كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مخيم جنين.. نزف متواصل وبيوت عزاء لا تغلق

مخيم جنين.. نزف متواصل وبيوت عزاء لا تغلق

تاريخ النشر: 2022-10-19 | 09:39

ليس أقل من ثلاثة ملايين نتيجة على محركات البحث حين تضع اسم "مخيم جنين" شمال الضفة الغربية على محركات البحث، خاصة أشهرها جوجل.

أكتب هذه السطور بصعوبة إذا أردت أن أكون صريحا مع القارئ وقبلها مع نفسي؛ فأنا أعيش في جنين منذ 19 عاما، وعشت في مخيم جنين الملاصق لها حتى شارفت سنوات عمري على الثلاثين، وأرى الأحداث وأعايشها بنفسي كفلسطيني قدر الله له أن يرى ويسمع، ومن الطبيعي أن تحوز عليّ عواطف ومشاعر وآمال وهواجس.

وفي ذات الوقت فإن الكاتب يجب أن يحرص على توازن في طرح رأيه خاصة إذا كان محسوبا على "أهل التحليل السياسي" رغم أنفه أو برضاه، لا فرق.

لذا دبجت هذه المقالة كمن يسير على حدّ السيف، فالكتابة عن الموضوع لأمثالي ليست سهلة لأنني -بتقدير رباني- فلسطيني يقيم من جنين وقطن سنوات طويلة في مخيمها، ويمارس الكتابة احترافا أو هواية أو غير ذلك.. فاخترت وصفا للمشهد بعيدا عن التحليل والتفسير قدر المستطاع.

 

جمعة ساخنة!

مع أنه أعلن قبل سويعات من أذان الفجر عن ارتقاء الأسير الجريح محمد ماهر غوادرة (تركمان) الذي اعتقل عقب تنفيذ هجوم على حافلة جنود إسرائيليين في عملية نادرة في الأغوار في أيلول/ سبتمبر الماضي، أسفرت عن إصابة بضعة جنود، وبعد ملاحقة المنفذين احترقت سيارتهم، واعتقل اثنان هما ابنا عم، وهما في وضع صعب نتيجة الحريق.. بترت يد محمد ماهر قبل أيام وتوالت الأخبار عن تدهور حالته، وأعلن عن وفاته في مشفى هداسا في القدس متأثرا بالحروق الشديدة.. ما زال والده (ماهر) المتهم بالمشاركة في الهجوم مطاردا، وقد ظهر يوم الجمعة للمرة الثانية بعد العملية والمطاردة المستمرة.. ظهوره السابق كان في 28 أيلول/ سبتمبر 2022 بعد استشهاد أربعة شبان في مخيم جنين، حيث ألقى كلمة "نارية متحدية" مقتضبة أثناء تشييع الجثامين.

كان الإعلان عن استشهاد محمد ماهر هو الخبر البارز في جنين، ولكن عموما فإن الأوضاع بدت هادئة فجر الجمعة (14 أيلول/ سبتمبر 2022)، بل كان الحضور إلى الصلاة في المسجد القريب من بيتي كبيرا نسبيا، فهذا يوم الجمعة حيث أنه بعد صلاة الفجر بقليل لن يستعد الطلبة للتوجه إلى مدارسهم وجامعاتهم، ولا الموظفون إلى مؤسساتهم، ولا غالبية العمال إلى ورشهم، بل سيغط أغلبنا في النوم حتى تقترب ساعة خطبة وصلاة الجمعة. وللتذكير فإن التوقيت الصيفي ما زال معمولا به عندنا حتى نهاية تشرين الأول/ أكتوبر.

ربما هذا روتين عند غالبية الناس في مختلف البقاع، في أيام العطلة الدينية والرسمية؛ ولكن هنا الحالة مختلفة، فحياتنا تقوم على الطوارئ والاستثناء مما هو طبيعي وروتيني. فمع أنني أوصف بصاحب النوم العميق، أفقت على أصوات إطلاق صليات كثيفة من الرصاص والانفجارات، قبل حوالي ساعتين من الموعد الذي ضبطت عليه المنبه، ما الذي يجري؟ نحن معتادون منذ مدة على أصوات إطلاق النار، فأحيانا يكون الصوت من بنادق "الشباب" للتجربة فقط، ولكن لنتأكد فالساعة الآن حوالي 8:15 صباحا، أخذت أتصفح تطبيق "تلجرام"، وهو حاليا التطبيق واسع الاستخدام، لمتابعة ما يجري بالنص والصوت والصورة عبر قنوات مختلفة.

الأصوات ليست تجريبية، بل هناك اقتحام لمدينة جنين ومخيمها، من قبل قوات كبيرة من جيش الاحتلال، بينهم وحدة من "المستعربين"، والشبان المقاومون تصدوا لها بالرصاص والعبوات محلية الصنع (شعبيا تعرف العبوة منها بالكوع).

أنظر من النافذة فأرى جيبات عسكرية إسرائيلية مختلفة الأحجام تحاصر المخيم وبعضها يقتحم بعض أطرافه، وتشتد أصوات إطلاق النار.

تتوالى الاتصالات من الأقارب والأصدقاء والأصهار عبر تطبيق "واتساب" وغيره، والهدف منها الاطمئنان، والاستفسار عما يجري.

يبدو أن هناك تشويشا على خدمة الإنترنت سواء التي تصلنا عبر "الراوتر" أو عبر حزم الهواتف النقالة.

أولادي يتنقلون بين نوافذ وشرفات المنزل ويقومون بتصوير ما يجري ويتواصلون مع أصدقائهم، فأطلب منهم التوقف كي لا يقوم قناص حاقد باستهدافهم.. طبعا لا يستجيبون، شأني وشأنهم كشأن سائر الآباء وأولادهم في هذه الظروف ها هنا!

مواجهات ودماء جديدة

تتوالى الأخبار: اشتباكات مسلحة إضافة إلى رشق الحجارة على القوات المقتحمة، واستهداف سيارات الإسعاف في أحد أزقة مخيم جنين، هناك إصابة بحالة حرجة.. لاحقا شهيد.. ما اسمه؟ شاب اسمه متين ضباية.. ابن من هو؟ رحمه الله أعرف والده، كان الله في عونه.. شهيد آخر وإصابات.. اعتقال أحد الشبان.

أحد الجرحى هو عبد الله الأحمد أبو التين إصابته حرجة للغاية، إنه طبيب ويعمل في إحدى دوائر وزارة الصحة الفلسطينية، أصيب برصاص جنود الاحتلال في مكان عمله، على عتبات مشفى الشهيد د. خليل سليمان الحكومي الملاصق تماما لمخيم جنين من الجهة الشرقية.. سيعلن عن لحاقه بالشهيد متين فايق ضباية الذي ووري جثمانه الثرى بعد صلاة الجمعة.

وبيوت العزاء بالشهداء لا تكاد تنتهي، حتى تستأنف من جديد.. في المقبرة تجمع مواطنون، ومسلحون ملثمون من "كتيبة جنين" التي تضم مقاومين من مختلف الفصائل (فتح وحماس والجهاد الإسلامي).. هنا مشهد وحدوي نادر.. كلمات وخطب قصيرة تؤكد المضي على درب الشهداء.

تنتشر مقاطع فيديو وصور دوما تجمع الشهداء الجدد بمن سبقهم قبل أيام أو أسابيع أو شهور، وكأنهم "تواصوا" باللحاق ببعضهم بعضا!

في ساحة مركز الشباب الاجتماعي (النادي) في مخيم جنين يقام كالعادة عزاء الشهداء؛ يصطف ذووهم ومقربوهم لاستقبال المعزين القادمين من مختلف المناطق، وتلقى كلمات تأبينية بين الفينة والأخرى، وعادة في آخر أيام العزاء يحضر مسلحون من كتيبة جنين لإلقاء بيان، يؤكد على المضي في طريق المقاومة وحفظ عهد الشهداء.. تمر بضعة أيام من الهدوء والترقب، ومداخل مخيم جنين يتم إغلاقها (عدا واحدا) بمتاريس حديدية من شبان كتيبة جنين، بهدف عرقلة الاقتحام، ولذا يستعين جيش الاحتلال بالجرافات العسكرية.

ثم يكون هنا اقتحام جديد من جيش الاحتلال، يواجهه شبان وفتية وأطفال من المخيم، وبعضهم أتى من القرى والبلدات المجاورة. فقبل أيام استشهد الطفل محمود سمودي (13 عاما) متأثرا بإصابته برصاص قوات الاحتلال، في 28 أيلول/ سبتمبر 2022، وهو من بلدة اليامون غرب جنين على بعد حوالي 8 كم.. نحن أمام جيل كسر حاجز الخوف، ويقطع أطفال وفتيان وشبان مسافات طويلة نسبيا للمشاركة في المواجهات داخل مخيم جنين.. وتم تداول مقطع فيديو للطفل محمود سمودي وهو يلقي الحجارة على جرافة عسكرية أمام مدخل مخيم جنين، في مشهد ذكرنا بالطفل فارس عودة الذي ظهر وهو يلقي الحجارة على دبابة إسرائيلية في قطاع غزة، في الأشهر الأولى من انتفاضة الأقصى سنة 2000.

هكذا هي الحياة هنا هذه الأيام


أعلم أن التقارير التي تبثها القنوات الفضائية والمواقع الإخبارية وشبكات مواقع التواصل الاجتماعي ربما تغني عن فكرة "الصورة القلمية"، التي بالتأكيد لم تشمل كل التفصيلات، ولكن أردت وصفا مرقوما لوضعنا هذه الأيام.. جنين ومخيم جنين في نزف مستمر، تتخلله مقاومة وتحدّ وصمود، مستحضرين إرثا من سنوات طويلة من المقاومة يدمغ المخيم.
جيل جديد مباشر وصريح في فهمه للصراع وطبيعة المواجهة بعيدا عن الكلام المنمق، وترف التحليل وفلسفات السياسة، يتخذ من الشهداء وأهلهم وآبائهم (أمثال فتحي خازم والد الشهيدين رعد وعبد الرحمن) قدوة ونموذجا.. وصار الناس هنا "شهداء مع وقف التنفيذ"، سواء أكانوا أطفالا أو شبانا يعملون في حرف وأعمال بسيطة أو أطباء أو غير ذلك.
وحتى كتابة هذه السطور، الاشتعال الذي يشاهده المتابع يكاد يقتصر على جنين وخاصة مخيمها ونابلس، فيما تشهد بقية المناطق هدوء نسبيا.. ما المتوقع، وإلى أين نسير؟ الله أعلى وأعلم.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط