كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

محور فيلادلفيا: ورقة تفاوضية أم مصلحة استراتيجية إسرائيلية؟

محور فيلادلفيا: ورقة تفاوضية أم مصلحة استراتيجية إسرائيلية؟

تاريخ النشر: 2024-09-14 | 13:36

برز الحديث في الشهرين الماضيين حول الإصرار الإسرائيلي على الاحتفاظ بالسيطرة على معبر رفح ومحور فيلادلفيا الفاصل/ الواصل بين قطاع غزة ومصر (14 كيلومتراً)، كقضية رئيسية في المفاوضات لعقد صفقة بين الاحتلال الإسرائيلي وحماس.

تضخيم أهمية السيطرة على محور فيلادلفيا:

سعى نتنياهو لتضخيم أهمية السيطرة على محور فيلادلفيا، ووصل ذلك ذروته في مؤتمر صحفي تحدث فيه ستين دقيقة مدافعاً عن الأهمية الاستراتيجية للبقاء هناك، معتبراً إياه "صخرة وجود" للاحتلال، وأنه كان أنبوب الأكسجين (شريان حياة) لحماس، وأن تحقيق أهداف الحرب يمر عبر السيطرة على هذا المحور، وأنه لن ينسحب منه، وأن الاحتلال الإسرائيلي هو الذي سيدير الأمن في قطاع غزة ما بعد الحرب وسيمنع التهريب.

لم يُجب نتنياهو عن سبب البروز المفاجئ للأهمية الاستراتيجية للمحور، إذ إنه لم ينتبه له إلا في الشهر الثامن للحرب، بالرغم من وجود وزراء أثاروا الأمر في اليوم الأول، بحسب ما ذكر آيزنكوت رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق.

وبينما كانت المفاوضات غير المباشرة تجري مع حماس للوصول إلى صفقة، انعقد اجتماع للحكومة الإسرائيلية مساء الخميس 29 آب/ أغسطس 2024، قام نتنياهو باستصدار قرار من الحكومة بالبقاء في فيلادلفيا، ليغلق الباب عملياً أمام المفاوضات، بتثبيت عقدة لم تكن موجودة أصلاً في المسودات السابقة التي وافق عليها الاحتلال نفسه. وقد طرح المفاوضون الإسرائيليون في الدوحة الاحتفاظ بالسيطرة على خمس نقاط مراقبة بعمق 300–400 متر لكل منها. وهذا بخلاف توجه وزير الجيش الإسرائيلي جالانت والمنظومة الأمنية التي ترى ضرورة الانسحاب من المحور كجزء من الصفقة، باعتبار أن "الإنجازات" التي تحققت في غزة تسمح بالالتفات للشمال والتركيز عليه.

كان نتنياهو يرغب من خلال سيطرته على محور فيلادلفيا متابعة تطبيق رؤية اليمين القومي والديني المتطرف لمستقبل قطاع غزة، فإذا نجح في ذلك فسيظهر بمظهر البطل المنقذ للكيان، وإذا لم ينجح فسيستخدمه ورقة للمساومة والابتزاز السياسي والأمني ولاستحصال مكاسب وضمانات تضاف إلى "الصفقة" مع حماس؛ وفي كلتا الحالتين، سيضمن إطالة عمر حكومته (وعمره السياسي) لأكبر مدى ممكن.

أسئلة مُعلّقة:

غير أن تقديم نتنياهو مسألة الاحتفاظ بالمحور باعتبارها مسألة استراتيجية حيوية جعلته في وضعٍ غير مريحٍ. فماذا لو فشل في تحصيل أي موافقة أو تعاون فلسطيني أو عربي أو دولي؟ وماذا لو استمر الأداء الفعال للمقاومة واستمر النزيف الإسرائيلي؟ وماذا لو فشل تحرير المحتجزين (الأسرى) لدى المقاومة واستمر موتهم أو قتلهم؟ وماذا لو طال الغرق في مستنقع الحرب عسكرياً وأمنياً واقتصادياً واشتدت العزلة الدولية؟! وماذا لو اتسعت المعارضة والضغط الداخلي الإسرائيلي؟ وماذا لو تصاعدت المقاومة في الضفة؟ وماذا لو تصاعدت ضربات المقاومة من جنوب لبنان واليمن…؟!

المعارضة الإسرائيلية:

لعل زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد اختصر حقيقة الموقف الإسرائيلي بأن ما يهم نتنياهو ليس محور فيلادلفيا، وإنما محور بن غفير – سموتريتش. بمعنى أن موضوع المحور ليس مسألة استراتيجية، مرتبطة بالمصالح العليا والأمن القومي، وإنما هي مسألة تكتيكية مرتبطة ببقاء الحكومة الإسرائيلية واستمرار نتنياهو في منصبه، باعتباره مرتهناً في ذلك للصهيونية الدينية التي يقودها بن غفير وسموتريتش.

ولذلك، فبالنسبة لإيهود باراك رئيس الوزراء ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق فإن "فيلادلفيا ليست صخرة وجودنا، بل هي الدوران الأجوف لمقامر قهري [نتنياهو] يقامر بحياة المواطنين الذين تخلى عنهم".

وقد كشف آيزنكوت أن نتنياهو ذكر في تنظيره للسيطرة على المحور كل التواريخ، لكنه تجاهل التاريخ الأهم وهو يوم 27 أيار/ مايو 2024 عندما تم تمرير مشروع اتفاق الصفقة مع حماس على أعضاء الحكومة الإسرائيلية، حيث تأكد وجود غالبية موافقة، لكن نتنياهو رفض عرضه على الحكومة للتصويت، لأن شريكيه الرافضين للاتفاق بن غفير وسموتريتش يمسكان به من الحلق (من رقبته).

وفي رأي آيزنكوت، فإن مسألة الاستراتيجية هي ادّعاءٌ غير صحيح، إذ إن هناك حلولاً استخباراتية وتكنولوجية وعملياتية لمنع التهريب، وإنه منذ قام المصريون بإغلاق الأنفاق وبناء الحاجز تحت الأرض "لم تعد هناك أنفاق تُختَرق، ولم يمر أي دبوس"!!

أما هرئيل القائد السابق للمنطقة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي فقد دان نتنياهو وقال إنه لا يريد التوصل إلى صفقة لإطلاق المحتجزين (الرهائن) لكي تستمر الحرب إلى ما لا نهاية. وقال إن نتنياهو نسف الاتفاق 12 مرة، وإنهم عالقون في غزة، والمقاومة في الضفة تتزايد، والشمال ببساطة مهمل.

رفض فلسطيني وعربي ودولي:

ومن ناحية أخرى، فثمة رفض فلسطيني على التعامل مع الأمر الواقع الذي يريد أن يفرضه نتنياهو في محور فيلادلفيا، وكذلك هناك رفض مصري وعربي، وهناك رفض عالمي بما في ذلك وسط الحلفاء الغربيين، والأمريكان أنفسهم لا يبدون مرتاحين لذلك، ومقترحاتهم المقدمة ما زالت تتضمن انسحاباً إسرائيلياً من المحور، ويرون أن خطاب نتنياهو (بحسب مصدر أمريكي رفيع لسي أن أن CNN) أفشل كل المفاوضات.

فإذا لم يجد نتنياهو من يتعامل معه فكيف سيمضي في برنامجه؟!

تحول داخلي يهُزُّ استراتيجية نتنياهو:

جاء مقتل الأسرى الإسرائيليين الستة يوم الجمعة 30 آب/ أغسطس بعد أن فشل الجيش في "تحريرهم"، ليشكل أول هزة قوية لنتنياهو و"استراتيجيته"، وليُحدث تحولاً مهماً في الرأي العام الإسرائيلي؛ إذ أشعلَ غضب أهالي الأسرى الذين زادت قناعتهم بفشل استراتيجية نتنياهو في تحرير الأسرى، وأنهم في أحسن الأحوال لن يعودوا إلا في توابيت.

وقد أدى ذلك إلى موجة تعاطف واسعة مع أهالي الأسرى، كما أعطى المعارضة مزيداً من المبررات للهجوم على نتنياهو وتحالفه. وقد ذكر موقع حدشوت بزمان العبري في تغطيته للمظاهرات يوم الأحد الأول من أيلول/ سبتمبر 2024 أن "إسرائيل" اختارت الأسرى، حيث جرت المظاهرات الأضخم في تاريخ "إسرائيل" عندما خرج حوالي 700 ألف متظاهر للمطالبة بصفقة للإفراج عن الأسرى.

كما أن مقتل الأسرى الستة دفع وزير الجيش الإسرائيلي جالانت من جديد للمطالبة باجتماع للحكومة، للتراجع عن قرار البقاء في فيلادلفيا.

المؤشر الثاني جاء في استطلاعات الرأي التي أظهرت أن "شهر العسل" الذي تمتع به نتنياهو، بعد عودته من الولايات المتحدة، وبعد اغتيال هنية وشكر، قد انتهى؛ فتراجعت شعبيته وفقد صدارته. وأظهر استطلاع لمعاريف نشر في 30 آب/ أغسطس أن غانتس عاد للصدارة للمرة الأولى منذ أسابيع. كما أظهر استطلاع آخر أجرته قناة "كان" الإسرائيلية ونشر في 4 أيلول/ سبتمبر أن 53% من الإسرائيليين يؤيدون الانسحاب من محور فيلادلفيا من أجل إبرام صفقة أسرى، مقابل 29% فقط يعارضون ذلك. كما أظهر الاستطلاع أن 61% من الإسرائيليين لا يثقون بإدارة نتنياهو للحرب، مقابل 32% فقط يثقون بإدارته.

خلاصة:

من الواضح أن نتنياهو اصطنع عقدة محور فيلادلفيا، وضخَّمها كمسألة "استراتيجية" لإفشال المفاوضات، ولإطالة أمد حكومته وحياته السياسية. وهو سيتراجع عنها ويحولها إلى مسألة تكتيكية تفاوضية، مع مزيد من ضغط المقاومة، ومع مزيد من تساقط أسراه نتيجة عناده وإصراره على الحرب، ومع مزيد من الضغوط الداخلية، ومع الرفض الفلسطيني والعربي والدولي للأمر الواقع الذي يريد فرضه. ولذلك، فمن المرجح أن يقدم نتنياهو تراجعه عن المطالبة بمحور فيلادلفيا في صورة "تضحية" كبيرة وتنازل ضخمٍ، مقابل أكبر قدر من المكاسب والضمانات. وعلى المقاومة ومؤيدوها أن يوضحوا بجلاء أن مسألة فيلادلفيا لم تكن أصلاً على أجندة المفاوضات، وأن تراجع نتنياهو عنها لا يزيد ثمنه عن "صفر" مجللاً بالفشل والعار، ومُثبتين كذلك نجاح المقاومة في فرض أجندتها وإرادتها.

×
أخبار
أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط