كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مسرحية "برلمان النساء": الفن والفكر والحكم

مسرحية "برلمان النساء": الفن والفكر والحكم

تاريخ النشر: 2021-11-28 | 11:58

أدخلنا المخرج الفرنسي جان كلود فورا في مضمون مسرحية أريستوفان، فور ظهور ظل النساء وهن يرتدين ملابس أزواجهن من وراء الشفافيات، التي استخدمت لعرض أحاديث النساء الفلسطينيات عن المساواة، في عمق المسرح، حيث وجدنا أنفسنا في "برلمان النساء"، حيث تتهيأ نساء اليونان، للذهاب الى البرلمان، متخفيات بأزياء رجالهن، لاستعادة سلطة النساء، التي سادت قبل الانقلاب الذكوري.

لعبة جميلة، في تبادل الأدوار، مثيرة الكوميديا، حين يضطر الرجال، أعضاء البرلمان، الى ارتداء ملابس النساء، اللواتي، يلتقين ليلا، حيث يتدربن على كيفية الانقضاض على البرلمان، مثيرات نقدا حادا لانقياد الذكور لمصالهم، وتنكرهم لمصالح الشعب، واهتماماهم بميزات عضوية البرلمان والحكم. وقد تفاءلنا بلعبة مسرحية كوميدية فعلا، تمتلك القدرة على إيصال مضمون النص الإنساني. كان مشهدا مؤثرا وجذابا، تلاه عودتهن وقد أحكمن السلطة على البلاد، باتجاه المساواة والقضاء على الملكيات الخاصة، أي الشيوعية.

كان مشهد لقاء الأعضاء بعد تحولات الحكم كوميديا، فلم يتمكن الأزواج من الخروج من منازلهم بعد أن استولت زوجاتهم علي ملابسهم، فصاروا موضع تهكم من بعضهم على بعضهم، حتى أنهم راحوا يحاولون معرفة ما يكون هناك، ثم تصارح القائدة الجديدة زوجها، حاسمة أمر الانقلاب، من أجل الخلاص العام. وتروح لتبشر بذلك في ساحة البلد، حيث يبدأ الكثيرون في التخلي عن ملكياتهم. ثم تدعو الجميع لطعام مشترك.

لكن ذلك، للأسف لم يستمر بهذا الجمال الفني، حين تم قطع المسرحية، للانتقال لما يعرف بمسرح المنبر، ليجري طاقم المسرحية حوارا مع الجمهور حول مشركة المرأة في الحياة السياسية وصنع القرار. وبالطبع لسنا ضد أي مذهب فني في الإخراج، لكن كان حريا بالمخرج معرفة الجمهور الذي يقدم له؛ فجمهور مسرح القصبة جمهور مثقف واع، لذلك يصبح شكل تقديم هذه التوعية، عاملا منفرا، لأن دور الفن هنا أعمق بكثير من التنظير.

فلو كما نزعم، ذهبت المسرحية لمداها الدرامي لكان أفضل، حيث أن المنظور السيكولوجي للتلقي هنا، سيكون نابعا من الذات نفسها، التي ستتأثر وتعمل على التغيير، أما الآن، فقد تم السطو على الدراما، حيث أدى التكلف في التوعية والنقاش، إلى تخفيف الأثر الإنساني القادم من عالم الدراما. أما وقد صار يشبه الإملاء، فسيكون له أثر سلبي على الجمهور، الذي يقبل على مشاهدة عرض مسرحي، ليفكر هو به ويشعر، بشكل حرّ.

أمران كان ينبغي الانتباه لهما في نظري: الأول يتعلق بفهم دور الفن والمسرح منه، والثاني يتعلق بهو-وهي، في المجتمع الفلسطيني، حيث أن التناقض الفعلي ليس بينهما تماما، بل أن التناقض هو بين (هو-هي) وما صار إليه الحال من سوق مفتوح في ظل حكم كولينيالي. لذلك لم يكن من الضرورة المبالغة في إظهار الخلاف الأنثوي-الذكوري. وعليه، فقد كانت الشفافيات وما انطبع عليها من أحاديث نسوية أشبه بمواد تقريرية أثقلت المسرحية.

لعل المسرحية بهذه الشكل تثير الحديث لا عن المضمون الفكري فقط، بل عن اختيار الأساليب الفية للتعبير عنها، ذلك أن الفن والأدب لهما طرائق مغايرة في التعامل مع الفكر والشعور، الذي ينبع من القلب للقلب، بشكل إيحائي بعيد عن المباشرة والوعظ والإرشاد. إن العمل المسرحي هو نفسه الذي يثير الأسئلة، ويوحي بالإجابات أيضا على الجمهور، دون أن يكون مطلقا أو ملقنا.

جدلية جمالية وفكرية، في مسرحية أريستوفان، من الروائع الإنسانية الخالدة، تقودنا بإيحاء لتأمل أنفسنا، خصوصاً هو/هي؛ فمع التجربة، تصبح هذه الثنائية هي الأكثر تأثيراً علينا كبشر، ومجتمعات بل وعالم أيضاً، من حيث ضرورة التوازن بين الطاقات الإنسانية الذكورية والأنثوية، للتحفيف من كل أنواع الصراعات، بدءاً بالذات وصولاً للعلاقات الدولية؛ فتأمُّل تاريخ الحرب والسلام، يقود بالمجمل الى طغيان مشاعر على أخرى، بل وطغيان لمشاعر فرد أو أفراد في السيطرة، لا على مجتمعهم فقط، بل فيما هو خارجه.

فإنها اليوم، ومن تطور الوعي، راحت إلى بذر بذور الأمل، بدءاً منهما: أصل الوجود. لقد انتقلت نقلة نوعية من تصوير الشعور في الحيّز العام والاجتماعي والنفسي، إلى الحيز الخاص بين الرجل والمرأة، محتفلة به، كأنها تبشّر أو تعود للأصول التي كانت عليها المرأة قبل الانقلاب الذكوري، باختلاف الرؤيا، بحيث تعلي من شأنهما معا، فلا يسطوان على بعضهما، بل يتكاملان فعلا، ليس فقط معا، بل في ذات كل منهما بما في كل نفس منهما طاقات الذكورة والأنوثة.

من هنا، تتعمّق قيمة المساواة والعدالة، من منطلق طبيعي وإنساني، حين تعبر عن هموم المرأة، مقدرة وجود الرجل، يدا بيد، فلا تخفي الحاجة لهذا الوجود.

لعلنا نتجه الى السياق الفكري وربما التاريخي لنص أريستوفان، 446–386 قبل الميلاد، والكاتب المسرحي الكوميدي، والذي يعتبر من رواد المسرح الساخر في اليونان القديمة، والذي لم يستثن أحدا من سخريته؛ فقد سخر من كل أنواع البشر، مضمنها النكات والمبالغات والنقد السياسي اللاذع. ولربما وفرت شخصيته حاضنة مهمة للتخيّل، مدفوعا بالبحث عن خلاص ما؛ حيث ظهرت البذور الوجودية في أعماله قديما.

عاصر أريستوفان نزاع أثينا مع شقيقتها اسبرطة، حاضرتي اليونان القديمتين، ولم يكن من السهل عليه تقبل النزاع الدموي، فكان ينتقد قتل اليوناني لأخيه. وقد تعرض لمضايقة السلطة الجديدة بسبب مواقفه.

منطق براكساجورا في السيطرة على الحكم، مبرر بأن الحكام الذكور نهبوا البلاد، وأغرقوا أثينا في ويلات الحروب. ويتم ذلك لهن، بسبب أنهن الأغلبية.

والمسرحية التي من تمثيل عامر خليل وايمان عون وشادن سليم وآخرين،  كان من الممكن لو أخذت مداها المسرحي، لآتت تأثيرا أكثر عمقا. ولربما لكان تأثيرها كوميديا أكثر في مسألة كبار السن والحب.

استخدام ملابس معاصرة، قرّب المسرحية الإغريقية ووطنها في الزمان والمكان الآن، أما الإضاءة، فلربما كان استخدام اضاءة اليد في البداية انسجاما مع السرية.

وأخيرا، فثمة تجربة مسرحية، جمعت اريستوفان من زمن الإغريق، مع مخرج فرنسي معاصر (غرب قديم وجديد) مع طاقم تمثيلي من فلسطين (شرق)، كان يمكن أن تكون إبداعية أكثر لو تم الاستغراق فيها دراميا.

وتظل "برلمان النساء" واحدة من أهم الروائع الخالدة، التي ستظل تلهم البشرية للعدالة والسلام وهي في طريقها نحو المستقبل.

×
أخبار
مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط