مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

محمد علوش: الشعر بوصفه ذاكرة ووجوداً – قراءة في مشروعه الشعري

محمد علوش: الشعر بوصفه ذاكرة ووجوداً – قراءة في مشروعه الشعري

تاريخ النشر: 2025-08-03 | 15:36

يطلّ الشاعر الفلسطيني محمد علوش على المشهد الشعري العربي كصوتٍ متجذر في الأرض ووجدان الناس، لكنه في الوقت ذاته مشرع الأفق على أسئلة الوجود الإنساني ومكابداته، فمنذ مجموعته الأولى "سترون في الطريق خطاي" وحتى أحدث إصداراته "مسافر إليك"، تشكّلت ملامح مشروع شعريّ متكامل، لا يمكن قراءته إلا ضمن سياق الشعر الفلسطيني المقاوم، ولكنه في الوقت ذاته يملك فرادته الخاصة التي تمنحه مكانة متميزة بين أقرانه.

في نصوصه تتجاور فلسطين الذاكرة وفلسطين الأمل، ويتداخل الجرح الشخصي بالجرح الجمعي حتى يصعب الفصل بينهما.

يكتب علوش بوعي أن الشعر ليس فقط صرخة في وجه القهر، بل هو أيضاً بناء للمعنى، وحفظ للذاكرة، ومراودة للأمل في زمن يحاصر الروح.

إنّه شاعر يوازن بين حرارة الالتزام الوطني وشفافية البوح الإنساني، فلا يسقط في المباشرة السياسية التي تفقد القصيدة طاقتها الفنية، ولا في الانكفاء الذاتي الذي يعزلها عن هموم شعبه.

في مجموعته الأولى "سترون في الطريق خطاي" تتجلى البدايات الممهورة بالبحث عن الذات الجماعية، حيث تتنفس القصائد هواء المقاومة والانتفاض، وتتشكل الصور الشعرية من معجم الأرض والشهداء والحنين.

ومع صدور "خطى الجبل" بدا أنّ الشاعر يذهب أبعد في ترسيخ رمزية المكان الفلسطيني؛ فالجبل هنا لم يعد مجرد جغرافيا بل صار رمزاً للثبات والعزة، يحتمي به الإنسان الفلسطيني كلما اشتدّت عليه ريح الاحتلال. الصور أكثر عمقاً، والإيقاع أهدأ وأشدّ انسياباً، لكنّه لا يفقد نبرة التحدي التي تطبع التجربة من بدايتها.

وإذا كانت البدايات مشدودة إلى الجرح المباشر، فإنّ مجموعة "أتطلع للآتي" تعكس اتساع أفق التجربة باتجاه الأسئلة الكبرى للإنسان، ففي هذه المجموعة يسود صوت التأمل والاستشراف، حيث يبحث الشاعر عن إمكانات العدل والحرية في عالم يزداد جحيماً، وتتراجع المباشرة لصالح البعد الرمزي، وتزداد القصيدة كثافة وعمقاً، وكأنّ الشاعر قد أدرك أنّ صوته سيكون أكثر حضوراً إذا ما صاغ الجرح في هيئة رؤيا.

ثم تأتي "هتافات حنجرة حالمة" لتعيد للقصيدة حرارتها الهتافية، لكن ليس بنفس الحدة التي عرفناها في البدايات، وهنا يختبر علوش إمكان المزج بين الصوت الجماعي الثوري والبوح العاطفي الحميم، وفي هذه المجموعة تتلاقى صورة الشهيد مع صورة المحبّ، ويتقاطع الحلم الجماعي مع الفقد الشخصي، فيغدو النص أكثر تركيباً وثراءً.

 أما في "مسافر إليك" فإنّ النبرة العاطفية تتصدّر المشهد بوضوح، حيث تتحوّل الرحلة الداخلية للمحبّ إلى رحلة في قلب الوطن، وإلى بحث عن المعنى وسط الخراب، فالنصوص هنا شفافة، لغتها هادئة لكنها مشبعة بالإيحاء، وفيها يظهر علوش شاعراً قادراً على تحويل العاطفي والوجداني إلى رمز كوني.

ما يلفت في المشروع الشعري لمحمد علوش أنّه نجح في بناء لغة وسطى، ليست نخبوية مغلقة على القارئ، ولا تقريرية تُفقد الشعر ألقه، لغته ميسورة لكنها غنية بالتلميح والرمز، ويعتمد الصورة الممتدة التي تنسج معانيها من تفاصيل المكان الفلسطيني: الزيتون، الحجارة، الجبل، المنافي، الشهداء، الأسرى، وهذه المفردات لا تأتي كزينة لغوية بل تحمل ثقل الذاكرة الفلسطينية وتعيد إنتاجها في قالب جمالي جديد.

الإيقاع عند علوش متنوع؛ فهو يكتب قصيدة التفعيلة التي تمنحه مساحة للتدفق الموسيقي، لكنه يميل أحياناً إلى النثرية المكثفة، لا سيما في المجموعات الأخيرة، حيث تغدو الموسيقى داخلية أكثر منها خارجية، وفي كل الأحوال، فإنّ وعيه الإيقاعي حاضر، فهو يدرك أنّ الشعر الفلسطيني المقاوم قد يفقد الكثير إذا انقطع عن موسيقى الروح التي تمنحه القدرة على الوصول إلى القارئ العادي والنخبوي في آن واحد.

من الناحية الدرامية، تحضر في بعض نصوصه تقنية الحوار الداخلي وتعدد الأصوات، وهو ما يمنح القصيدة بعداً حركياً، وهذه السمة تبدو جلية في مجموعتي "هتافات حنجرة حالمة" و"مسافر إليك"، حيث يسمع القارئ أكثر من صوت في النص الواحد: صوت الأم، الشهيد، الأسير، الوطن، وحتى صوت الشاعر وهو يخاطب ذاته، وهذا التعدد يثري التجربة ويجنبها الرتابة.

القيمة الأبرز في تجربة علوش أنّها لا تكتفي بتمثيل المأساة الفلسطينية بل تسعى إلى تجاوزها نحو أفق إنساني أرحب، فالقارئ العربي أو الأجنبي يمكنه أن يجد في نصوصه صدى لأسئلته الوجودية الخاصة: معنى الحياة تحت القهر، معنى الأمل في زمن الانكسارات، وكيف يمكن للإنسان أن يحافظ على إنسانيته وسط عالم يتفتت، وهذه النزعة الكونية لا تلغي خصوصية التجربة الفلسطينية بل تمنحها بعداً مضاعفاً.

إنّ شعر محمد علوش، في جوهره، ذاكرة مكتوبة تحفظ تفاصيل المكان والإنسان الفلسطينيين، لكنه أيضاً فعل مقاومة جمالي، يعيد تشكيل العالم على نحو لا يستطيع الاحتلال النيل منه، فهو يكتب ليبقي الجبل شاخصاً في الروح، وليجعل من الزيتون رمزاً يتجدد في كل نص، وليحمل القارئ إلى الأفق الذي يراه "آتٍ" مهما طال الليل. وبهذا المعنى يمكن القول إنّ تجربة علوش تشكّل أحد النماذج الأصيلة للشعر الفلسطيني المعاصر، الذي يوازن بين الالتزام الوطني والابتكار الجمالي.

وإذا كان الشعر الفلسطيني قد عرف أصواتاً كبرى حفرت أسماءها في ذاكرة الأجيال، فإنّ صوت محمد علوش يضيف إلى هذا التراث بعداً مختلفاً، يقوم على الجمع بين البساطة والعمق، بين انفعال اللحظة التاريخية واستشراف المستقبل، فهو شاعر لا يتكئ على الخطابة ولا يركن إلى الغموض، بل يسعى إلى كتابة نصّ مفتوح على كل القراءات، يلتقط لحظة الحاضر الفلسطيني بكلّ تناقضاتها، ويحولها إلى طاقة أمل وأفق حياة.

×
أخبار
النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو الأحمد يبحث مع الاتحاد الدولي للنقابات أوضاع العمال الفلسطينيين وكالة الطاقة الدولية: نقص الديزل ربما يستمر حتى عام 2027 رغم "اتفاق روسيا" الخارجية الفلسطينية تدين افتتاح كولومبيا سفارة لدى الاحتلال في القدس المحتلة الحرس الثوري: غرق سفينة حاويات جنوب مضيق هرمز بعد اصطدامها بلغم بحري إدانة عربية وإسلامية لافتتاح كولومبيا سفارةً في القدس وتحذير من مخالفتها للقانون الدولي دبلن: فندق يُلغي حجز 70 غرفة لمشاركين في مؤتمر لمكافحة "معاداة السامية" ترامب يطالب باستبعاد مدعية نيويورك من تحقيق بشأن واقعة جامعة كورنيل الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,392 شهيدا وعد ترامب..بلفور 2: لا دولة..لا كيان فلسطيني موحد! نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط