كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مشاريع النهضة والعقلنة والتحديث ومعوقاتها

مشاريع النهضة والعقلنة والتحديث ومعوقاتها

تاريخ النشر: 2018-01-21 | 11:53

شهد العالم العربي الاسلامي منذ أواخر القرن التاسع عشر ، موجات من الحركات الاجتماعية الفكرية والتيارات الدينية العقلية والنهضوية التنويرية، التي تنادي بالاصلاح والحداثة والعصرنة والتجديد الديني. 
ولكن للاسف أن جميع هذه الحركات والتيارات اخفقت في تحقيق واحداث نقلة نوعية على صعيد تجديد وعقلنة الفكر الديني ، واجراء اصلاحات جذرية عميقة ، وتجسيد تطلعات وأماني شعوبنا ومجتمعاتنا العربية الاسلامية في التقدم والعصرنة والتمدن والتطور العلمي الحضاري . 
وكان المصلح الاجتماعي الطهطاوي أول من وقف على رأس حركة النهضة العلمية الثقافية التي أسس لها هو وجيل التنويريين والاصلاحيين المؤمنين بالتغيير، أبرزهم: جمال الدين الافغاني، رائد الاصلاح الديني الذي اضطلع بدور ثقافي وسياسي هام وحاسم في مصر وجمع حوله عدداً من المثقفين ورجالات العلم والفكر والثقافة من مختلف الأطياف والمشارب والمذاهب الفكرية والاجتماعية والسياسية . وقد سعى في البداية الى هدم وتدمير السور الذي اقيم في أعقاب حرق مؤلفات الفيلسوف العربي الاسلامي ابن رشد ، بين الاسلام والفلسفة ، معتبراً أن الاسلام هو دين العقل والاجتهاد والجدل ، وأن الايمان الحقيقي هو الايمان المستند الى الدليل والبرهان العقليين . كذلك مثّل تيار الاصلاح الديني الاسلامي الامام محمد عبده والمصلح عبد الرحمن الكواكبي ، وهذا التيار رأى أن المجتمعات العربية الاسلامية تعيش حالة انحطاط ثقافي واجتماعي وسياسي ، ولن تجتازها نحو المستقبل الحضاري الا من خلال مشروع اصلاحي مجتمعي تغييري يشكل رافعته اسلام عقلاني متنور منفتح على العلم. 
وقد ركز محمد عبده على الحرية الفردية وحرية الاعتقاد والتفكير والتعبير ، موضحاً أن الأصل الثالث للاسلام هو البعد عن التكفير ، بينما الامام عبد الرحمن الكواكبي اهتم بالحرية السياسية مؤكداً أن الاستبداد هو عامل أساسي ورئيسي لتخلف المجتمعات العربية الاسلامية وحجر عثرة في طريق تقدمها ونهوضها ورقيها ، معلناً بصوت واضح أن هناك علاقة عضوية جدلية بين سيطرة الجهل على الأمة وسيادة الاستبداد. 
وفي خضم حركات التحرر الوطنية التي تبلورت ونضجت في ظل الأنظمة العربية التقدمية بعد جلاء الاٍستعمار ، نشأ جيل من دعاة العصرنة والعقلنة والاصلاح الثقافي والاجتماعي ، مستنداً الى ركائز أساسية، منها: النهضة العلمية والفكرية والاصلاح الديني ، والثورة الاجتماعية الديمقراطية . وتمثل هذا الجيل بالشيخ الأزهري العلامة علي عبد الرازق ، صاحب كتاب " الاسلام واصول الحكم" الذي يعتبر أهم كتاب في نقد الفكر السياسي العربي والاسلامي ، وأثار حين صدوره عاصفة هوجاء وبسببه جرّد من مشيخة الأزهر ، ومن خلال كتابه هذا أوضح علي عبد الرازق بأن الاسلام لا يتعارض مع العلمانية، بل في وسعه التعايش معها. وقد فتحت أفكاره هذه افاقاً جديدة أمام تطور الاصلاح الديني في المجتمعات العربية والاسلامية ، وتنامي وتصاعد دور التيار العلماني التقدمي العقلاني في العالم العربي. كما تمثل هذا التيار بطروحات وأفكار أحمد لطفي السيد وطه حسين والشيخ الأحمر عبد اللـه العلايلي وغيرهم . 
ولا ريب أن محاولات فرض العصرنة والاصلاحات الثقافية والاجتماعية بشكل فوقي ، ناهيك عن التجارب التحديثية الخاطئة ،أدت بالتالي الى نكوص واضمحلال حركة الاصلاح الديني وانطفائها ، والى ولادة وانبثاق ألأصوليات الاسلامية الراديكالية ونمو الخطاب الديني السلفي وتبلور ايديولوجية الاسلام السياسي ممثلة بحركة الأخوان المسلمين عبر أقطابها سيد قطب وحسن البنا . 
وأذا ألقينا نظرة سريعة الى أحوال وأوضاع الأقطار العربية الاسلامية نجد حجم الفشل والاخفاق الذريع الذي منيت به حركة النهضة ومشروعها التنويري النهضوي، ونرى أيضاً، الردّة الفكرية والظلامية والتضليل الفكري في بنية الخطاب السلفي ، علاوة على السطوة غير المسبوقة للأصوليات الاسلامية الراديكالية المعادية للحداثة والعلم والحضارة ، التي تحجب أي تطور واجتهاد اصلاحي وراء أدخنة الارهاب ودعوات التكفير ومحاكم التفتيش ، التي طالت عدداً من النخب الثقافية التي تؤمن وتتبنى الفكر العلماني التقدمي الاشعاعي النير، وكذلك ازدهار التعصب الديني على حساب العقل والتنوّر. 
وازاء تصاعد المد الاصولي المتأسلم، ووسط دعوات الأنغلاق والتقوقع على الذات ووسط زعيق وضجيج القوى التكفيرية المتطرفة ، وفي مواجهة الخطاب الديني المتشدد المتنكر لشرعية الأختلاف ، شهدت الساحة الفكرية العربية بروز عدد من المفكرين والمثقفين النقديين العقلانيين المتنورين الداعين الى تجديد الفكر الاسلامي واحياء التراث النقدي العقلاني فيه. ومن أبرز هؤلاء المثقفين والتنويريين الجدد: محمد أركون ، ونصر حامد أبو زيد، وصادق جلال العظم ، ومحمد عابد الجابري، والشيخ الراحل خليل عبد الكريم وسواهم. وها هم يخوضون معارك سجالية حضارية وفكرية شرسة ضد الشطط التكفيري ، وينتقدون الخطاب الاسلامي السائد، خطاب التعصب والسلفية المعادية للعقل.، وذلك عبر مساهماتهم النيّرة وجهودهم الأكاديمية وبحوثهم الفكرية والتاريخية الجادة، سعياً لتأسيس نهضة اصلاحية جديدة وتأصيل قواعد الحداثة العقلية في المجتمع العربي الاسلامي من خلال تجديد الفكر الديني المعاصر وتنويره بالعقل، بدلاً من بقائه ارثاً متحجراً يرزح تحت نير الأفكار والطروحات السلفية والغيبية ، التي تقف سداً منيعاً أمام تطلعات الشعوب العربية المقهورة والمستلبة نحو الحرية وبناء مجتمع الرخاء والعدالة الاجتماعية . ويشير نصر حامد ابو زيد في كتابه" نقد الخطاب الديني" الى ان دعوة الاسلام في جوهرها هي دعوة لتأسيس العقل في مجال الفكر والعدل وفي جال السلوك الاجتماعي وذلك بوصفهما نقيضين للجهل والظلم ، ويميّز بين الدين ، بما هو مجموعة نصوص مقدسة ثابتة تاريخياً وبين الفكر الديني بما هو اجتهادات بشرية لفهم تلك النصوص وتأويلها واستخراج دلالتها، ليصل الى فكرته المركزية حول اختلاف الاجتهادات من عصر الى عصر ومن بيئة الى بيئة. 
وأخيرا يمكن القول، أن مجتمعاتنا العربية في هذه المرحلة التاريخية المظلمة تحتاج الى ثورة ثقافية ومعرفية نقدية وعلمية ديمقراطية ، وتنمية وعي معرفي عقلاني بهدف استكمال مسيرة النهضة الفكرية والعلمية التي بدأه الطهطاوي ، واستعادة قيم التنويرلأجل انجاز نهضة معرفية جديدة من خلال مشروع نهضوي حضاري عربي اسلامي قادر على تجديد الفكر الديني وتخليص الشعوب العربية المضطهدة من مظاهر وأشكال التخلف والجهل والتبعية، وتأسيس المجتمع المدني المتطور والمتجدد المتفاعل مع ذاته والمنفتح على الحضارات الانسانية الاخرى. 
×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط