كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

محنة الديمقراطيات.. ومخاوف الفاشية

محنة الديمقراطيات.. ومخاوف الفاشية

تاريخ النشر: 2023-01-12 | 13:10

ما بين أحداث برازيليا في الثامن من يناير (كانون الثاني) 2023، وأحداث واشنطن في السادس من يناير 2021، كثير من التشابهات والتقاطعات. ففي مناظر أعادت إلى الأذهان أحداث اقتحام مبنى الكونغرس الأميركي، وجددت الحديث عن محنة الديمقراطيات، هاجم أنصار الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو يوم الأحد الماضي الحي الحكومي في العاصمة واقتحموا مقار البرلمان والمحكمة العليا وقصر الرئاسة، واشتبكوا مع الشرطة لساعات قبل أن تستعيد السلطات السيطرة على الوضع. مثل أنصار الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، فإن أنصار بولسونارو يرفضون الإقرار بهزيمته في الانتخابات الرئاسية الماضية، ويرفضون شرعية الرئيس المنتخب لويس إيناسيو لولا دا سيلفا ويريدون إطاحته.
في الحالتين سلطت الأحداث الأضواء مجدداً على حقائق مقلقة للكثيرين، وهي التحدي الذي يمثله تنامي تيار اليمين القومي المتطرف، وتأثير أنصار نظرية المؤامرة، وصعود سياسيين شعبويين، وهشاشة الديمقراطية عندما يستخدم بعض القادة السياسيين أنصارهم لتهديد مؤسساتها وتقويض مبادئها. فالسياسيون الذين يرفضون الاعتراف بنتائج الانتخابات إلا إذا جاءت لمصلحتهم، يقوّضون ركناً أساسياً من أركان الديمقراطية وهو مبدأ التداول السلمي على السلطة عبر صناديق الاقتراع. وعندما ينتقل الأمر من مجرد التشكيك في الكلام، إلى أحداث عنف واقتحام مؤسسات ورموز السلطة، فإن التهديد يصبح أخطر.
الحقيقة أنه منذ أحداث اقتحام مبنى الكابيتول في واشنطن قبل عامين كان متوقعاً أن تيارات الشعبويين واليمين القومي المتطرف، قد تجد فيها محفزاً لنقل معاركها مع الحكومات المركزية إلى مستوى آخر لا يقف عند حد حملات التشكيك ونظريات المؤامرة، بل يصل إلى حد محاولة تقويضها والانقلاب عليها.
ألمانيا على سبيل المثال استيقظت على أنباء مخيفة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) الماضي عندما أعلنت السلطات عن إحباط محاولة انقلابية استهدفت إسقاط النظام الديمقراطي بتنفيذ هجمات مسلحة واغتيالات واقتحام مقر البرلمان والاستيلاء على مؤسسات السلطة، وتشكيل حكومة عسكرية «مؤقتة». وفي حملة مداهمات شملت 11 ولاية اعتقلت السلطات عشرات المشتبه بهم من اليمين القومي المتطرف وبالأخص من حركة «رايخسبورغ» أي «مواطنو الرايخ»، وهي حركة لا تعترف بالدولة الألمانية القائمة وتؤمن باستمرار إمبراطورية الرايخ. وقد ظلت أجهزة الاستخبارات الألمانية تراقب الحركة منذ سنوات وتحذر من نشاطاتها وحملاتها للتعبئة والتجنيد بما في ذلك استقطاب عسكريين سابقين.
أميركا فيها مثل هذه الحركات التي تعادي السلطة المركزية وتريد تقويضها ولو بالعمل العسكري والإرهاب، ولعل تفجير أوكلاهوما الذي نفذه في عام 1995عسكري سابق هو تيموثي ماكفي بمساعدة شريك آخر هو تيري نيكولز، كان مؤشراً على ذلك. أوروبا وحتى أستراليا ونيوزيلندا وكندا فيها حركات من اليمين المتطرف التي لا تتورع عن استخدام الإرهاب والسلاح، وتنسق أو تتأثر ببعضها البعض مثلما اتضح في أحداث كثيرة ومنها الاعتداءات التي استهدفت المهاجرين والمسلمين.
أنصار بولسونارو في البرازيل دعوا صراحة الجيش للتدخل، واعتصموا أمام مقر قيادته منذ إعلان فوز لولا دا سيلفا في الانتخابات الرئاسية مطالبين بانقلاب على الرئيس المنتخب، قبل أن يلجأوا يوم الأحد الماضي إلى اقتحام الكونغرس والمحكمة العليا وقصر الرئاسة. الدعوة للانقلاب لم تأتِ من فراغ، إذ تساءل كثيرون منذ وصول بولسونارو، النقيب السابق في الجيش، إلى السلطة في عام 2018، ما إذا كانت الديمقراطية البرازيلية ستصمد في عهده. فالرجل عرف عنه إعجابه بعهود الديكتاتورية العسكرية في البرازيل، ولديه تصريحات كثيرة في هذا الشأن حتى خلال رئاسته، بل إنه لوّح بإعادة فرضها على البلاد.
خلال العامين الأخيرين شحن بولسونارو أنصاره، وسار على نهج ترمب في القول إنه إذا خسر الانتخابات فسوف يعني ذلك أنها مزورة، وأن البرازيل ستواجه كثيرا من المشاكل. بل إنه لوح «بالحرب» ضد من وصفهم باللصوص الذين يريدون سرقة الانتخابات، وقال إن البرازيل ستواجه وضعاً أسوأ مما حدث في واشنطن في 6 يناير 2021.
صحيح أن الجيش لم يستجب لدعوات أنصار بولسونارو بالتدخل، لكن السلطات البرازيلية تشعر بالقلق من احتمال وجود عناصر عسكرية قد تستغل الأوضاع إذا تدهورت. الأمر الآخر أن أحداث الأحد الماضي كشفت أن الشرطة تباطأت في التدخل، وأن عدداً من عناصرها كانوا يتسامرون مع المحتجين المتوجهين لاقتحام المقار الحكومية، ويلتقطون صور «سيلفي» معهم بدلاً من التصدي لهم.
وإذا كان بولسونارو وأنصاره يشكلون الآن مصدر قلق للحكومة البرازيلية، فإن الرئيس السابق قد يصبح مصدر حرج للولايات المتحدة. فهو يقيم منذ هزيمته في الانتخابات الماضية، في ولاية فلوريدا الأميركية، ليس بعيداً عن «صديقه السياسي» ترمب. وجاء إلى فلوريدا قبيل تنصيب لولا دا سيلفا رافضاً نقل الوشاح الرئاسي لخصمه اللدود، في خطوة تعكس رفضه الاعتراف بهزيمته الانتخابية، والتشكيك في شرعية لولا وهو الخط الذي ينتهجه أنصاره من خلال احتجاجاتهم التي يطالبون فيها بتنحي الرئيس، قائلين إن مكانه هو السجن وليس القصر الرئاسي.
ورداً على اتهامات لولا له بدعم «الفاشية» وأعمال الشغب الأخيرة، أصدر بولسونارو رداً مقتضباً عبر فيه عن إدانته «لاقتحام ونهب المباني العامة»، وتأييده للاحتجاجات الشرعية السلمية. إلا أن ذلك لم يمنع سيل الانتقادات الواسعة التي اتهمته بشحن أنصاره الذين يريدون الانقلاب على الشرعية الديمقراطية، وينادون بتدخل الجيش لتسلم السلطة وإنهاء رئاسة لولا. كما أن عدداً من أعضاء الكونغرس الأميركي دعوا إلى طرده وعدم السماح له بتحويل مقر إقامته في فلوريدا إلى ملاذ لتقويض الديمقراطية في بلاده.
وسط هذه الأجواء ترددت تكهنات بأن بولسونارو ربما يتوجه للإقامة في إيطاليا إذا تصاعدت الأصوات المطالبة بإبعاده من فلوريدا وإعادته إلى بلاده التي ربما تحاكمه إذا ثبت ضلوعه بأي شكل في الأحداث التي أدت إلى اقتحام المباني الحكومية في برازيليا. أما لماذا إيطاليا، فلأنها حالياً تحت حكم أحزاب اليمين القومي المتطرف بقيادة رئيسة الوزراء جيورجيا ميلوني التي قادت حزبها «إخوان إيطاليا» المتجذر في بقايا الفاشية، إلى انتصار مذهل في الانتخابات الماضية، قض مضاجع أوروبا القلقة من تنامي مد اليمين القومي المتطرف والسياسيين الشعبويين.
انتقال بولسونارو إلى إيطاليا أو أي بلد أوروبي آخر لن يكون موضع ترحيب من الكثيرين، لأن القارة لديها مشاكلها وهمومها، وقد سارعت السلطات الإيطالية إلى نفيه. فالرئيس البرازيلي المهزوم سيكون مصدر قلق حيثما حل، لا سيما أن البرازيل قد تكون مرشحة لاضطرابات أخرى مقبلة في ظل التحديات الكثيرة التي تواجهها حكومة لولا دا سيلفا، وقد تكون هناك فصول أخرى لم تكتب بعد لتداعيات أحداث الأحد الماضي في العاصمة برازيليا.
في كل الأحوال فإن تلك الأحداث أعادت النقاش المحتدم منذ اقتحام مبنى الكابيتول في واشنطن، حول التحديات التي تواجهها الديمقراطيات بسبب خطابات الشحن والتأجيج من القيادات الشعبوية، وفي ظل صعود اليمين القومي المتطرف في أكثر من مكان. صحيح أن التهديد للديمقراطيات الراسخة أو الناشئة ليس أمراً جديداً، لكنه أصبح اليوم ظاهرة قابلة للانتقال السريع بسبب الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي التي فتحت المجال واسعاً لحروب الإشاعات التي تغذي التأجيج، ووفرت منصات أتاحت للمتطرفين الترويج لأفكارهم.

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط