كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مُسيّرات الكاظمي وشاحنة الحريري

مُسيّرات الكاظمي وشاحنة الحريري

تاريخ النشر: 2021-11-07 | 19:41

بدون مقدمات، أيقظت محاولة إغتيال رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي الفاشلة، عملية اغتيال رفيق الحريري الناجحة، وخصوصا تداعياتها المتناسلة رغم تقادم الزمن. وبدون مقدمات أيضاً، تبدو الاستهدافات الاستراتيجية العميقة للاغتيالين متشابهة حدّ التطابق.

محاولة اغتيال مصطفى الكاظمي رغم فشلها، حبست أنفاس ليس العراق والعراقيين فحسب، بل أنفاس المنطقة برمتها. حبس أنفاس غير منزوع الصواعق، تماما كما إنه غير منزوع السياقات. فمحاولة الاغتيال هي ترجمة أمينة لتهديدات متلفزة أطلقها قادة الفصائل الموالية لإيران وآخرهم قيس الخزعلي الذي توعّد الكاظمي وهدّده. لم يمرّ وقت طويل على تهديدات خزعلي العصائب، وقبله كتائب حزب الله وكتائب سيّد الشهداء، حتى ترجمته المُسيرات المفخّخة على أرض المنطقة غير الخضراء.

خبر محاولة الاغتيال وبالمُسيرات المفخّخة غير مفاجىء. فقد سبق لهذه المُسيّرات أن حلّقت تحذيرياً فوق مقر الرئيس العراقي برهم صالح وفي المنطقة الخضراء إياها، ويومها غادر الرجل الى مسقط رأسه في إقليم كردستان وعاد الى بغداد دون الحديث عن ضمانات بعدم تكرار الرسائل المُسيّرة وغير المشفّرة. كما سبق لهذه المُسيرات أن حلّقت أيضاً فوق مقر مقتدى الصدر في الحنانة بمدينة النجف، ويومها امتصّ زعيم التيار الصدري تحذير المُسيّرات، وتعمّد عدم إثارته، تاركاً أمر معالجته للغرف البينية والإقليمية المغلقة.

لكنّ تنفيذ الميليشيات لتهديدها ووعيدها ضد الكاظمي، برهن أن الجماعة لا يمزحون، بل إنهم جادون ومستعدون للذهاب الى ما بعد بعد المُسيّرات بدءاً من برهم صالح ومقتدى الصدر تحديداً.

صحيح أن محاولة اغتيال الكاظمي قد فشلت لتنطلق تداعياتها بيانات استنكارية عراقية وعربية ودولية تصف العلمية بالارهابية. لكن ما النتائج التي كان يتوخّاها أصحاب المُسيّرات منها، بل ماذا عن السيناريو اللاحق لما بعد الاغتيال فيما لو نجح؟

أغلب الظن أن فشل الإغتيال لا يعني طي صفحته بل يعني استدراكه بعملية مضمونة النتائج. فأمر الموت الولائي صدر بحقّ الكاظمي، وفشل هذه العملية التي سبقها ثلاثة محاولات، لا يعني فشله في عملية لاحقة، فدوام الفشل من المحال.

لكن اغتيال الكاظمي لو نجح، فسيكون الحلقة الأولى من السنياريو الذي أعده أصحاب المُسيّرات بإتقان بعد نفاذ مخزونهم من الصبر الاستراتيجي في التعايش والتأقلم معه في محاولة بناء الدولة العراقية.

أمّا الحلقة الثانية من السيناريو فستكون باقتحام المنطقة الخضراء وإطباق السيطرة عليها وعلى ما فيها من مقرّات رسمية وحكومية وأمنية وعسكرية، كما وباقتحام مقر مفوضية الانتخابات واعتقال مسؤوليها والغاء نتائجها، وإعلان الميليشيات الولائية سيطرتها على الوضع العام بعد اعتقال مقتدى الصدر وفرض نوري المالكي رئيساً لحكومة مفروضة بقوة السلاح، تأخذ على عاتقها تصفية الوضع القائم.

خطورة محاولة اغتيال الكاظمي رغم فشلها أنها وبالحد الأدنى وجهت الرسائل لكل من تسوّل له نفسه محاولة النيل من الميليشيات المتغوّلة على العراق والدولة العراقية والشعب العراقي، رغم خسارتها المدوية في الانتخابات التي كشفت عُريها وسوءاتها حتى من ورقة التوت التي أسقطها الشعب العراقي خلال ثورة تشرين بضريبة دم بلغت نحو ألف شهيد والاف الجرحى والمعوقين، ثورة صرخ بناتها وشبابها ونسائها ورجالها في ميدان التحرير ببغداد، وساحة الحبوبي في الناصرية كما وفي ساحات البصرة والنجف وكربلاء التي مزّقت وأحرقت فيها صور خميني وخامنئي وسليماني "ايران برا برا بغداد تبقى حره".

يوم اغتيال الباحث العراقي هشام الهاشمي قلنا، "ان اغتيال الهاشمي أشبه بنصف اغتيال لرفيق الحريري دون رفاقه، وهو بدون شك نصف اغتيال فعلي لرئيس الحكومة مصطفى الكاظمي، الذي سبق أن تلقى كما الهاشمي تهديدات بالقتل تهدف لدفعه إلى تعديل سلوكه، والإقلاع عن تنفيذ خطته الأساس القائمة على حصر السلاح بيد الدولة.

وبعد عام على اغتيال الهاشمي أعلن الكاظمي عن اعتقال قتلته وقال "وعدنا بالقبض على قتلة هشام الهاشمي وأوفينا الوعد". لكن مفاعيل القبض على قتلة الهاشمي بدت وكأنّها ضد "مجهول" لأنها جهّلت الميليشات التي ينتسب لها القتلة. والأمر نفسه حصل مع قتلة صحفي البصرة أحمد عبد الصمد.

ورغم عدم إماطة اللثام قانونياً عن الجهات التي تقف وراء منفذي الاغتيالات ضد الناشطين فضلاً عن ضباط الجيش والأجهزة الأمنية العراقية إلا أن هذه الجهات معروفة لكل العراقيين. إنهم أنفسهم خلايا الكاتيوشا التي للمفارقة لم تصب صواريخها الصوتية "المقاومة" يوماً مقر السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء، بخلاف المُسيّرات المفخّخة التي أصابت منزل الكاظمي.

آخر الدواء الكي، المعادلة التي تصرّ الميليشيات الولائية على فرضها في العراق، والتي تعتبر أن مشروعيتها تنبثق من صليات الصواريخ والمُسيّرات المفخخة وليس من صناديق الانتخابات التي خذلتها مرتين، مرة بالعدّ الالكتروني ومرة بالعدّ اليدوي.

إنه الاغتيال الذي أراد أصحاب المُسيرات من خلاله إعادة العراق مجرد جبهة متقدمة لايران تتغوّل فيها وعبرها على البلاد العربية، سيّما بعد الدور الجديد الذي حاولته بغداد من خلال بعض القمم العربية والإقليمية، وخصوصاً الحوار السعودي الايراني الذي يبدو أنه اصطدم بتعنّت ايران التي يبدو أنّها لا تريد من الحوار مع السعودية سوى اعادة فتح البعثات الدبلوماسية السعودية الحريقة في طهران وقم، بعيداً عن لجم أذرعها في اليمن ولبنان.

محاولة اغتيال الكاظمي ترخي بظلالها على الواقع اللبناني المأزوم والمتشابه لأبعد الحدود مع الواقع العراقي حيث تتغوّل في كل منهما الميليشيات على الدولة. تغول فضحته ثورة تشرين العراقية وفرضت بسببه متغيّرات جوهرية، مشابهة للمتغيرات التي فرضتها 17 تشرين اللبنانية. ويبدو أن التشابه بين العراق ولبنان دفع أصحاب المُسيّرات الولائية لكي يقتبسوا من لبنان نجاح اغتيال رفيق الحريري بشاحنة مفخخة، وهو الإغتيال الذي تمكن حزب الله من بعده من الإطباق التدرجي على مفاصل الحكم والسلطة والاقتصاد الذي يعيش اليوم مرحلة ما بعد الموت في قعر جهنم، من قبل إنفجار مرفأ بيروت بشحنات النيترانيوم وبعده.

ولأنّ الانتخابات بالانتخابات تذكر، فهل سيجد اللبنانيون أنفسهم أمام تكرار السيناريو العراقي في لبنان، وألهذا السبب رفع نصرالله اصبعه مجدداً وكشف عن الـ 100 ألف مقاتل، ذلك السرّ الثمين لعديد قواته الذي يلهث وراءه دهاقنة الموساد، علماً أن نصرالله لم يرفعه في وجه اسرائيل، بل رفعه في وجه اللبنانيين عبر التصويب على قوى سياسية يناصبها الخصومة والعداء بعدما انخرط معها في "التحالف الرباعي" وفي حكومات متعاقبة تبادلوا فيها المنافع وتقاسموا الأدوار ضد الشعب الذي تظاهر ضدهم "كلن يعني كلن".

السيناريو العراقي ليس بعيداً عن لبنان، بل يرجّح أن مآلات الانسداد والاستعصاء في الواقع اللبناني بعد تشكيل "حكومة الماكريسية" آخذة في التصاعد جرّاء بنانية هيمنة ال ب على الدولةتي تفتح ثغرة في وجه التصلب السعودي الخليجي ويرجح العربي ضد لبنان حزب الله بعد احتلال العراق وغزواصطدامها بفيتو حزب الله المزدوج على جلسات الحكومة حتى إقالة المحقق العدلي في إنفجار مرفأ بيروت، وعدم إقالة وزير الاعلام جورج قرداحي التي ربما تفتح ثغرة في وجه التصلّب السعودي الخليجي الغاضب من هيمنة حزب الله على الدولة اللبنانية.

العراق على مفترق طرق وعرة. وخيارات الكاظمي الذي وُضع تحت مرصد المُسيرات محدودة، لكن أقصرها وأقلها كلفة هو تنحية الكلام عن الحكمة والحوار مع ميليشيات المُسيّرات ورميه جانباً، والعمل بحزم على بسط سلطة الدولة وتحريرها من قبضة الميليشيات وتغوّلها وهذا ما تنتظره الغالبية الغالبة من العراقيين.

بعد محاولة اغتيال الكاظمي، سيفكر نجيب ميقاتي ألف مرّة قبل أن يقرّر الإعتكاف أو الإستقالة، سيّما أنّه لم يعد بمقدوره أن يبيع العرب معسول الكلام وممجوجه.

×
أخبار
نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط