كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مخيمات طولكرم ونور شمس: معركة الوجود الفلسطيني في مواجهة مشروع الإلغاء

مخيمات طولكرم ونور شمس: معركة الوجود الفلسطيني في مواجهة مشروع الإلغاء

تاريخ النشر: 2026-06-02 | 11:37

لم تعد الأحداث الجارية في مخيمي طولكرم ونور شمس مجرد مواجهة عسكرية عابرة أو أزمة إنسانية مؤقتة، بل أصبحت عنواناً لمعركة سياسية واستراتيجية تدور حول مستقبل القضية الفلسطينية نفسها. فالمخيم الفلسطيني ليس تجمعاً سكانياً عادياً، وإنما يمثل الشاهد الحي على نكبة عام 1948، والتجسيد العملي لحق العودة الذي أقرته الأمم المتحدة في قرارها رقم 194، وهو ما يجعل استهدافه جزءاً من استهداف الرواية الوطنية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني التاريخية والقانونية.
إن حالة الغضب والاحتجاج التي عبّر عنها النازحون من المخيمين في الأيام الأخيرة يجب أن تُقرأ في سياقها الحقيقي؛ فهي ليست موجهة ضد المؤسسات الوطنية أو المسؤولين الذين يحاولون التخفيف من معاناة المواطنين، بل هي صرخة إنسانية ووطنية ناتجة عن أشهر طويلة من النزوح وفقدان المأوى وتراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. إنها تعبير عن حجم الكارثة التي يعيشها الفلسطينيون في ظل استمرار الاحتلال وسياساته.
غير أن الأخطر من المشهد الإنساني هو البعد الاستراتيجي لما يجري. فالتدمير المنهجي للمخيمات وتهجير سكانها لا يمكن فصله عن التحولات الفكرية والسياسية العميقة داخل إسرائيل، وصعود تيار الصهيونية الدينية القومية المتطرفة الذي يمثله اليوم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش وحلفاؤهما.
واللافت أن عدداً من أبرز الكتاب والمحللين الإسرائيليين أنفسهم يرون أن ما يجري اليوم ليس انحرافاً عن المشروع الصهيوني بقدر ما هو امتداد له بصورة أكثر وضوحاً. فقد كتب الصحفي الإسرائيلي جدعون ليفي أن «المسافة بين دافيد بن غوريون وإيتمار بن غفير أقل بكثير مما تحاول المؤسسة الإسرائيلية إظهاره»، معتبراً أن السياسات القائمة على التفوق القومي وتهجير الفلسطينيين ليست ظاهرة جديدة، وإنما تعبير أكثر صراحة عن مسار تاريخي طويل.
أما الكاتب الإسرائيلي رام بروفمان، رئيس المنتدى العلماني في إسرائيل، فقد خلص في دراسة نشرها إلى أن التناقض الذي قامت عليه الصهيونية بين ادعاء العلمانية والارتكاز إلى الأساطير الدينية كان لا بد أن يقود إلى صعود التيار القومي الديني المتطرف الذي نشهده اليوم. وبحسب تحليله، فإن ما يمثله بن غفير وسموتريتش ليس خروجاً عن المشروع الصهيوني، بل محاولة لإزالة ما تبقى من غلافه الليبرالي والإبقاء على جوهره القائم على السيطرة على الأرض وإقصاء الآخر.
وتتجلى هذه الرؤية عملياً في السياسات المطبقة في الضفة الغربية، حيث يجري توسيع الاستيطان ومصادرة الأراضي وفرض الوقائع بالقوة العسكرية، بالتزامن مع عمليات اقتحام واسعة للمخيمات والمدن الفلسطينية. وقد أصبحت ما تعرف في الأدبيات الأمنية الإسرائيلية بسياسة "جز العشب" أحد المرتكزات الأساسية لهذه الاستراتيجية، وهي سياسة تقوم على تنفيذ عمليات عسكرية دورية تهدف إلى استنزاف المجتمع الفلسطيني وإضعاف قدراته ومنع تشكل أي حالة استقرار سياسي أو وطني يمكن أن تتحدى الاحتلال.
وتشير دراسات قانونية متخصصة إلى أن هذه السياسة تتعارض مع قواعد القانون الدولي الإنساني، لأنها تؤدي عملياً إلى استهداف المدنيين وتدمير الممتلكات وفرض النزوح القسري والعقوبات الجماعية. كما أن اتفاقية جنيف الرابعة تحظر على القوة القائمة بالاحتلال نقل السكان قسراً أو تدمير الممتلكات المدنية إلا في أضيق الحدود العسكرية الضرورية، وهو ما يجعل كثيراً من الممارسات الجارية محل مساءلة قانونية دولية.
إن ما يجري في طولكرم ونور شمس وجنين ومختلف مدن الضفة الغربية ليس مجرد إجراءات أمنية، بل هو جزء من مشروع سياسي يسعى إلى إعادة تشكيل الجغرافيا والديمغرافيا الفلسطينية وفرض واقع جديد يجعل إقامة الدولة الفلسطينية أكثر صعوبة. ولذلك فإن الدفاع عن المخيمات الفلسطينية لا يتعلق فقط بالدفاع عن تجمعات سكانية منكوبة، وإنما بالدفاع عن جوهر القضية الفلسطينية وحق اللاجئين وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
ومن هنا، فإن الرسالة الموجهة إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية ودول العالم كافة هي أن استمرار الصمت الدولي لم يعد يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يهدد مصداقية النظام الدولي القائم على القانون والعدالة. فالقانون الدولي لا يكتسب قيمته من النصوص وحدها، وإنما من القدرة على تطبيقه دون انتقائية أو ازدواجية في المعايير.
لقد آن الأوان للمجتمع الدولي أن ينتقل من مرحلة التعبير عن القلق إلى مرحلة الفعل، عبر توفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، ووقف سياسات التهجير والاستيطان، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي، وتنفيذ قرارات الأمم المتحدة التي أكدت حق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وتقرير المصير.
ورغم حجم الدمار والمعاناة، فإن مخيمات طولكرم ونور شمس ستبقى شاهداً على حقيقة لا يمكن محوها بالقوة العسكرية: أن الفلسطيني الذي حافظ على هويته طوال عقود اللجوء والاحتلال لن يتخلى عن حقوقه الوطنية، وأن المخيم سيبقى رمزاً للذاكرة والصمود وحق العودة، مهما تعددت مشاريع الإلغاء والاقتلاع.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط