كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مخاطر تديين الصراع

مخاطر تديين الصراع

تاريخ النشر: 2022-05-08 | 08:09

نهاد أبو غوش
نهاد أبو غوش

انتشرت في الأسابيع الماضية دعوات وأفكار تستجيب لتحويل الصراع في فلسطين إلى حرب دينية، جاء ذلك ردا على ما تقوم به حكومة الاحتلال من تشجيع لغلاة المتطرفين، وتمكينهم من اقتحام المسجد الأقصى وتدنيسه، بل وتبني حكومة بينيت – لابيد، التي يغلب عليها الطابع العلماني كسائر الحكومات الإسرائيلية، لأطروحات هؤلاء المتطرفين، وانخراطها الفعلي في تنفيذ مخططات التقسيم الزماني والمكاني للحرم القدسي الشريف، وحديثها المضلل والمخادع عن "حرية العبادة" وهو حديث لا يعني سوى حرية عبادة المتطرفين اليهود في المسجد الأقصى.

ويبدو أن تلويح بعض الأطراف الفلسطينية أو انجرارها لقبول تحويل الصراع إلى صراع ديني ينبع من عدة عوامل من بينها الخشية الجادّة من تحضير المتطرفين لهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل المزعوم مكانه، وضعف الثقة بجدوى أساليب النضال القائمة والمتاحة، ثم استثارة حميّة الشعوب والدول الإسلامية ودعوتها للدفاع عن ثالث أقدس المقدسات الإسلامية، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين. وهي معادلة تبدو للوهلة الأولى في صالحنا، كيف لا وعدد المسلمين على امتداد العالم يزيد عن المليار ونصف المليار إنسان، في مواجهة أقل من خمسة عشر مليون يهودي نصفهم في إسرائيل والباقي موزعون في مختلف أصقاع الأرض.

لطالما حذرت القيادات الفلسطينية والعربية من خطورة تحويل الصراع في الشرق الأوسط إلى صراع ديني، وهذا ليس موقفا عبثيا، ولا هو زهد في دعم العالم الإسلامي للحق الفلسطيني. فتديين الصراع عدا عن كونه يخالف الحقائق التاريخية والعلمية، ويتجاهل ارتباط الصهيونية ودولة إسرائيل بالمشاريع والمخططات الاستعمارية في المنطقة، يعني أن لا حلول سياسية وواقعية ولا توجد حتى قدرة بشرية لحسم هكذا صراع يقوم على الصراع التناحري بين معتنقي الأديان والمؤمنين بقناعات وعقائد وأفكار غير قابلة للمساومة، لا حلول للصراعات الدينية إلا وفق منطق القرون الوسطى أي من خلال الغلبة والتمكين، وربما الاستئصال وفي الحد الأدنى استكانة أحد طرفي الحرب وتسليمه بسيطرة الطرف المقابل، ناهيك عن انتظار المعجزات وتدخل العناية الإلهية لحسم الصراع بمعزل عن دور البشر.

وبنظرة فاحصة للتاريخ العربي الإسلامي، وعلاقات اليهود بالمسلمين في مختلف البلاد التي عاشوا فيها معا، سوف نجد أنه على امتداد الفترة الطويلة الممتدة من النصف الأول للقرن السابع الميلادي وحتى مطلع القرن العشرين، لن نجد أية توتّرات أو حروب دينية إسلامية يهودية، بل على العكس من ذلك عاش اليهود وسط المسلمين في مختلف حواضرهم ودولهم في وئام وانسجام، بل إن ممالك الفرنجة ( وهو الاسم الأدق من تسمية الصليبيين) طردت اليهود من فلسطين وبلاد المشرق العربي خلال القرنين الأولين من الألفية الثانية، لكن السلطان صلاح الدين الأيوبي محرر القدس سمح لليهود بالعودة إلى فلسطين، مع الإشارة إلى أن طبيبه الخاص ومستشاره المقرّب كان موسى بن ميمون وهو الرابي اليهودي المعروف  باسم (رمبام).

واقعة تاريخية أخرى مُهمّة تمثلت في قيام ملكي قشتالة واراغون الاسبانيتين ، إيزابيلا وفرديناند، بطرد يهود الاندلس مع من طردوهم من العرب والمسلمين اثر سقوط غرناطة، وما زال يهود شمال أفريقيا يسمون السفارديم نسبة إلى (سفاراد) التي هي اسبانيا.

والمعروف أن الحركات الدينية اليهودية المتزمتة كانت تعارض الحركة الصهيونية في البداية، على اعتبار أن الوعد الإلهي هو مشيئة ربانية وليست عملا يقوم به السياسيون العلمانيون، لكن هذه الحركات اضطرت لاحقا ولأسباب انتهازية للتعايش مع الحركة الصهيونية بعد موجات الهجرة الكثيفة من أوروبا إلى فلسطين وإنشاء دولة إسرائيل التي لم تكن في يوم من الأيام دولة دينية، مع أنها استغلت الجانب الديني لاصطناع هوية قومية يهودية وتشجيع يهود العالم على الهجرة لإسرائيل.

موقف الحاخامية الكبرى بجناحيها الشرقي والغربي ما زال معارضا لدخول اليهود إلى المسجد الأقصى، ويعتبرون ذلك تدنيسا لأقدس الأمكنة، كما يعارضون مخططات هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل الثالث لقناعتهم أن مثل هذا العمل هو من اختصاص المسيح المخلص تجسيدا لإرادة الرب.

ومن بين القوى اليهودية المتدينة ما زالت حركة ناطوري كارتا تعارض بشدة مجمل السياسات العدوانية والعنصرية لدولة إسرائيل وحكوماتها المتلاحقة، وهي تؤيد النضال الوطني الفلسطيني واهدافه في العودة وقيام الدولة الفلسطينية، بل إن زعيم هذه الحركة الحاخام موشي هيرش كان عضوا في المجلس الوطني الفلسطيني ومقربا من الزعيم الراحل الشهيد ياسر عرفات.

ومن أوساط القوى اليهودية العلمانية،  ثمة من يؤيدون الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية من دون تحفظ، ومن هؤلاء عضو الكنيست الحالي عوفر كسيف الذي بلغت به الشجاعة إلى حد اعتبار حائط البراق منطقة محتلة ويجب أن تكون خاضعة للدولة الفلسطينية، وكسيف سبق له أن أعرب عن تأييده لحق العودة، واعتبر أن العمليات الفدائية ضد الجيش الإسرائيلي لا تعتبر إرهابا.

كما أن ثمة مناضلين كثر من أصل يهودي التحقوا بالثورة الفلسطينية ومؤسسات منظمة التحرير وبعضهم قضى سنوات في السجون بسبب نضاله ومواقفه مثل المناضل أودي أديب وشقيقه أساف، ويعقوب بن افرات، وميخال شفارتس وهداس لاهاف، وكذلك المناضل أوري ديفيس عضو المجلس الثوري لحركة فتح، وقبله إيلان هليفي الذي أطلق اسمه على أحد شوارع مدينة البيرة، ولا ننسى المفكر إيلان بابيه صاحب الإسهامات النظرية المهمة في كشف جرائم التطهير العرقي في فلسطين، فهل يقترح علينا دعاة تديين الصراع التخلي عن هؤلاء مع كل الأهمية السياسية والأخلاقية لمواقفهم؟

لسنا بحاجة لسرد مواقف وأسماء "صهاينة" عرب ومسلمين يعلنون انحيازهم لإسرائيل وعدوانها، فهذه ظاهرة شاذة ومؤقتة، المهم ألا ننجرف لفكرة الصراع الديني لأنه يخدم إسرائيل ولا يفيدنا، كما أنه يطمس جوهر الصراع، بوصفه صراع بين شعب تواق للحرية والاستقلال ونظام استعماري استيطاني، وإن كان ثمة مشكلات في أدائنا العملي وسلوكنا الفعلي أو في علاقاتنا العربية والدولية، فعلينا التصدي لحلّ هذه المشكلات كما هي، لا أن نهرب منها بقفزات غير محسوبة في الهواء.

×
أخبار
انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط