كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مدارسنا وكيف تعلّم تلاميذها الدين؟

مدارسنا وكيف تعلّم تلاميذها الدين؟

تاريخ النشر: 2016-02-15 | 09:21

قال الرئيس إنه طلب وضع كتاب عن المواطنة يصلح للتدريس لكل الطلاب والتلاميذ، مسلمين ومسيحيين، فتذكرت هذه القصة.

والمسألة تمتد بالنسبة لى إلى عديد من سنوات خلت، عندما كان حفيدى يردد بصوت شبه مرتفع آية يحاول جاهداً أن يستوعبها دون أن يفهم حرفاً منها: «من شر الوسواس الخناس الذى يوسوس فى صدور الناس من الجنة والناس»، وسألته هل يفهم المعنى؟ فنفى، وحاولت أن أشرح له معنى الآية، لكنه تململ قائلاً: «المِس» مبتسألش فى ده، «المِس» عايزانا نحفظ وبس. واتصلت بمدرّسة الدين وهى ذاتها مدرسة اللغة العربية، فقالت بذات التململ: «منهج الوزارة هو حفظ قصار السور». وحاولت إقناعها بأن الأهم هو أن يحفظ التلميذ ما يفهمه حتى يقترب من القرآن ويحبه ويلتزم بتعاليمه بوجدان وصفاء. فزاد تململها، وقالت والله ده مش شغلى، حضرتك كلم الوزير. وبالفعل كان من حسن الحظ أيامها يوجد وزير مستنير ومنفتح على تطوير أساليب التعليم، لكن الأمر لم يكن سهلاً. المهم شكوت لوزير التربية والتعليم، وكان الدكتور حسين كامل بهاء الدين، فشكا لى قائلاً: هناك الكثير الذى يستحق التغيير ودعانى لمقابلته، فذهبت وقد جمعت معى عدة آيات قرآنية كريمة سهلة الحفظ، وسهلة التأثير فى عقل التلميذ، فتكون هداية ورحمة، مثل:

■ «فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر».

■ «وليس عليك هداهم ولكن الله يهدى من يشاء».

■ «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة»، صدق الله العظيم.

وعشرات غيرها من الآيات، فأمسك بالورقة، وقال: إن عشنا للسنة الجاية نحاول، وأضاف لكن المسألة أكثر تعقيداً.

■ وقال إنه يتألم كلما يتذكر حصة الدين فى المدرسة، حيث يحشد الفراش التلاميذ المسيحيين، صائحاً: «المسيحيين يتلموا فى فصل كذا فنحفر بذلك خندقاً بين التلميذ المسلم وزميله المسيحى». وسألته هل من حل آخر؟ فقال الآخر هو الأسوأ أن نجمع التلاميذ المسلمين فى فصول، والتلاميذ المسيحيين فى فصول مستقلة فيتسع الخندق، ويقام عليه سور عازل. ويتأكد لكل منهم أنه غير الآخر، وأن ثمة شيئاً عزيزاً فى قلوبهم يفصلهم عن بعضهم البعض. ثم يمتد الحوار، لنكتشف ما هو أسوأ، فالذى يدرس الدين الإسلامى مدرس اللغة العربية «وثمة سؤال اعتراضى: هل يوجد مسيحى يدرس اللغة العربية؟»، والذى يدرّس الدين المسيحى مدرس الرياضيات أو الكيمياء بشرط أن يكون مسيحياً طبعاً. وهنا نجد أنفسنا أمام من لا يعرف إلا النزر اليسير من أمر الدين وتعاليمه، ومقصود هذه التعاليم، وتفسير الآيات وتأويلها إن تحتم التأويل وأسباب التنزيل وآراء الفقهاء وتضاربها، وفى الناحية الأخرى نجد مدرس كيمياء قد لا يعرف ولو بأقل قدر تعاليم المسيحية أو حقائق اللاهوت المسيحى أو كيفية تفسير جوهر المسيحية. وهنا وهناك يكون الجهل بحقائق الدين سبيلاً لإخفاء عدم المعرفة بأبسط أوجه الاتفاق وأوجه الخلاف عبر ستار من الطعن فى الآخر، فقلة المعرفة وضحالتها تؤدى بأصحابها إلى تحويل دروسهم ربما إلى جمل حماسية وربما متشددة أو حتى متعصبة ينسى فيها المدرس المسلم وذاك المسيحى دوره التعليمى الصحيح، ويتناسى أو لعله لا يعرف أسس التسامح والمشتركات بين الدينين، وربما كان هو نفسه لا يؤمن بمثل هذا التسامح ولا يتقبل الآخر، وفيما كنت أستعد لدعوة عدد من المثقفين المستنيرين للبحث عن حل لهذه الإشكالية اقتحمت مكتبى سيدة باكية تشكو من أن ابنها، الطالب بالإعدادية، يرفض الذهاب إلى المدرسة، لأن مدرس اللغة العربية يتقصده باللوم والتقريع والتهكم أمام طلاب الفصل، فهو غير قادر، ولعله غير راغب فى حفظ قطعة نصوص وردت فى كتاب القراءة عبارة عن صفحة كاملة من آيات من القرآن. والولد المسيحى يتعرض كل صباح لتهكم المدرس، فما إن يدخل الفصل حتى يسأله: «حفظت الآيات وإلا أنت لسه مسيحى؟» ويضحك المدرس، ويضحك التلاميذ والفتى يرفض الإجابة ويكتفى بالبكاء. طلبت منها أن تحضر الابن وبدأت أشرح له أن القرآن هو بذاته قمة فى البلاغة، وأن حفظ القرآن ليس مجرد واجب دينى، وإنما هو وعى باللغة وتعمق فى فهمها، ومضيت قائلاً: مكرم عبيد مثلاً، وهنا انفجر الفتى: «مين مكرم عبيد؟ الأستاذ مستقصدنى ويتهكم على وأنا المسيحى الوحيد فى الفصل، وكل يوم الصبح يضحّك الفصل علىّ»، وطعنتنى فكرة أن هذا المدرس الجاهل والجهول يستخدم القرآن الكريم بدلاً من أن يكون سبيلاً للهداية والتراحم إلى أداة تعذيب لفتى مسيحى. وتحدثت مع مدير المدرسة تليفونياً، فكان رده أصل المدرس ده «سخيف»، ولما عاتبته، صاح إحنا بندرس كتاب الوزارة واللى مش عاجبه يشتكى للوزارة. ومرة أخرى فتحت الموضوع مع الوزير الصبور والمستنير، وقلت له: هل هناك ما يمنع أن يتضمن كتاب القراءة ولو سطراً واحداً من الإنجيل مثلاً «هأنتذا ترى القشة فى عين أخيك، ولا ترى الخشبة فى عينك»، وبهذا لا يكون التلميذ المسيحى هو الآخر المتعرض للتهكم الغبى، ووافقنى معالى الوزير، وفى مواجهة المد المتأسلم فى مدارس الوزارة ومواجهة السكوت عنه كانت كوارث عدة. مثلاً أمر الوزير بتنقية مكتبات المدارس من كتب التأسلم، وخاصة بعد أن علم بشراء كميات كبيرة من كتب سيد قطب «معالم فى الطريق»، و«فى ظلال القرآن» من دار نشر شهيرة كانت ولم تزل توالى حتى الآن طبعها. وأن هذه الكتب تسللت إلى مكتبات المدارس، فصدرت التعليمات، ثم ذهبت لجنة للمعاينة فى بعض المدارس لتجد كتب التأسلم متربعة على الأرفف وروايات نجيب محفوظ وكتب طه حسين وعلى عبدالرازق والعقاد وكتابى عن حسن البنا، وعن الإخوان توجد فى لفائف تمهيداً لإعدامها. وباختصار أصبحت الاستنارة مشاكسة ومواجهة التأسلم خروجاً على سياسة الدولة، وبهذه المناسبة تلقيت رسالة من د. وسيم مجدى تقول: «إذا تحدثنا عن ضرورة توافق العملية التعليمية مع متطلبات المواطنة، خاصة فى فصول التعليم الأساسى، فإننا بحاجة إلى خط واضح وموحد فى تطوير المناهج وأسلوب التدريس بما يستهدف تعويد التلاميذ على التفكير العلمى والبعد عن الخرافات وتعليم التلميذ أن يربط النتائج بأسبابها المنطقية وتدريس مادة خاصة بحقوق الإنسان مع التأكيد أن الحقيقة، فيما عدا حقيقة وجوده سبحانه وتعالى، هى حقيقة نسبية، ومن ثم تكون ضرورة احترام الآخر وتعويد التلاميذ على التسامح مع الآخر المختلف فى الدين أو فى الرأى. وكذلك الاهتمام بالتعليم الأساسى باعتباره بداية تكوين العقل الجماعى وتكوين الحس الوطنى واحترام الآخر وحقوق المواطنة والتأكيد على المساواة بين المرأة والرجل وبين المسلم والمسيحى. وكذلك الاهتمام بوضع مناهج جديدة لعلم التاريخ تؤكد المواطنة المشتركة والانتماء الوطنى».

ورحل الوزير.

ثم تذكرت ذات يوم الأم الباكية وابنها، فكلمتها تليفونياً، فصرخت فى وجهى: «إنت لسه فاكر، منكم لله، الولد هج سافر كندا عند عمه وأنا رايحة له، وخليهم يشبعوا بيها»، وتظل مكالمتها الباكية تطاردنى، فهل نتلقن الدرس؟

عن الوطن المصرية

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط