كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مشروع ليبرمان للسلام

يبدو أن وزير الخارجية الإسرائيلية زعيم حزب إسرائيل بيتنا، الحليف الأبرز لنتنياهو، والمنافس الأكبر له على رئاسة الحكومة الإسرائيلية القادمة، رغم مظاهر الصداقة، وعبارات الود والمجاملة بينهما، وأشكال التنسيق والتفاهم التي تحكم عملهما، وتسير تحالفهما، إلا أنه يتطلع للحلول مكانه، وإشغال منصب رئاسة الحكومة الإسرائيلية، بعد أن تم الاتفاق على إجراء انتخاباتٍ تشريعية مبكرة، يظن الأول أنها ستكون لصالحه، وأنها ستقزم دور خصومه، وستقلل من حجم معارضيه ومناوئيه، وقد تقصي بعضهم، وتطردهم من الكنيست.

لكن ليبرمان الذي اشتهر عنه معارضته لعملية السلام، واعتراضه على تقديم أي تنازلاتٍ جديةٍ للفلسطينيين، ورفضه الاعتراف بأي كيانٍ فلسطيني أياً كان شكله وطبيعته، والذي دعا إلى ترحيل المواطنين العرب من بلداتهم وقراهم، وتجريدهم من الجنسية الإسرائيلية، ونقلهم قسراً إلى مناطق السلطة الفلسطينية، تمهيداً لإعلان الدولة اليهودية النقية الخالصة لليهود من كل أنحاء العالم.

والذي عرف عنه أيضاً استفزازه للآخرين، واستخفافه بآراء من سواه، وإحراجه لنظرائه الأوروبيين وغيرهم، ودعواته المتكررة لاستهداف السد العالي وقصفه، والمبادرة إلى تدمير أي هدف قد يشكل خطراً على أمن الكيان الصهيوني ومواطنيه، أينما كان هذا الهدف، قريباً أو بعيداً، فهو يدعو إلى وجوب تدميره في أي وقتٍ وزمان تحدده القيادة العسكرية والأمنية الإسرائيلية.

يبدو أنه وهو المتكلس في أفكاره، والمتطرف في سلوكه، والغريب في أطواره، قد جدد في سياسته، وعدل في آرائه، وطور في أفكاره، وأراد أن يخرجها في قالبٍ آخر وشكلٍ مختلف، وإطارٍ جديد، بعد أن أعاد قراءة الواقع، ودرس المعطيات الجديدة، والتطورات الحادثة.

لكنه إن بدا للبعض أنه غَيَّرَ في الجوهر، وبدل في الأساسيات والأصول، وأنه استفاق من غيه، وتاب عن خطأه، وآب إلى رشده، واستعاد عقله، وفهم السياسة، وأدرك أنه لا يستطيع أن يلعب وحده، وأن يقرر بمفرده، وأن يشطب حقوق الآخرين، ويتجاوز بالقوة إرادة الفلسطينيين، إلا أن الحقيقة أنه بقي على تطرفه، واستمر على مواقفه، وحافظ على أفكاره، ولكنه حاول أن يزينها، وأن يظهرها بقالبٍ جميلٍ وأنيق، رغم أنها تكرار للقديم، وتأكيد على نفس المواقف والتصورات.

لهذا لا نستغرب أن يعلن أفيغودور ليبرمان أهمية إعادة دراسة مبادرة السلام العربية، وأن الوقت أصبح مناسباً لإعادة النظر فيها، والاعتماد عليها أساساً للسلام مع العرب، وقاعدةً للانطلاق بها نحو المستقبل، علماً أنه كان واحداً من الذين ساهموا في إجهاضها، وأحد الذين يعملون في السر والعلن، لإفشال أي مسعى للسلام، إذ يعترض على مسار المفاوضات، وكان يطالب رئيس الحكومة بسحب ملف المفاوضات من وزيرة العدل المقالة تسيفني ليفيني، أو تقييدها ومنعها من التصرف، أو التفرد في القرار، وإجبارها على ضرورة العودة إلى مجلس الوزراء المصغر عند أي قرار، فلا تتخذه بنفسها، ولا تمض به دون استشارة وإيجاز من قبل الحكومة ورئيسها، مخافة أن تعطي أكثر مما ينبغي، أو توافق على ما يقبل به الإسرائيليون.

بدأ ليبرمان في تسليط الضوء على مبادرته الخاصة للسلام، وأخذ يروج لها محلياً ودولياً، وباشر في عرضها على نظرائه من وزراء الخارجية، وطالب طاقمه الحكومي إعداد دراساتٍ منظمة ومعمقة تبين فكرته، وتشرح مبادرته، والمباشرة في طرحها عبر السفارات الإسرائيلية على مختلف الجهات الدولية، لتأخذ بها علماً، وتتهيأ لتأييدها وتشجيع مختلف الأطراف العربية والفلسطينية للقبول بها والموافقة عليها.

مبادرة ليبرمان لا جديد فيها، ولا خير منها يرتجى، فهي لا تختلف عن أفكاره القديمة، ولا تأتي بجديدٍ يرضي الفلسطينيين ويحقق طموحاتهم، بل إنها على العكس من ذلك، تضر بهم وتهدد مستقبلهم، وتتجاوز حقوقهم وتنقلب على أحلامهم، فهي تقوم على طرد الفلسطينيين الصامدين من بلداتهم وقراهم في مختلف المناطق، واجبارهم على التخلي عن الجنسية الإسرائيلية، والانتقال إلى مناطق السلطة الفلسطينية، خاصةً سكان مدن حيفا ويافا واللد والرملة، وعكا وصفد ومدن الشمال الفلسطينية، على أن تقوم الحكومة الإسرائيلية بضم بعض بلدات النقب والمثلث، القريبة من مناطق السلطة الفلسطينية، والمكتظة بالسكان العرب، إلى السلطة الفلسطينية، لتكون جزءاً من أي كيانٍ فلسطيني قادم.

يتضح من مشروع ليبرمان للسلام، أنه بات يؤيد تشكيل كيانٍ فلسطيني، لكن شرط ألا يأخذ هذا الكيان شكل الدولة، وألا يكون على حساب المستوطنات الإسرائيلية، التي يجب أن تسلخ منه، وأن تكون مستقلة عنه، وأن تتبع الدولة العبرية، دون أن تخضع لسلطات الكيان الفلسطيني، الذي لن تكون له سلطاتٌ مطلقة، ولن يتمتع بسيادة مطلقة على البحر والجو، وستكون سلطاته على الأرض مقيدة، كما سيكون منزوع السلاح، ومحدد القدرات، ومكفوف العلاقات الدولية، بما يشبه الحكم الذاتي واسع الصلاحيات، حيث تنشغل السلطة في إدارة السكان، وتلبية حاجاتهم، والقيام على شؤونهم، شرط أن تلتزم التنسيق الأمني، وأن تقوم به بأمانةٍ وصدق، وإلا فإنها ستعرض نفسها للعقوبات الإسرائيلية، وسيلتزم المجتمع الدولي بمعاقبتها، كونه الجهة الراعية والكافلة لأي اتفاقٍ بين الطرفين في المستقبل.

لكن ليبرمان يشترط أن يكون السلام عربياً، وأن يكون شاملاً ومكتملاً، على أن يكون باسم العرب، وبشهادة الجميع، الذين يجب أن يلعبوا الدور الأساس في حمايته ورعايته، وضمان بقائه وصموده، وتحدي معارضيه، ومحاسبة المعتدين عليه، وكل من يحاول خرقه أو إفساده.

يعتقد ليبرمان أن مشروعه هو الأفضل، وأن الأنظمة العربية توافق عليه، وتقبل به، وأن مبادرته للسلام هي الأساس السليم للبناء عليها، ذلك أنها ستجعل من الكيان الصهيوني دولةً قوية، بدلاً من أن تكون دولةً عظمى، تحقق الأمن لمواطنيها، والسلام لسكانها، وتطمئن الآخرين، وتشعرهم بالأمان في محيطها، في ظل الحفاظ على جيشٍ متفوقٍ وقوةٍ عسكرية كبيرة، فلا يقوى على الاعتداء عليها أحد، ولا يفكر بالمساس بأمنها دولةٌ أو تنظيم.

لعل ليبرمان يتطلع إلى الانتخابات التشريعية الإسرائيلية القادمة، التي ستتم مبكراً عن موعدها، وأنها ستكون مختلفة عن سابقاتها، خاصة أن مؤسسات استطلاع الرأي تتنبأ بفوزه، وأنه سيحقق نتائج لافتة، قد يكون فيها منافساً لحزب الليكود وزعيمه، بما يجعله أقرب إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية، التي لن يرفضها، ولن يؤثر فيها نتنياهو على نفسه، ولن يقدمه إلى المركز أو المنصب على حسابه، ذلك أنه بات يتطلع إلى تصدر الحياة السياسة الإسرائيلية، ورئاسة الحكومة، بعد أن نجا من الملاحقات القضائية، وبرأت الشرطة ساحته من الاتهامات الموجهة إليه، وعاد إلى منصبه الذي احتفظ به له صديقه نتنياهو.

 

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

×
أخبار
الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة " الاتحاد الأوروبي يدرج 1650 كياناً وفرداً روسياً جديداً ضمن قوائم العقوبات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط