كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

محمود درويش.. فضاءات عالية للشعر (سليم النفار)

محمود درويش.. فضاءات عالية للشعر (سليم النفار)

تاريخ النشر: 2015-03-14 | 22:31

في هذه الايام تمر ذكرى ميلاد , محمود درويش ... وفيها متسع للحديث عن الشعر وجمالياته وعن الاحلام الكبيرة  ,والآلام التي مازالت ,تطحن قلب الانسان الفلسطيني , بل العربي ايضا.

من الاكيد انه في هذه العجالة , لن يسعفنا الوقت ,في قول ما نريد او ما يستحق القول فيه , فمحمود درويش ليس مجرد شاعر وحسب ,فهذا الشاعر الذي انطلق في ستينيات القرن المنصرم ,في الغناء للوطن ,من داخل اسوار فلسطين المعذبة , المبتلاة بأبشع انواع الاحتلالات في تاريخ الانسانية.. سرعان ما لمع نجمه وبهر صوته جموع الفلسطينيين والعرب ,فاصبح رسولا لعذابات الفلسطيني واحلامه ...ليس بالمعنى الوظيفي للشعر , بل بالمعنى التعبيري عن الذات الشاعرة , التي قبضت على احلامنا وعذاباتنا وتأملاتنا ,فابدع في خض ذلك كله ,داخل ذاته لتطفح بنهر الشعر المتدفق , متجاوزا حدود الجغرافيا , ملامسا شغاف الانسانية بكل مستوياتها ,وتعدد الوانها وجنسياتها ...لقد كان درويش وباقتدار عال : سفير الآمال والالام لإنسانية حالمة ومعذبة.

محمود موهبة متفردة في قدرتها, على صناعة العوالم الخاصة بقصيدته ,دون سواه ,ففي الفترة التي انطلق فيها من داخل فلسطين ,لم يكن بمفرده, فقد كان معه مجموعة من الشعراء ,غير انه بتفرد موهبته ,وقدرته العالية ,تجاوز الكل بحضوره ,وبروح نصه الذي مازال يشعل مساحات واسعة في وجدنا ,بل بالوجد الانساني...

ولكن محمود درويش صاحب انبل واعدل قضية سياسية و انسانية ,لم يتكئ عليها , بل صعد بها سفوح المخيلة الانسانية ,منافحا عنها وعارضا بارعا لأحلامها وهمومها ,دون ان يتنازل عن شرطه الفني .. فكيف يتنازل وهو الذي حذر مبكرا العالم ,من مغبة التعاطي مع الشعر الفلسطيني من باب الحب والعطف السياسي ,وله في ذلك مقولته الشهيرة : التي اطلقها في مقال في مجلة الطليعة في العام 1968

-انقذونا من هذا الحب القاسي –

بمعنى انه ادرك منذ البدايات خطورة التعاطي مع الشعر  ,من باب العطف لان نبل القضية لا يكفي لصناعة شعر عظيم ولان هذا الشعر الفلسطيني ليس هو الا جزء من الحالة الشعرية العربية ,والانسانية ولابد من النظر اليه ومحاكمته وفق المعاير الفنية للشعر , وليس لا ي شيء اخر ... من هذه الرؤية الواضحة استطاع محمود درويش ان ينطلق , ويتواصل في بناء صرح نصه الشعري ,المتجدد حيث لم يتوقف عن تطوير ادواته ,فكان دائما يفاجئ جمهوره بالجديد والجميل ,في الشكل والروح وحجم المعرفة ...فقد استطاع ان يسخر معارفه التاريخية المتعددة والاسطورية لصالح نصه ,وبسلاسة جدول الماء الذي ينداح من علٍ عبر ادغال واسعة ... نعم  لقد انداح شعر درويش في مساحة واسعة جدا ملامسا حس الجماهير الفلسطينية والعربية والانسانية بكل تنويعاتها ومحاملها الثقافية.

فهو الذي قال :

يا دامي العينين والكفين ان الليل زائل

لا غرفة التعذيب باقية ولا زرد السلاسل

نيرون مات ولم تمت روما بعينيها تقاتل

لم يتوقف عند فعل التحريض والحض على الثورة , ومقاومة الاحتلال ,على الرغم من انه قدم ذلك في شرطه الفني ,ولكنه دائما كان يمتلك قدرة التنقل من فضاء الى اخر , متسلحاً بحساسيته العالية ورؤيته الفذة :جمالياً وسياسياً في بناء النص المتجاوز و المدهش ,المتأمل للحالة التي تجعل من درويش دائم القلق في الحالة ذاتها ,ابداعيا وانسانيا ,فنراه يقول :

يطير الحمامُ / يحطُّ الحمامْ

أعدي ليَ الارض كي استريح

فاني احبك حتى التعبْ

أو في ديوانه أثر الفراشة :

أَثر الفراشة

أَثر الفراشة لا يُرَى

أَثر الفراشة لا يزولُ

هو جاذبيّةُ غامضٍ

يستدرج المعنى، ويرحلُ

حين يتَّضحُ السبيلُ

هو خفَّةُ الأبديِّ في اليوميّ

أشواقٌ إلى أَعلى

وإشراقٌ جميلُ

هو شامَةٌ في الضوء تومئ

حين يرشدنا الى الكلماتِ

باطننا الدليلُ

هو مثل أُغنية تحاولُ

أن تقول، وتكتفي

بالاقتباس من الظلالِ

ولا تقولُ…

أَثرُ الفراشة لا يُرَى

أُثرُ الفراشة لا يزولُ!

هذا الشاعر الغنائي الملحمي حسب وصف ريتسوس الشاعر اليوناني استطاع بغنائيته ان يحشد كل الاصوات المختلفة بكل ثقافاتها داخل نصه بأفق ملحمي , مجسدا عذاباته  واماله , والتي هي عذابات وامال  شعب بل امه بأكملها , التاريخ مسرحه المفتوح حسب وصف الناقد –صبحي حديدي- يختار ما يناسب النص من شخوص وحالات , ليجسدها على دكة المسرح الخاص به ,في اسطر قصيدته التي تضج دائما بحلم الانسان ,بلحظة فرح...

لقد كان درويش عميق الانصات للحوار السري بين الانسان والطبيعة ,حسب وصف الناقد :شاكر النابلسي وسريع الالتقاط لهمسات المعاني الملتبسة في تراكيب اللغة...وهو صياد ماهر للحظة الشعرية في هذا الاتجاه ...وهذا ما يفسر احتلاله لهذه المكانة المرموقة في الشعر العربي والانساني ... فقد كان كما اسلفت رسول الآمال والالام  لامة بأكملها ,ولكن في قصائده الاخيرة تشعر بعلو الحزن ,وبديمومة الترحال ,ربما لأنه ادرك بحسه العالي ,طول الرحلة المؤلمة وتواصلها ,وبان النهايات مازالت بعيدة المنال ,ويتضح ذلك في قصائده :يطير الحمام يحط الحمام ,اذا ينهي القصيدة هذه بقوله :يطير الحمام يطير الحمام...على الرغم من انه كان يدرك اتساع الرحلة منذ البدايات وقد تجلى ذلك في قصيدته مديح الظل العالي :

مديح الظل العالي

بحر لأيلول الجديد , خريفنا يدنو من الابواب

بحر للنشيد المر ,هيأنا لبيروت القصيدة كلها

بحر لمنتصف النهارِ

بحر لرايات الحمام , لظلنا ,لسلاحنا الفردي

بحر للزمان المستعار

ليديكَ , كم من موجةٍ سرقت يديك

من الاشارة وانتظاري

ضعْ شكلنا للبحر ,ضعْ كيس العواصفِ عند اول صخرةٍ

واحملْ فراغكَ وانكساري

واستطاع القلبُ ان يرمي لنافذةٍ ,تحيته الاخيرةْ

واستطاع القلب ان يعوي ,وان يعدَ البراري

بالبكاء الحر

بحر جاهز من اجلنا

دع جسمك الدامي يصفق للخريف المر اجراسا

ستتسع الصحاري

×
أخبار
مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط