كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

محمود أبو رجب دليلي الذي فقدته

محمود أبو رجب دليلي الذي فقدته

تاريخ النشر: 2026-09-17 | 15:08

زياد شليوط
زياد شليوط

تعود معرفتي بأبي طارق إلى ثمانينات القرن الماضي، وكانت بداية غير عادية جاءت من باب الخلاف بالرأي. يوم قرأت مقالا حول القائد العربي الراحل جمال عبد الناصر (بعد أسبوعين تحل ذكرى وفاته الـ56) في صحيفة "كل العرب" حديثة العهد في حينه، وكتبت يومها ردّا على المقال وأرسلته للمحرر الفعلي للصحيفة محمود أبو رجب، الذي لم يتردّد في نشره على عكس ما اعتدناه من معظم المحررين، مما دلّ على أنك تقف أمام صحفي مختلف في تلك الأيام. بعد نشر المقال والردّ حصل تواصل فيما بيننا، ودعاني أبو طارق لزيارة المكتب وبعد التعارف وتداول الحديث طلب مني أن أنضم الى أسرة "كل العرب"، واتفقنا على أن أعمل كمراسل ميداني، حيث عملت يومها معلما وفي نفس الوقت كنت أواصل دراستي في الجامعة وأنشط في صفوف رابطة الطلاب الجامعيين في شفاعمرو، وفعلا دخلت من هذا الحقل ولم أكن غريبا عنه.
ربطتني بالمرحوم منذ البدايات علاقة مميزة، ربما لأننا جئنا من حقل التربية والتعليم وبعده حقل الصحافة، ربما لأننا كنا متفقين في الرؤية والتفكير في مستقبلنا كشعب ومجتمع، وربما لأننا لم نكن متطابقين في التفكير والرأي، وكثيرا ما خضنا في نقاشات مختلفة خرجنا منها أكثر صداقة.
كان أبو طارق يمتلك تجربة أكبر من تجربتي في الحياة، لهذا لم أخجل من التوجه إليه طالبا المشورة والتعلّم منه، وكم كان يفتح صدره وينطلق بالحديث المطعّم بالنكتة والحكمة واللسعة، وهذا الأسلوب يروق لي، فكنت أستمع إليه وأندهش مما يحفظه من أدب قديم ومعاصر ومن ذاكرته القوية.
عملنا معا في "كل العرب" لسنوات بانسجام وتوافق واحترام متبادل، تعمقت خلالها علاقتنا وصداقتنا، وفي مرحلة ما اقترح عليّ أن أترك سلك التعليم وألتحق بالصحافة التي أحبها وأرغب فيها، لكني كنت على يقين أنها لا تضمن الاستقرار المادي ولا تعطيك الغطاء الآمن ماديا خاصة وأنك بتّ صاحب أسرة. ومن هنا تفهّم تمنعي. وأذكر أنه وقف إلى جانبي منافحا عني عندما وصلت بعض الشكاوى الظالمة عني لإدارة الجريدة، والنابعة عن توجهات سياسية ما، وكان له الفضل الأول في التصدي لمحاولات فصلي من الصحيفة.
وبعدما غادرت "كل العرب" الى موقع آخر لم تنقطع علاقتي به، خاصة وأنه بعد فترة قصيرة، غادر هو الآخر ذلك المنبر الذي طالما سهر عليه، وحرص على أن يكون من أفضل المنابر الصحفية. وأسس صحيفة أولا باسم "الميادين" وأخذت أتردد عليه وأساعده في التحرير واعداد المواد. وبعدها بفترة قصيرة أصدر صحيفة "الأخبار" التي لا تزال تصدر حتى اليوم باشراف نجله علي، فأخذت أتردد على مكاتبها ونجلس معا نتبادل الأحاديث، وكثيرا ما كان يطلعني على التحديات التي تعترض تطور مشروعه، وعن الجديد في العلاقات مع الكتاب ويفتح قلبه لأنه كان يعلم بأن ما يقوله أمامي يبقى بيننا، ثم يدعوني دائما للنشر مؤكدا أن صفحات الجريدة مفتوحة أمامي، وفعلا ظهرت مقالاتي على مدار سنوات دون تأخير أو تأجيل، حيث كنت ألقى منه التشجيع والدعم حتى لما كان لا يتفق معي في الرأي.
ومن الذكريات التي لا تنسى في هذا المضمار أنه عندما وقعت مجزرة الحافلة في شفاعمرو، عام 2005، وراح ضحيتها أربعة من بنات وأبناء بلدتي على يد جندي يميني أصولي، فتح صفحات الجريدة أمامي لتقديم التغطية الصحفية لهذا الحدث الكبير دون تدخل منه في المضامين.
ماذا ميّز أبو طارق عن غيره؟
رأيت فيه نموذجا مختلفا للصحفي العربي، يختلف معك ولا يعاديك، يبقى على حبل المودة مع أصدقائه ولا يذم الآخرين، وكم سمعت منه طيب الكلام عن خصومه، يتحدث عنهم وكأن العلاقة طبيعية بينهم، لم يحقد أو يعاد أو يجافي، وهذه صفات قلّما نجدها بين البشر العاديين كما بالحري بين الصحافيين.
تميّز أبو طارق بالرأي الحرّ والصريح، وكتب انتقادات قاسية حول قادة سياسيين في مجتمعنا تمتعوا بشعبية واسعة، مما عرّضه للهجوم القاسي وتوجيه اتهامات باطلة له، أو محاولة وضعه في قالب معين يريدونه على مقاسهم وأهوائهم، ولأني كنت قريبا منه رأيت ما لم يروه من بعيد، وكنت أناقشه مباشرة وصراحة في زياراتي له حول ما يكتبه في افتتاحيات صحيفته، التي تجلب عليه الهجوم والنقد. وتبيّن لي من خلال تلك الجلسات كم هو مخلص لشعبه ويريد الخير له، وكم هو قلق على مستقبله، لكنه لا يقبل بالنهج السائد فانتهج أسلوبا مغايرا أساء الكثيرون فهمه.
لم يبحث عن مركز أو منصب، وقدم المناصب لغيره واكتفى بما أتيح له من مساحة للعمل، تمكن من خلالها إيصال رسائله وانتهاج طريق خاص به. أدى رسالته وواجبه كما يليق بالإنسان المهني الصادق والمخلص لرسالته ومجتمعه.
كان صاحب فكر مختلف، أي أنه لم يمش مع المجموع وكأنه يرفض أن يكون من القطيع، كان قادرا على المناقشة والاقناع، واذا لم تقتنع لا تخرج من عنده غاضبا أو مناوئا، بل معجبا بما يحمله من فكر وحجّة.
أبو طارق كان الملجأ الذي أحمل إليه أحيانا همومي أو بعض المشاكل التي تعترض سبيلي في عالم الصحافة، لأستمع إلى نصيحته وإرشاده بحكم تجربته وباعه الطويلة في هذا المضمار، فهو كان يسبر غور الآخرين لأنه عرفهم على حقيقتهم عن قرب من خلال احتكاكه بهم، ومعرفة أفكارهم وتوجهاتهم وغاياتهم. وفعلا كانت مشورته تدخل الراحة إلى قلبي وتهديني إلى طريق لم أفكر به، ولا أنسى ما قاله لي مرة من باب الحرص عليّ والحفاظ على دور كنت أقوم به، هادفا الى ابعاد الضرر عني، حيث قال: اسمع يا زياد أنا أعلم أنه ليس سهلا عليك تقبّل الأوامر، لكن لو كنت مكانك لوافقت! وفعلا كان لنصيحته فاعلية في استمرار المسيرة. ألم يقل أجدادنا "أمر مبكياتك؟!"
أبو طارق، كم آلمني رحيلك وكم حزنت لفراقك، وكلّما مرّت الأيام وباعد بيننا الموت، أفتقدك أكثر وأشعر بجسامة رحيلك. كنت معلما ومرشدا وحاميا. ولهذا أعود اليوم وأقول لك على رؤوس الأشهاد: شكرا. شكرا لكلّ ما قدمته لي من توجيه وارشاد ومرافقة ورعاية. وأوجز حالي معك اليوم ببيت الشعر الذي قاله شاعرنا الجليليّ حنا إبراهيم:
وستبقى ذكراكَ ذخري وكنزي ودليلي إذا أضعتُ دليلي
رحمك الله وأبقى ذكراك خالدة عطرة.
( نص الكلمة التي ألقيتها في أمسية إشهار كتاب "أشياء للذكرى" للكاتب الراحل محمود أبو رجب، في القصر الثقافي في الناصرة، مساء الأربعاء 16/9/2026)


الموافقة على شروط النشر: 1
صورة شخصية للكاتب: received_messages_from_pages/2026-09-17/6aab0c20e3e46-1789594656.jpeg
ارفاق ملف:
روابط التواصل الاجتماعي:

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط