كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

مشعل وقذارة القيادة: كيف قدم السنوار إلى كبش فداء لحساباته؟

مشعل وقذارة القيادة: كيف قدم السنوار إلى كبش فداء لحساباته؟

تاريخ النشر: 2026-01-10 | 16:26

لم يكن اغتيال إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، في طهران أواخر يوليو 2024، حدثا أمنيا عابرا يُضاف إلى سجل استهدافات قادة الحركة، بل مثّل لحظة كاشفة هزّت عمق بنيتها السياسية والتنظيمية، فالضربة لم تستهدف شخصا بقدر ما أصابت مركز القرار نفسه، وأطلقت صراعا مكتوما داخل أروقة المكتب السياسي "الذي يُعد أعلى هيئة قيادية في الحركة" لم يكن جوهر الصراع هو التنافس على القيادة بقدر ما كان صراعا على النجاة.
سؤال واحد فرض نفسه بقوة داخل الغرف المغلقة: من يملك الجرأةـ للجلوس على كرسي بات يُنظر على أنه موعد مؤجّل مع الموت؟ صراع كشف بوضوح، التناقض الكبير بين شعارات التضحية التي طالما رفعتها القيادة، وحقيقة حسابات البقاء التي تحكم سلوكها خلف الكواليس.
وتحت وطأة هذا الحدث، لم تنتظر الحركة طويلا، فبعد يومين فقط على عملية الاغتيال، عُقد اجتماع طارئ للمكتب السياسي لاختيار رئيس جديد للحركة، في سباق مع الفراغ القيادي، رغم الإدراك شبه الجماعي بأن المنصب لم يعد شرفا تنظيميا، بل بات أشبه بحكم مؤجّل بالموت على من يتصدّره، وخلف الأبواب المغلقة، وحسب مصدر خاص، النقاشات كشفت عن انقسام حاد وغير مسبوق داخل القيادة، انقسام تجاوز الخلافات التقليدية ليصل إلى صراع وجودي بين تيارين متناقضين: تيار يريد الاستمرار بأي ثمن "تيار المشايخ"، وتيار آخر يقدّم "حسابات النجاة" في صدارة الأولويات وهو تيار "البراغماتيين" الكلاسيكيين بالخارج، والذي يرى التمسك بالمنصب مخاطرة غير مبررة أكثر منه واجبا وطنيا.
وحسب المصدر، طُرح اسم خالد مشعل بوصفه الخيار الأبرز، باعتباره الرئيس الأسبق للمكتب السياسي، وأحد أكثر وجوه الحركة خبرة وحضورا، غير أن المفاجأة لم تكن في تداول اسمه، بل في رفضه القاطع تولي المنصب، رفض لم يكن خلافا سياسيا أو تنظيميا، بل تعبيرا صريحا عن خوفه من الموت، فالحرب وقتها كانت مستمرة، وسجل الاغتيالات الإسرائيلية في الخارج مفتوح على مصراعيه، وإسرائيل في ذروة اندفاعها الانتقامي، بينما لم يكن مشعل وغيره، مستعدين لتحويل أجسادهم إلى أهداف مباشرة لآلة القتل الإسرائيلية، وهنا تحديدا انكشف التناقض الفادح "الرجل الذي أمضى سنوات طويلة يصدّر خطاب "الشهادة" والموت في سبيل الله، وجد نفسه، عند لحظة الاختبار الشخصي، يفضّل الحياة على الشعارات، ويقدّم حسابات النجاة على خطابٍ أمضى عمره في تسويقه بوصفه واجبا وطنيا وتنظيميا، وهكذا خرج الاجتماع الحاسم برسالة واضحة، "المنصب قاتل، ومن سيخلف هنية لن يكون سوى اسم جديد في قائمة الاغتيالات القادمة".
إذن، لم يكن إحجام قادة الحركة في الخارج عن تولّي المنصب موقفا فرديا مقتصر على مشعل فقط ، بل تعبيرا عن حالة عامة من التراجع الجماعي، فرضها الخوف الصريح من الاغتيال، والقلق على أنفسهم وعائلاتهم الذين اعتادوا حياة القصور والتنقّل الآمن بين تركيا وقطر وماليزيا، بعيدا عن الجبهات والحروب، تفاصيل ثانوية تقدّمت فجأة لتصبح المحدد الأول للقرار السياسي، في مفارقة غير أخلاقية مع خطاب طالما نادى بالشهادة وفرضها على غزة بوصفها واجبا وطنيا ودينيا، وعند هذه النقطة، ومع انسحاب الجميع خطوة إلى الخلف، قال مشعل أثناء الاجتماع أنه لم يبقَ سوى خيار واحد، خيار يُدفع به إلى الواجهة: يحيى السنوار.
يحيى السنوار، المحاصر في قطاع غزة وسط حرب مفتوحة ومطاردة يومية، لم يُطرح اسمه في حسابات خالد مشعل ودائرته بوصفه خيارا قياديا بقدر ما جرى التعامل معه كحلّ سياسي قليل الكلفة، فالسنوار حسب ما قال مشعل أثناء الاجتماع، إنه (صاحب قرار "طوفان الأقصى"، ولم يبلغ قيادة الخارج لأنه لا يثق في سرّيتهم وسهل اختراقهم، وهو ذاته الرجل الذي باتت إسرائيل تطارده بوصفه المسؤول الأول عن السابع من أكتوبر، وربما تنتهي الحرب باغتياله)، وهنا تحديدا وجد مشعل الفرصة المثالية، تقديم السنوار كـ"كبش فداء"، يُدفع إلى رئاسة الحركة ليتحمّل وحده مسؤولية الحرب ونتائجها، وبهذا يتخلص من مركز ثِقل غزة المتمثل في السنوار، لذلك لم يكن تكليف السنوار سوى عملية إعادة تدوير للخطر القائم، تمنحه وظيفة تنظيمية تتيح لقيادة الخارج التبرؤ من قرار الطوفان، والتجمّل أمام الحلفاء، والادّعاء بأن ما جرى في السابع من أكتوبر كان "مغامرة" لا يتحمّلون وزرها.
قرار مشعل وتياره في الخارج يعكس مرة أخرى منطق الهروب من المسؤولية، لا شجاعة الاعتراف بها، ويكشف كيف تُستخدم غزة وقادتها كمساحة لتصفية الأخطاء والحسابات، فيما تُحفظ رقاب قيادة الخارج "البرغماتيين" بعيدا عن الحسابات والدم.
وحسب المصدر، بعد اختيار يحيى السنوار رئيسا للحركة أثناء الاجتماع، تم الاتفاق على أن يتم الحديث في البيانات الرسمية ووسائل الإعلام أن قرار "السنوار رئيسا للحركة" تم اتخاذه تقديرا لتضحيات قادة غزة، ورسالة وفاء لدماء الشهداء، حتى أن يحيى السنوار نفسه بدا مذهولا واستغرب من القرار والذي عَلِمَ به بعد أيام من اتخاذه، في موقف يكشف مرة أخرى كيف تُستثمر غزة وقادتها كبش فداء لصالح نجاة الخارج من المحاسبة.
لم يكن يحيى السنوار "الاختيار الأمثل أو الأنسب" لتولي قيادة الحركة، بل كان الاختيار الممكن الوحيد، كما أن القرار لم يكن تعبيرا عن إجماع بقدر ما كان نتاج خوف صامت لدى من رفضوا الجلوس في الواجهة، وهكذا، تحوّل المنصب الأعلى في الحركة من رمز قيادة وشرف تنظيمي إلى منفذ هروب للبراغماتيين في الخارج، الذين حاولوا الابتعاد عن مواجهة تبعات الحرب، تاركين السنوار وغزة وحدهم لتحمّل الموت على الأرض.
والمفارقة الأشد وضاعة تكمن هذه الأيام في أن خالد مشعل، الرجل الذي رفض تولّي منصب رئاسة الحركة أثناء الحرب وأعطاها للسنوار، بات اليوم يشكّل التحالفات ويحيك المؤامرات لضمان فوزه على منافسه المتوقع، خليل الحية، في انتخابات رئاسة الحركة المزمعة خلال الشهر الجاري.
هذا التناقض والانقلاب في السلوك يكشف حقيقة نظرة مشعل وتياره تجاه غزة، بأنها المدينة التي لا تصلح إلا لساحة اختبار، وصرح بذلك علانية أثناء حرب الإبادة على غزة أن "خسائرنا تكتيكية"، وأن دماء أهلها أدوات لحسابات المصالح والنفوذ.
إن هذه الكواليس تكشف حقيقة مرّة وصعبة، وهي في زمن الاغتيالات والحرب المفتوحة، لم تعد القيادة تُمنح للأقوى تنظيميا، بل للأقرب من الموت، وفي هذه المعادلة، كان يحيى السنوار هو الاسم الذي قُدِّر له أن يدفع الثمن ويكون كبش فداء، بينما رفض خالد مشعل تكرار تجربة اغتياله السابقة في الأردن خلال تسعينيات القرن الماضي، تحت قاعدة صرح بها علانية بين مقربين له: "أنا جربت ونجيت، خلي غيري يجرّب".
وللحديث بقية في المقال القادم.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط