كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مرآة مع: مرآة واحدة لا تكفي 

مرآة مع: مرآة واحدة لا تكفي 

تاريخ النشر: 2022-08-16 | 07:38

ومن جديد أقف هذه المرة أمام رواية لصديق عزيز هو الشاعر والكاتب حسن أبو دية، فحين جمعتنا عمَّان بعد غياب طويل على فنجان قهوة في جبل اللويبدة، أفرحني باهدائي عدد من مؤلفاته ومنها روايته "مرآة واحدة لا تكفي" وهي من اصدار الآن ناشرون وموزعون 2019م في عمَّان وتحتوي على 95 صفحة من القطع المتوسط، ولوحة غلاف في وسطها مرايا متكسرة بها وجوه عدة لا تظهر كاملة واضحة بسبب تكسر المرايا من تصميم عدي أبو دية والغلاف الأخير صورة الكاتب ومقطع من الرواية، وتصميم الغلاف جميل ويعكس العنوان للرواية، وكان الإهداء رمزي بقوله فيه: "إلى كل من يهدينا مرآة تكمل لنا الرؤية" وهو اهداء متناغم مع عنوان الرواية "مرآة واحدة لا تكفي" والذي يدل على وجود مرآة واحدة لا تكفي لإيصال ما يريده الكاتب، فيحتاج مرايا ويطلبها في الاهداء من كل من يقرأ الرواية. 

فكرة الرواية تقوم على حكاية عشق عابرة بين الطالبة الأجنبية "لندا" التي تدرس الحضارة الشرقية وأستاذ يقوم بتدريس الفلسفة في نفس الجامعة في دولة خليجية، وهو"المفتون بجيفارا وكاستروا والمسكون بعرفات وماجد أبو شرار ومانديلا" والذي قال لعشيقته: "العشاق هم الثوار الحقيقيون"، وحين سافرت الى بلادها بدأت تتبادل معه الرسائل عبر الشبكة العنكبوتية وتروي حكايتة كمناضل فلسطيني من خلال عملها الصحفي ولا تنسى علاقتها معه فقالت بأحد رسائلها: و"ليلة وحيدة عشتها كانت قيمتها أكثر من الألف ليلة"، والرواية تروي حكاية مناضل فلسطيني انضم للثورة وقاتل في صفوفها وخرج مع القوات إلى معسكر في صحراء الجزائر بعد حصار بيروت، فتستشهد زوجته في مذابح صبرا وشاتيلا التي ارتكبتها عصابات الكتائب تحت حماية قوات الإحتلال في مجزرة بشعة بحق المواطنين العزل في مخيمي صبرا وشاتيلا بعد خروج القوات الفلسطينية وخيانة الأوربيين للتعهد بحماية المخيمات. 

في المعسكر يشعر بالفراغ بعد الإبتعاد عن ساحة النضال فقد "كان الفدائيون يستنشقون عبق حقولهم القادم عبر الأسلاك، فيدغدغ أمل العودة بين ضلوعهم ويبقيه مورقا،... لكن الخروج من بيروت أورثهم جزءاً هائلا من القنوط، ما أصعب أن ترى حلمك يبتعد، وربما يتبخر"، فيقرر الانسحاب من المعسكر وإكمال الدراسة استجابة لطلب الشهيدة زوجته حتى ينال الدكتوراة وبعدها يعمل في تلك الدولة الخليجية، ويسافر لدمشق للقاء عاشق مع الفتاة الأجنبية التي لم تنس علاقتها معه وبقيت على تواصل معه رغم غياب ثلاثة أعوام، وفي مخيم اليرموك يكتشف أن الناس تظن أنه استشهد في معركة الشقيف، ولندا تفاجئه أنها غيرت اسمها إلى "كفاح" انتماء لفلسطين فيعرض عليها الزواج، وفي المخيم تبدأ الرواية باستعادة الذكريات من الطفولة الى الرحيل من مخيم الوحدات الذي لا يتذكره الرواي "سامي مصطفى" جيدا ويتذكر فقط لحظات الرحيل، مرورا بذاكرة مخيم اليرموك الذي تحول الى ساحة صراع بعد انشقاق حركة فتح ومن ثم حضور حركة حماس التي أصبح لها وجود قوي، وذاكرة لبنان ورفاق السلاح ومعركة الشقيف واصابته فيها ونجاته، علما أن كل أبطال قلعة الشقيف وعددهم سبعة وعشرون قد استشهدوا بعد معركة ضارية قتل فيها عدد كبير من الصهاينة ولم تعترف دولة الكيان الا بعد ثلاثين عاما بضراوة القتال والخسائر الكبيرة، وعبر التاريخ الموثق استشهدوا جميعا بمعركة أسطورية ولم ينسحب منهم أحد إطلاقا، وفي رواية أخرى ان هناك خمسة فقط كانوا بكمين خارج القلعة تمكنوا من الانسحاب واستشهد منهم ثلاثة في معارك أخرى. 

هناك ملاحظات على الرواية لا بد من الاشارة لها، فالمفترض أن سامي التحق بالمدرسة في مخيم اليرموك بعد خروج عائلته من الأردن بعد أحداث حرب أيلول بين النظام والمقاومة وما تلاها بأقل من عام من معارك جرش وعجلون التي انتهت بخروج المقاومة من الأردن، والرواي يشير انه لا يوجد بذاكرته الا القليل لمرحلة مخيم الوحدات فقد كان طفلا بفترتها، ولكنه التحق بالأول ابتدائي بمخيم اليرموك وهذا لا بد أن يكون في الأعوام 1971/ 1972 م حسب تسلل الرواية، وسامي راوي الرواية طرد من بيت الأسرة وهو ما زال طالبا بالمدرسة فالتحق بالمقاومة في لبنان وأصبح مقاتلا مع الفدائيين الذي اعتبرهم عائلته الحقيقية، وهذا يعني أنه كان ما زال طالبا بالمدرسة وتركها، فمتى تمكن من الحصول على شهادة البكالوريا وهو خرج مع المقاومة من لبنان الى الجزائر بعد معركة حصار بيروت 1982م ولم يكن عمره يتجاوز سبعة عشر عاما؟ وأيضا متى تزوج وهو ما زال شابا صغيرا فلو تزوج قبل الخروج من لبنان بعام واحد لما كان عمره يتجاوز ستة عشر عاما. 

والنقطة الأخرى انه قرر في معسكر الجزائر ترك المعسكر والالتحاق بالجامعة تلبية لرغبة الشهيدة زوجته باعتباره حاصلا على البكالوريا، علما ان الطالب يحتاج أن يكون عمره ثمانية عشر عاما وبدون انقطاع عن الدراسة حين يحصل عليها وهذا ما أشك به من خلال تسلسل أحداث الرواية وخاصة الاشارة أنه حصل على البكالوريا من مخيم اليرموك، فيلتحق بالجامعة في دولة خليجية حتى يكمل الدكتوراة ويعمل مدرسا بالجامعة، وهذا يثير سؤال مهم وهو هل ترك المقاومة للالتحاق بالجامعة وبالتالي توقف راتبه الشهري، أم حصل على موافقة من قيادته لاكمال الدراسة والمحافظة على راتبه الشهري وهو أمر مشكوك به، ولم يشر الراوي للحصول على بعثة دراسية مع العلم أن البعثات الدراسية كانت في دول أخرى وليس في الخليج، فسامي الفدائي الشاب الصغير فقير ولا يمتلك المال لإكمال الدراسة وهو مطرود من كنف الاسرة التي عاش بينها ولا يوجد له أحد كي يتلقى منه المال لتكاليف الدراسة التي تحتاج الى تسعة أعوام من بداية البكالوريس حتى الحصول على الدكتوراة بتواصل وبدون توقف وهذا يحتاج الكثير من المال لتكلفة الدراسة في الجامعة اضافة لتكاليف المعيشة. 

الرواية أرادت أن تصور مسيرة فرد من أفراد الشعب الفلسطيني كأنموذج من النماذج الفلسطينية، لكنها حفلت بالخيال في كثير من المواقع، والرواية اعتمدت على ذاكرة الاسترجاع أكثر من سرد الحدث وهذا اوقعها بالعديد من الأخطاء ومنها حكاية مقتل كل اسرة سامي بقذيفة سقطت على بيتهم خلال الأحداث في الأردن وبقي هو لأنه كان لدى الأسرة التي ربته بالصدفة، وموضوع سقوط القذيفة وفناء أسرة بالكامل غريب على من عاش تلك المرحلة ويعرفها جيدا، فالمدفعية استخدمت خلال أحداث أيلول فقط وليس فيما سبقها وسقط عدد كبير من الضحايا ولكن لم تكن هناك أسر قتلت بالكامل. 

الرواية التي اعتمدت على الأسلوب الاسترجاعي للذاكرة ضمت شخصيتين رئيسة هما سامي اليافاوي أو سامي مصطفى وليندا التي غيرت اسمها إلى كفاح وهما من سردا الرواية بالكامل تقريبا، حتى ظهرت زينب وشاركت برواية مفاصل مهمة من الرواية وهي أهم شخصية ثانوية بالرواية وما عدا ذلك فهي شخصيات ثانوية عابرة، ونلاحظ أن المكان الأساس في الرواية كان مخيم اليرموك بينما المكان الثاني كان لبنان وإن كان بذكر أقل بقليل، اما مخيم الوحدات والخليج والجزائر فكانت أمكنة ثانوية جدا وردت بأحداث محدودة تماما، وأعتقد أن الجزائر ومعسكرها الذي ضم القوات الخارجة من بيروت كان يحتاج اهتمام فالخروج الى المعسكرات البعيدة ترك أثرا كبيرا على نفسيات المقاتلين. 

حصر الكاتب روايته بزمان محدد يمتد من خروج المقاومة من الأردن حتى عودة سامي اليافاوي إلى مخيم اليرموك، ويلاحظ أن الرواية اعتمدت على السرد تقريبا وابتعدت تقريبا عن الحوار، وأن ضمت بين الصفحات إشارات إلى مواقف سياسية كان الكاتب حذرا فيها، وقد وفق الكاتب بالعرض للبداية وصولا إلى لحظة التأزم بوصوله إلى مخيم اليرموك، ولكن نلاحظ ان الراوي سامي كان يخشى ان يعرفوه بالمخيم ويتعرض لمشكلات بناء على انتمائه الفصائلي السابق وهذا يتناقض مع قراره الذي اتخذه في نهاية الرواية فكانت النهاية غير متوافقة مع تخوفاته، ولكن حوت الرواية بعض من الأبعاد الاجتماعية والقليل من الأبعاد الفكرية، وباعتمادها على السرد الاسترجاعي من الذاكرة خرجت عن المألوف بالرواية المعتادة والمألوفة، لكنها ركزت على الجوانب النفسية للراوي كأنموذج من نماذج المسيرة الفلسطينية وإن لم يدخل للعمق بهذه التأثيرات والجوانب، لكن من جانب آخر كان الكاتب وربما بحكم ثقافته وكونه شاعرا بالأساس كان دقيقا باستخدام الكلمات والأسلوب السهل الممتنع البعيد عن التعقيدات اللغوية والصور الصعبة وحافظ على وحدة الفكرة. 

الرواية ممتعة للقراءة وأعادت لي الذاكرة لأحداث عشتها عبر العقود التي عشتها من عمري حتى الآن، وآمل أن لا تكون مرآتي التي قرأت بها الرواية مزعجة بما ابديت من ملاحظات، لكن مع كل الملاحظات قضيت وقتا ممتعا وجميلا بين دفتي الكتاب. 

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط