كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

محمد دكروب .. وداعاً أيها الشيوعي الأخير ..!

 مات محمد دكروب المثقف الماركسي الثوري العضوي الاستثنائي ، والمفكر التقدمي الطليعي المتنور البارز ، والناقد الرصين الفذ ، والمناضل الشيوعي العريق والمضيء ، حامل راية وفكر وأخلاق الطبقة العاملة الكادحة ، ومؤرخ الحركة الشيوعية اللبنانية العربية ، الذي اقترن اسمه بكتابه الموسوم "جذور السنديانة الحمراء" . مات الإنسان العصامي النبيل عاشق الحياة الى حد الثمالة ، الذي بدأ حياته سمكرياً ثم أصبح بفضل قراءاته ومطالعاته ونهله من ينابيع المعرفة والثقافة والفكر الانساني التقدمي نجماً وكوكباً ،ومن أبرز نقاد الادب ومؤسسي النقد الايديولوجي في عالمنا العربي ، ورئيساً لتحرير مجلة "الطريق" ، أشهر واعرق المجلات الفكرية اليسارية العربية ، التي اعاد اصدارها مجدداً بعد عقد من توقفها .

ومن المفارقات ان يموت محمد دكروب في خضم احتفالات الشيوعيين واصدقائهم بالذكرى الـ 89 لتأسيس الحزب الشيوعي اللبناني ، الذي كان مرآة له . وبموته يفقد لبنان والوطن العربي والحركة الماركسية والشيوعية اللبنانية والعربية علماً ساطعاً من أعلام النضال ورواد الثقافة التنويرية العقلانية والفكر العمالي والطبقي والتقدمي والصحافة الثورية اليسارية ، واحد أنبل المثقفين الماركسيين الايديولوجيين العرب ، الذي عاش ومات فقير الحال ، لا يملك شيئاً سوى ثروة كتاباته ومعتقداته وفكره واحلامه ، قابضاً على جمرة الأفكار التي آمن بها ، وانحاز اليها ، وذاد عنها ، وكرس عمره وحياته وطاقاته وحبر قلمه دفاعاً عن قيم الحرية والديمقراطية والعدل الاجتماعي والتقدم ، وعن اسمى قضية انسانية في الوجود ، قضية الطبقة العاملة المسحوقة والمناضلة لأجل التحرر والخلاص من اغلالها واستغلالها واضطهادها الطبقي .

محمد دكروب المثال ، هو من أبرز نقاد الواقعية الاشتراكية الذين ساهموا في تأسيس وترسيخ دعائم حركة النقد الماركسي الجمالي الإبداعي في لبنان والعالم العربي . ولد وترعرع في مدينة صور اللبنانية وتعلم في مدارسها لكنه ترك مقاعد الدراسة بسبب ظروف الحياة القاسية وانضم الى جمهور وصفوف العمال حيث اشتغل بائعاً للحمص والفول ثم اصبح سمكرياً ، وفي هذه الاثناء تعرف على الكاتب والمناضل الشيوعي الراحل الدكتور حسين مروة بالمراسلة ، وذلك عن طريق زميله كريم مروة ، وعن أول لقاء بينهما يقول دكروب : "في ذلك اليوم من ذلك العام 1949 كنت في الدكان الصغير العتيق بين انواع التنك والعلب وبوابير الكاز اصلح ابريقاً تنكياً معطوباً ، اسد خزوقه بالقصدير وادندن بنغم شائع ، واذا برجل أمامي مباشرة ، نحيل الجسم ، نحيل الوجه، شفتاه بارزتان ، يبتسم بود أليف ويقول : مرحباً محمد ، أنا حسين مروة .

ووقفت مرتبكاً ، يداي مصبوغتان ببقع الكاز والشحتار والصدأ وآثار الشنادر ، مددت يدي اليه ، ظلت يدانا معاً ، منذ ذلك اليوم ، وحتى يومنا هذا والى نهاية العمر ".

بعد ذلك عمل محمد دكروب عند تاجر ورق في بيروت ، وفي هذه المرحلة مدّه حسين مروة بالعديد من الكتب والأدبيات الماركسية ، فنهل من مواردها الثقافة الانسانية الجمالية التقدمية الثورية الملتزمة ، وأخذ يسمع من حسين الأحاديث عن الحزب ، وهكذا عرف طريقه للحزب الشيوعي اللبناني . ثم عمل في مجلة "الثقافة الوطنية " التي استقطبت كوكبة مشرقة من الكتاب والشعراء والصحفيين التقدميين ، وكانت منبراً للفكر الانساني التقدمي المعادي للاستعمار والرجعية ، وشنت المعارك الادبية والفكرية والحضارية ضد الثقافة البرجوازية الرجعية الشوفينية المعادية لكل ما هو انساني وجميل .

بدأ دكروب حياته الادبية بكتابة المقطوعات الادبية والقصص القصيرة ، التي صور فيها واقع قريته الوادعة وهموم الناس البسطاء الحياتية وعذابات المسحوقين الفقراء في كوكبنا . ونشر أول عمل فني له في مجلة "الطريق" اللبنانية الناطقة بلسان الحزب الشيوعي وجميع الوطنيين والتقدميين ،التي ترأس تحريرها فيما بعد ، وذلك تحت عنوان "خمسة قروش" . وفي شبابه عام 1954 اصدر مجموعته القصصية "الشارع الطويل" ، وفي العام 1980 صدر له كتاب "الأدب الجديد والثورة" ، وهو عبارة عن مجموعة من المقالات والدراسات والمناقشات والكتابات النقدية ، التي جاءت نتاج معايشات يومية ، ومعارك فكرية ، وسجالات مرتبطة بصراعات اجتماعية وسياسية عامة ، تحمل جوانب من تاريخ الصراع الايديولوجي في الحركة الثقافية والادبية التي عاشتها الأوساط الفكرية العربية خلال الستينات والسبعينات بشكل خاص ، كان قد نشرها في مجلة "الطريق" ، ويستقرئ فيها بعض النصوص حول الأدب والفن والنقد ، ويستضيء بعلم الجمال الماركسي في تحليل ونقد الاعمال الفنية ، ومناقشة قضايا الإبداع الانساني .

وعن الحافز لجمع هذه الكتابات واصدارها في كتاب يقول محمد دكروب : " ان الحافز الخاص هو الرغبة بالتحرر من هذه المرحلة للدخول في محاولات نقدية جديدة ، فلا بد من القول أيضاً ، ان من بين الحوافز العامة التي دفعت الى اختيار هذه الكتابات بالذات التي يعود بعضها الى اواخر السبعينات ، وبعضها الأقل الى نهاية السبعينات وجمعها في كتاب – هو : وضع هذا الجانب من جوانب تجربة التيار النقدي ، الذي ينتمي كتابه الى الفكر الماركسي التقدمي ، أمام عدد من النقاد الشباب العرب ، المنتمين بشكل أو بآخر الى التيار نفسه والذين يقعون بتسرعهم وبنزوعهم "اليساري" في ما سبق ان وقعت به جوانب من الحركة النقدية التقدمية خلال الخمسينات (التصنيفات السياسية والطبقية الحاسمة والقاطعة للاعمال الابداعية وللمبدعين والاكتفاء احياناً برؤية المضمون السياسي للعمل الفني بما يحجب طبيعة الفن كفن بالدرجة الأولى) في حين ان الفن الحالي في الدراسات النقدية الموضوعية والمترجمة وتنوع طرائق البحث وتوفر الاعمال المترجمة الى العربية من كتابات كلاسيكيي الماركسية .. بما فيها الكتابات حول الادب والفن ، كل هذا يتيح لهؤلاء النقاد من الشباب (كما اتاح لغيرهم من النقاد الجدد) ليس فقط تجاوز فترة الخمسينات ، بمنجزاتها وأخطائها ، بل واجراء دراسات منهجية لهذه التجربة النقدية ونقدها والارتقاء بالنقد الادبي الماركسي ، من قلب الماركسية نفسها ، الى مستويات جديدة حتى لا يعيد بعض الكتاب التقدميين في الثمانينات الأفكار نفسها والتصنيفات نفسها والأحكام القاطعة نفسها التي تعتبر من الأخطاء الطفولية للحركة النقدية التقدمية خلال الخمسينات ".

ترك محمد دكروب وراءه عدداً من المؤلفات والمنجزات والأعمال النقدية والبحثية والتاريخية اهمها : " شخصيات وأدوار في الثقافة العربية الحديثة ، وجوه لا تموت في الثقافة العربية الحديثة ، على هامش سيرة طه حسين " بالاضافة الى كتابه الشهير "جذور السنديانة الحمراء " الذي ضمنه تورخة للحركة الماركسية في بناء ونشوء الحزب الشيوعي اللبناني ، الذي كان احد اعضائه الاوفياء لمبادئه وطريقه وقناعاته .

محمد دكروب الناقد والمثقف الاستثنائي بامتياز في حياته وفكره وعطائه ، رحل بصمت وهدوء وبلا صخب ، وهو كغيره من عمالقة الفكر وأصحاب المبدأ والاستقامة الفكرية عانى الفقر والفاقة ، وضحى بروحه وحياته من اجل الناس والوطن والمجتمع والمستقبل الأفضل لكل الكادحين والمقهورين .

فوداعاً ، وطوبى لك أيها الشيوعي الأخير، والسنديانة الحمراء الباقية الراسخة ، وعهداً أن نبقى اوفياء لفكر ودرب "الطريق" ، وستظل حاضراً بقوة بيننا ، وفي ثقافتنا الابداعية التنويرية الحداثوية وفكرنا العربي المعاصر .

×
أخبار
انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط