كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مسؤوليتنا لصون وحدة النسيج الاجتماعي

مسؤوليتنا لصون وحدة النسيج الاجتماعي

تاريخ النشر: 2025-04-14 | 15:59

نظرة سريعة حول ما يُمكن تسميته بمظاهر انفصام المشاعر إزاء ما يجري في غزة، ولاحقاً في شمال الضفة، فإنها تكشف عن أسئلة كبرى لا يمكن إشاحة النظر عنها. فمقارنة انخراط القطاعات الاجتماعية المختلفة من شعبنا في مدن الضفة الغربية فيما يمكن تسميتها بالحملة أو الانتفاضة الشعبية الكونية لوقف الحرب انطلاقاً من المسؤولية الأخلاقية لشعوب العالم، تظهر مدى التدني في مستويات مثل هذا الانخراط بالقياس مع المدن العالمية الأخرى بما فيها قليلة السكان .
لم يأتِ هذا الانفصام مفاجئاً، كما أن انحدار مستوياته لن يكون مستغرباً، وكأن ما تتعرض له غزة من حرب عدوانية متواصلة طوال 555 يوماً يجرى في كوكب آخر، وليس فقط لشعب آخر. فالفعاليات الشعبية في مدن الضفة مقارنة، ليس فقط بحجم المذابح والإبادة ضد شعبنا في القطاع ، بل وبما تنذر به مخططات الاحتلال ضد الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية ذاتها، والتي تتعرض يومياً لمخططات اجتثاث معلنة، يؤكد قصوراً يتجاوز ما جرى للحركة الوطنية من تفكك.
فمقارنة التحركات الشعبية في أي مدينة أوروبية، والتي تتواصل فيها مسيرات حاشدة على الأقل أسبوعياً "كل يوم سبت أو أحد"على مدار ثمانين أسبوعاً متواصلاً ، تظهر حقيقة الواقع، الذي يشعل انذاراً أحمراً شديد الخطورة ازاء ما يجري من تحولات خطيرة في المشاعر الجمعية لدى شعبنا في مختلف مناطق تواجده، وهو ما يُلقي بظلاله ليس فقط على وحدة أدوات النضال الوطني، بل على واقع و مدى وحدة وتماسك النسيج المجتمعي ذاته، والذي سبق وأظهر أقصى درجات التماسك والتضامن في نضاله الموحد طوال سنوات مواجهة الاحتلال، التي بلغت ذروتها على كافة المستويات الكفاحية والاجتماعية إبان الانتفاضة الشعبية الكبرى عام 1987، والتي ما زالت دروسها ماثلة وتشكل نموذجاً لا بد من استلهام جوهره مجدداً .

هنا يبرز السؤال الأساسي، ما الذي جرى منذ بداية التسعينيات، حيث إنشاء أول سلطة وطنية فلسطينية وحتى اليوم ؟ يبدو أنه الحصاد المر جراء فشل الرهان على مسار تسوية أوسلو، حيث يتحمل الاحتلال المسؤولية الأولى عن ذلك، دون إغفال التواطؤ الدولي مع منظومة الاحتلال والاستيطان، إلا أنه أيضاً يكشف فشل منظمة التحرير الفلسطينية في بناء سلطة وطنية تعبر عن وحدة الهدف والمصير الوطنيين، من حيث جوهرها كرافعة لتعزيز الصمود في معركة تحرر وطني طويلة الأمد، وما كان يستدعيه ذلك من ربط دقيق بين مهام التحرر الوطني من الاحتلال ، وبين متطلبات البناء الديمقراطي لمجتمع الصمود القادر على سد الثغرات، وتعظيم ما يمكن أن يتحقق من إنجازات، وجوهر هذا الربط المفترض هو العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للموارد على شحتها، وكذلك التوزيع العادل لمتطلبات مواجهة استراتيجيات القمع ومصادرة ونهب الأرض والموارد الطبيعية التي لم تنفك حكومات الاحتلال المتعاقبة من تنفيذها على مدار السنوات العجاف من عقود وهم التسوية .

وقد زاد الانقسام الطين بلة، سيما بعد الفشل المزمن في مدى الجدية لاحتوائه، والتصدي لتداعياته الخطيرة، والتي كانت تتراكم أمام أعيننا يوماً تلو الآخر، ملحقة أفدح الأضرار، ليس فقط على المصير الوطني، بل وعلى الأحوال المعيشية للناس، وباتت هذه الأضرار تغرز أنيابها في النسيج المجتمعي، ونشوء ما يُمكن تسميته بحالة الاغتراب بين "مجتمعي الضفة والقطاع". وبدلاً من التصدي لهذه المظاهر الخطيرة على المجتمع الفلسطيني ومدى تماسكه وقدرته على مواجهة التحديات الوطنية الكبرى، فقد اتسعت الهوة بعد السابع من أكتوبر، جراء تباين المواقف ليس فقط حول مبرراته وجدواه، بل وانزلاقها نحو تباينات ازاء متطلبات مواجهة تداعيات وحشية العدوان، التي باتت منذ اليوم الأول تتضح كونها إبادة جماعية ومخططات تطهير عرقي أُعد لها سلفاً بعناية. فإذا كان من مشروعية للتباين حول السابع من أكتوبر وما قد يولده من تبعات، فلم يكن مشروعاً على الإطلاق، بل يكاد يكون تخلياً عن متطلبات المسؤولية الوطنية، وعن الحد الأدني من المسؤولية الأخلاقية، عندما ينبري البعض في تحميل المقاومة مسؤولية الابادة المستمرة، بما يفرزه ذلك من نتائج خطيرة سواء على وحدة خطاب قوى وحركات التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني لوقف حرب الابادة، أو وحدة المشاعر الجمعية ازاء مسؤلية الاحتلال عنها ، إن لم يكن ذلك تبرأة غير مباشرة له بغض النظر عن نوايا أصحابها.

في هذا السياق لا يمكن النظر لما جرى و يجري من مظاهر اجتماعية تبرز انفصاماً عن واقع الابادة، دون التدقيق في أسبابها والتصدي الجرئ لمعالجة جذورها السامة والخطيرة على المستقبل الوطني برمته. الناس في الضفة يعيشون في واقع مأزوم ومتعب منذ سنوات طويلة: اقتصاد هش، بطالة، قمع، فقدان الأمل، وغياب مشروع وطني جامع. هذا يولّد ما يُشبه “الخدر الجماعي”، حيث يفقد الناس القدرة على الاستجابة للقضايا والأحداث الكبرى بنفس الحساسية المطلوبة . حين يشعر الإنسان أن لا قدرة له على الفعل، يلجأ لا شعوريًا إلى تجاهل الواقع أو تقليصه عاطفيًا كآلية دفاع. هذا ليس قسوة، بل هو رد فعل وجودي على العجز . وحتى لو صح القول أن الإحجام عن الانخراط في فعاليات احتجاجية يعود للتخوف من تبعات الاحتجاج على المحتجين، فهذا لا يفسر اطلاقاً ولا يبرر رعاية مناسبات ومظاهر احتفالية أو المشاركة فيها.
إن تفكك المشروع الوطني بين مسيرة تسوية فاشلة، أو مقاومة عالية الكلفة ، لا يلقي بظلاله على تفكك الحركة الوطنية والاستفراد الاحتلالي "بجناحيها" المتموضعين على ضفتي الانقسام فحسب، بل ويترك نُدباً عميقة على مدى وحدة وصلابة تماسك النسيج المجتمعي ذاته. ولهذا فإن الدعوات المتكررة لاستعادة الوحدة، والتي يتشدق البعض بأنها دعوات منفصمة عن واقع الحال، وأنها مستحيلة التحقق، أو أنها كمن يصرخ في صحراء التيه لتبرأة الذات من مسؤولية التلكؤ في إنجازها ، هي، وهي فقط المدخل الأول لمعالجة كل التداعيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، و ما ولده غياب التصدي الجاد لها من تيه يكاد يعصف بالجميع، ومعهم مصيرنا الوطني برمته. فالمنفصمون عن الواقع ليسوا دعاة استعادة وحدة مؤسسات الوطنية الجامعة، والحريصين على استنهاض كامل طاقات شعبنا لوقف الابادة ومخططات الضم والتصفية، بل أولئك المتربحون من هذا الواقع المرير، والمنتفعون من الاحتلال المتربص بنا جميعاً.

غزة، الغارقة في دمها وتحت أنقاض بيوتها المدمرة، وكل مكونات ومصادر حياة أهلها، ليست هي المعزولة، فقد باتت معياراً العدالة والقيم الأخلاقية والإنسانية في هذا الكون الواسع، أما الذين يستسلمون لواقع بوابات حصار المدن والبلدات التي يفرضها الاحتلال، ويقفون عاجزين أمام اجتثاث المخيمات، معزولين عن واقعٍ بات يلتهم حتى غرف نومهم، فهم من يواصلون تشويه أولويات شعبنا الوطنية من التصدي لحرب الإبادة وإنقاذ المصير الوطني، إلى الانسياق في دهاليز هندسة الحالة الفلسطينية، طمعاً في فتات خادع يُلوِّح به الاحتلال لإنقاذ مصيرهم الشخصي.
السؤال الحقيقي ليس فقط “لماذا لا يتحركون؟”، بل ربما: كيف يمكن لشعب مجروح، مشتت، مقموع، أن ينهض من تحت الركام؟
وهنا تأتي الحاجة لمشروع وطني جامع وثقافي منفتح، يقومان على التعددية وإطلاق حرية الرأي والتعبير والفكر ،يُعاد من خلالهما بناء الوعي الجمعي، ويُجدَّد الإحساس بالمسؤولية الجماعية والمصير المشترك. فالخطر جلل وعظيم، ويستدعي تغييرًا وطنيًا يعيد لشعبنا كرامته، وبوصلته الكفاحية، وتضامنه الاجتماعي. وقد بات هذا التغيير استحقاقًا وجوديًا لا يحتمل التأجيل.

×
أخبار
السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط