بسببها على المحكمة «خطيرة»... وليحكم في النهاية ببراءته منها. ومما جاء في نص الحكم أن «الكتابات الواردة على شبكة الإنترنت تشكل تعبيراً عن الرأي، ولا تشكل نشاطاً سياسياً خاضعاً لترخيص مسبق، ولا تُشكل، بالتالي، ممارسة لنشاط حزبي سري في لبنان». وفي مقطع آخر من الحكم، تظهر هيئة المحكمة وعياً للفرق بين التعرّض لشخص الرئيس وبين التعرّض لسياسته خلال حكمه، فترى أنه «ليس من شأن عبارات يتهم فيها الكاتب حكم الرئيس لحود بالظلم والاستبداد، واعتبار نظامه ديكتاتورياً، التعرّض لشخص رئيس الجمهورية، بل هو تعبير عن رأي الكاتب، بما يعتبر أنه كان يحصل في فترة معينة». وتضيف في النهاية: «تبقى حرية الرأي هي الأساس، ما لم يجر التعرّض بشكل جارح للأشخاص أو الحطّ من قدرهم، أو ما دامت لا تؤدي إلى تعكير الصلات بين لبنان والدولة الصديقة، والتي من المفترض أن تكون على قدر من المتانة والقوة، فلا تهتز عند أول انتقاد أو رأي مخالف».

عن الاخبار اللبنانية

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط