كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

محمود عباس... حين يصادر الحاكم حق الشعب في محاسبته

محمود عباس... حين يصادر الحاكم حق الشعب في محاسبته

تاريخ النشر: 2026-08-03 | 17:35

إدوارد كتورة
إدوارد كتورة

ليست المشكلة في أن يحكم رئيس سنوات طويلة، بل في أن يتحول الزمن نفسه إلى أداة حكم. ليست الأزمة في طول الولاية، بل في غياب نهايتها. وحين يصبح الرئيس هو المرجعية العليا لكل مؤسسة، ويتحول القانون إلى نص قابل للتعديل كلما اقتضت مصلحة السلطة، وتصبح المؤسسات الوطنية مجرد أختام تصادق على ما يُقرر سلفاً، فإن القضية لم تعد قضية شخص، بل قضية نظام سياسي فقد مبرر وجوده الديمقراطي.

هذا هو المشهد الفلسطيني اليوم.

بعد أكثر من عقدين في موقع القرار، لم يعد محمود عباس مجرد رئيس للسلطة الفلسطينية، بل أصبح الرجل الذي تلتقي عنده خيوط السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية وأجهزة القرار السياسي والدبلوماسي، في ظل غياب انتخابات عامة تعيد إنتاج الشرعية، ووسط تعطيل طويل للمجلس التشريعي وتراجع واضح في منظومة الرقابة والمساءلة.

السلطة التي وُلدت بوصفها مشروعاً انتقالياً نحو الدولة، تحولت تدريجياً إلى سلطة تدير نفسها بنفسها، وتراقب نفسها بنفسها، وتحاسب نفسها بنفسها. وعندما تكون الخصم والحكم في آن واحد، فإن أول الضحايا هو المواطن.

لقد تحولت الانتخابات من استحقاق دستوري إلى وعد مؤجل، ثم إلى استثناء، ثم إلى ذكرى سياسية. وكلما ارتفعت الأصوات المطالبة بالاحتكام إلى صناديق الاقتراع، حضرت التبريرات ذاتها: الاحتلال، الانقسام، الظروف الإقليمية، أو الاعتبارات الأمنية. وربما تحمل هذه العوامل جزءاً من الحقيقة، لكنها لا تفسر وحدها غياب أي أفق زمني واضح لإعادة الشرعية الشعبية إلى المؤسسات.

وفي ظل هذا الواقع، برزت انتقادات فلسطينية متكررة تتحدث عن تركّز القرار داخل دائرة ضيقة من المسؤولين والمقربين، وعن تراجع التعددية داخل مؤسسات الحركة والسلطة والمنظمة، كما أثيرت تساؤلات سياسية وإعلامية حول مستقبل القيادة وإمكانية انتقال النفوذ داخل الدائرة الحاكمة، وهي قضايا بقيت محل جدل واسع ولم تُحسم بوقائع رسمية.

المشكلة أن السلطة المطلقة لا تحتاج دائماً إلى الدبابات كي تستمر؛ يكفي أن تُعطّل المؤسسات، وأن تُفرّغ القوانين من روحها، وأن يتحول الولاء إلى معيار للتقدم، فيما يصبح الاختلاف عبئاً، والنقد مغامرة، والمعارضة تهمة جاهزة.

ولعل أخطر ما يصيب أي نظام سياسي ليس فساد المال، بل فساد الفكرة. عندما يقتنع الحاكم أن الدولة لا تستقيم إلا به، وأن المؤسسات لا تعمل إلا بإرادته، وأن التداول السلمي للسلطة خطر على الاستقرار، فإن الدولة تدخل مرحلة الشيخوخة السياسية حتى وإن بقيت مؤسساتها قائمة شكلياً.

التاريخ مليء برؤساء اعتقدوا أن مواقعهم فوق المساءلة، لكن الشعوب والدساتير قالت كلمتها في النهاية. في كوريا الجنوبية عُزلت الرئيسة Geun-hye بعد احتجاجات واسعة وإجراءات دستورية. وفي البرازيل أُقيلت Dilma Rousseff عبر آليات المحاسبة الدستورية. واضطر Richard Nixonإلى مغادرة البيت الأبيض تحت ضغط المساءلة السياسية، بينما مثل الرئيس الفرنسي السابق Nicolas Sarkozy أمام القضاء بعد انتهاء ولايته.

هذه الأمثلة لا تعني أن الحالات متشابهة، لكنها تؤكد قاعدة واحدة: المنصب العام ليس حصانة دائمة، والشرعية لا تُمنح مرة واحدة إلى الأبد.

أما فلسطين، فتعيش مفارقة مؤلمة. شعب يطالب العالم يومياً بالعدالة، لكنه ينتظر عدالة داخلية مؤجلة. شعب يطالب بحقه في تقرير مصيره، لكنه لم يُتح له منذ سنوات أن يقرر من يحكمه عبر انتخابات عامة. وشعب يرفع راية الحرية في مواجهة الاحتلال، بينما يدور في الداخل نقاش متواصل حول حدود الحريات السياسية والإعلامية وآفاق الإصلاح.

وهنا يفرض السؤال نفسه، لا بوصفه شعاراً سياسياً، بل باعتباره جوهر أي نظام يحترم مواطنيه:

إذا كانت صناديق الاقتراع غائبة، وإذا كانت المؤسسات الرقابية ضعيفة أو معطلة، وإذا كانت أدوات المحاسبة القانونية محدودة الفاعلية، فمن يحاسب الرئيس؟

وهل يجوز أن يبقى أي مسؤول، مهما علا منصبه، خارج دائرة المساءلة الشعبية؟

إن القضية ليست إسقاط شخص أو تصفية حساب سياسي، بل استعادة مبدأ. فالأوطان لا تُبنى بالولاءات، بل بالمؤسسات. ولا تُحمى بالتمديد، بل بالتداول. ولا تستمر بشرعية الماضي، بل بثقة الحاضر.

قد يكون السؤال الأكثر إزعاجاً في المشهد الفلسطيني اليوم هو أيضاً الأكثر ضرورة:

هل صادر محمود عباس حق الفلسطينيين في محاسبته، بعدما أصبحت معظم أدوات المحاسبة السياسية والقانونية خارج متناولهم؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ليست مسؤولية الرئيس وحده، بل مسؤولية كل النخب السياسية والفصائل والمؤسسات والمجتمع المدني. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي قضية وطنية عادلة هو أن تفقد مناعتها الديمقراطية من الداخل، بينما تطالب العالم بالدفاع عنها من الخارج.

×
أخبار
مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط