كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مرحى بالمقاومة وإن تعثرت

إنها دبويا جديدة بعد أربعةٍ وثلاثين عاماً، دبويا مدوية مزلزلة، مخيفةٌ ومرعبة، منظمة ومعدة وناجحة، رسالةٌ قويةٌ صريحةٌ وواضحة، محددة العنوان والهدف، ومعروفة الغاية والقصد، تنبئ بجديدٍ بعدها، وبقادمٍ إثرها، وبمثيلٍ لها، فخليل الرحمن ولادةُ رجال، وصانعة أبطال، ومربية أجيال، إنها المدينة العصية، الطاهرة النقية، الصابرة الأبية، الجريحة المكلومة، المسكونة بالألم، والحزينة بالرفث الذي سكنها، والعفن الذي استوطنها، والظلم الذي حاف بها ونزل بأهلها.

إنها دبويا جديدةٌ، صنعها مقاومون مجهولون، كما نفذها الأربعة الأقدمون، ضد مستوطنين صهاينة، ومحتلين غزاة، وقتلةٍ عتاة، ومجرمين قساة، أفسدوا المدينة، وعاثوا في طهرها فسقاً وفجوراً، وأرادوا بأهلها شراً وسوءاً، فمرحى بالمقاومين الجدد، بالذين يربطون طرفي المجد، ويعقدون نظم العزة، ويغزلون بالدم والنار ثوب فلسطين القشيب، وفستانها العزيز الغالي، التي تزدان به اليوم وتفخر، وتتيه به وتزهو، إنه ثوب المقاومة الأغر، ثوب الفلسطين الثائرة، وأرضها الطاهرة.

فرحةٌ كبيرة تغمر الفلسطينيين جميعاً، في الوطن وفي الشتات، وفي السجون والمعتقلات، وإحساسٌ بالنشوةِ عالٍ، ومظاهر بهجة لافتة، تكبيراتٌ في المساجد، وشعاراتٌ وتهاليلٌ في الشوارع، وحلوياتٌ وسكاكر توزع، وتهاني يتبادلها المواطنون، وسعادةٌ باديةٌ على الشفاه والعيون، تعبر عنها بوضوح كلمات الفرح، وعبارات السعادة والرضا، ورسائل التهاني والمباركة التي يتبادلها الناس، فرحاً بما حققه رجال فلسطين، وبما صنعه أبطالها المجهولون، الذين نعرفهم بعملهم، ونقدرهم بجهودهم، ونعتز بما صنعته أيديهم.

إنها فرحةٌ لا تستثنِ منها أحداً سوى المنحرفين الضالين، الحزنى المكلومين على الغاصبين الإسرائيليين، الخائفين على حياتهم، والقلقين على مصيرهم، ممن أغضبتهم عملية الخليل، وأزعجتهم محاولة المدينة القديمة نفض غبار السنين عنها، والانعتاق من صمت الماضي الحزين، وخواء الأيام المقيت، والثورة على السجان الإسرائيلي الذي يحبس رجالها ورجال فلسطين، ويزج بهم في السجون والمعتقلات، ويسومهم فيها سوء العذاب، ويواجه مطالبهم بمزيدٍ من الصلف، ويتحدى صمودهم بالكثير من الظلم، ويصد ثباتهم بتشريعاتٍ جديدة، ومحاولاتٍ فاشلة، عله يسكت صوتهم، أو يوهن أجسادهم، أو يضعف قواهم، ويذهب بعزمهم الذي هو حديدٌ لا يلين، وصلبٌ لا ينكسر، ولكن إرادته دوماً يفلها الرجال، وكبرياءه يكسره المقاومون، وإن كانت أجسادهم نحيلة، وقواهم خائرة، وأصواتهم خافتة، ولكنها إرادة الحق وصولته، التي لا تعرف إلا النصر أو الشهادة.

انتفضت مدينة خليل الرحمن، التي عودتنا دوماً على فنون المقاومة، وأشكال المواجهة، والأساليب الجديدة في التصدي للعدو وإيذائه، لتؤازر الأسرى، وتساند المعتقلين، وتقول لهم مقاومتها بصوتٍ عالٍ مزلزل، هدارٍ مجلجل، أنها لا تنس رجالها، ولا تهمل أبطالها، وأن الشعب لا ينام على ضيم أبنائه، وعذاب أولاده، ومعاناة فلذات أكباده، وأنها تساند المعتقلين في إضرابهم بعمليةٍ يزهو بها الأسرى ويفرحون، وتنتشي أرواحهم وتسعد بها نفوسهم، وتطرب لسماعها آذانهم.

نعم إنه أبلغ رد، وأعظم تضامن، وأقوى وسيلة للتفاهم مع العدو ولجمه، وإرغامه وقهره، وإذلاله وكسر أنفه، فلا شئ يوجعه غير ما رأى، ولا شئ يؤلمه غير ما يحس ويلاقي، فما أعظمها من عمليةٍ تلك التي فاجئتنا بها المقاومة في مدينتنا العظيمة الخليل، المدينة التي ظنها العدو الصهيوني أنها شاخت وعجزت، وأن أحشائها قد تبعثرت وتمزقت، وأن المستوطنين فيها قد غيروها وبدلوها، وأنهم استطاعوا أن يغيروا شكلها، وأن يخيفوا أهلها، ويرعبوا مواطنيها، ولكنها مدينةٌ تخفي غضبها كما الجمر تحت الرماد، وتفجره وقتما تشاء، وعندما تحين لها الفرصة، وتتهيأ لها المناسبة، وهي وإن تأخرت إلا أنها تعود وتأتي، وتضرب وتبطش.

العدو الصهيوني يتخبط ويتعثر، وقيادته العسكرية مضطربة قلقلة، حائرة تائهة، لا تعرف كيف استفاقت هذه المدينة، وكيف نهضت المقاومة فيها، وهي المسكونة بالاحتلال، والمحاصرة به، والمطوقة بجنوده، وفيها سلطة أمنية ضابطة ومتشددة، وأمينة وصادقة، في حماية المصالح الإسرائيلية، ومنع أي استهدافٍ لها، أو اعتداءٍ عليها، وقد ساءها للأسف ما قام به سكان المدينة، وأغضبهم ثورتهم على الظلم، وانتصارهم للأسرى والمعتقلين، وغيرتهم على الوطن وأهله، فتبرأوا من الشرف، وتنكروا للعزة والفخار، وأعلنوا براءتهم ممن رفع الرأس وثار، ونفضوا أيدهم ممن أوجع العدو وآلمه، وأبكاه وأحزنه.

لكن هذه المدينة الأقدم استيطاناً، والأشرس مستوطنين، التي يتطلع إليها اليهود بشغف، ويدعون زوراً أنها كانت لهم، وأن نبي الله اشتراها لذريتهم، ليسكنوها ويستوطنوا فيها، استفاقت من جديد، ونهضت من كبوتها التي أرغمت عليها، لتقول للإسرائيليين أننا هنا باقون، لم نبرح أماكننا، ولم نغادر مواقعنا، وسنبقى ثابتين على أرضنا، ومقاومين لعدونا، نقاوم ونقاتل، ونبتدع ونفكر، ونختلق ونجدد، ونبتكر ونغير، وسيكون من أهلها الجديد والغريب، والمفاجئ والمدهش.

إن حلم العدو بسقوط بندقية فلسطين والخليل لن يتحقق، ولن يكون لها ما تريد وإن استظلت بالقوة، واحتكمت إلى السلاح، ولجأت إلى التنسيق والتعاون، واعتمدت أسلوب العقاب الجماعي، والحصار الخانق، وهو ما لجأت إليه قديماً، عندما اجتاح جنودها مدينة الخليل، واستباحوا بيوتها، وأبعدوا بعض أهلها، وسيطروا على الكثير من مربعاتها، وزجوا بالمئات من شبانها في السجون والمعتقلات، انتقاماً من المدينة التي أنجبت صناع عملية الدبويا وأبطالها، التي أحسنوا الإعداد لها، وأتقنوا تنفيذها.

مرحى بما قام بها المقاومون الفلسطينيون، القدامى محمدٌ المجاهد، وتيسير الماهر، وياسر العزيز، وعدنان العدنان، وألف تحية للخاطفين المجهولين إلا من نسبهم لفلسطين، تسلم الأيادي التي صنعت، والعقول التي دبرت، والرجال الذين أعدوا ورتبوا، وخططوا وراقبوا، تسلم أيادي من رفعوا الراية من جديد، هنيئاً لكم ما صنعتم، وبارك الله في جهودكم، وسدد خطاكم، وأصاب رميكم، ولا بأس عليكم إن تعثرتم، ولا يحطن من عزمكم إن فشلتم، فهذه مقاومة، تمضي على بركة الله، تواجه صعاباً وتحديات، وعوائق وعقبات، تصعد أحياناً وتهبط حيناً، ولكنها ماضية بعزم، وثابتة على الطريق، ومصرة على النصر بيقين.

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

×
أخبار
انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط